خواطر عابرة – السياحة: فوائد ومفاسد


قال الإمام الشافعي رحمه الله :

تغرّبْ عن الأوطانِ في طَلَبِ العلا

ففي الأسفار خمس فوائِد

تفريج هم، واكتساب معيشة

وعلم، وآداب، وصحبة مَاجِد

بهذين البيتين أجمل الإمام الشافعي فوائد السفر التي هي : تفريج الهم، وطلب الرزق، وطلب العلم، واكتساب آداب، وصحبة الأماجد.

وإذا كانت السياحة في العصر الحاضر نوعاً من أنواع السفر، فمعنى ذلك أن بعْض هذه الفوائد تُجنَى من السياحة أيضا، وخاصة تفريج الهم. إذ أن تفريج الهمّ أو الاستراحة أو الاستجمام من الأمور الأولَى التي ترتكز عليها السياحة. كما أن تعرُّف الآخرين، الذين يكْسبون آداباً وأخلاقا إنسانية يعتبر قيمة مضافة في مجال تكوين إنسانية الإنسان.

معنى هذا أن “السياحة” بمفهومها العام شيء طبيعي في الإنسان، لأنها من الوسائل التي تؤدي إلى التقارب بين الشعوب والتعارف بينها.

لكن يبدو أن هذه الأهداف لا تحضر عند العديد من يهوى السياحة أو يحترفها في العصر الحاضر، حيث يبدو جانب الترويح عن النفس والاستجمام هو الغالب على كثير من رواد السياحة في وقتنا الحالي، ومن الأكيد أن هذا الهدف هو الآخر نبيل إذ أنه يمكن أن يدخل في حقوق النفس على صاحبها.

لكن أن تتحول السياحة إلى وسيلة لنشر آفات غريبة عن المجتمع، ينكرها أبناء المجتمع بأنفسهم قاطبة، أو أن ينقل السائح مساوئ ما يراه بعين ناقمة محتقرة إلى بلده فهذا مالا يقبله غيور.

في مدينة ذات طبيعة وعادات محافظة، في اللباس والأخلاق والعادات، يخرج سائحان؛ رجل وامرأة، بزيّ أهل البلد أحدهما يتبطن الآخر بشكل لافت للنظر، مُهين لأخلاق أهل البلد، الكل يتبعهما بنظراته المستنكرة، وإن كان البعض “يُفَرِّج” عن نفسه بقوله -حينما يكتشف أنهما من غير أهل البلد وغير مغربيين- : “هُمَا نْصَارَى”. وكنتُ من جملة من شاهد المنظر مما دفعني إلى أن أتساءل : ألا يمكن أن يكون هناك تنبيه للسائحين بضرورة احترام مشاعر أهل البلد وخاصة في المناطق المحافظة؟!

وموازاة مع ذلك، يعمد بعض السائحين الغربيين إلى التوقف عند خيام الرعاة الرحل، فيصورون بالصوت والصورة أوْضَاع هؤلاء البؤساء، فلا العفة تمنع هؤلاء من الاستجابة إلى “المصورين”، حيث إن الفقر والحاجة يدفعهما دفعا إلى استقبال هؤلاء السائحين، مقابل دريهمات قليلة، ولا القانون يردع أولئك من تجنب الوقوف عند هذه الخيام. ولو كان الأمر يقتصر على التصوير العادي الذي يحتفظ به في ذكريات السياحة لهان الأمر، ولكن هذه الصور تُوظّف في مجالات مخزية، فعن طريق المونتاج توظف في أفلام مختلفة المواضيع مما يقدم صورة سيئة عن المغرب، ولقد زرت مؤخراً دولة أسيوية فوجدت أنه ترسخ لدى عامة أهلها صورة سيئة عن المغاربة وعن فاس عموماً، بسبب مسلسل ميكسيكي شاهدوه وُظفت فيه لقطات غيْر أخلاقية عن المغرب، ويبدو أن بعض هذه اللقطات من قبيل هذه الصور التي تؤخذ هنا وهناك دون رقابة… فهل تكون هناك مدونة للسياحة تحفظ للمغاربة كرامتهم، وقبل ذلك للسياح أيضا كَرَامتهم وخاصة مما يتعرضون له في مداخل المدن من مضايقات من قبل “مرشدين” غير مرخصين، مما يقدم صورة أخرى غير مشرفة عن المغاربة؟!

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *