ثقافة التنمية – فن الحديث أمام الجمهور (1)


الكثير من الناس لا يستطيعون الحديث أمام جمهور كبير لا يعرفون أفراده، وإذا اضطروا لذلك لا يفلحون وتجدهم يعانون صعوبات كثيرة في ذلك، حتى وإن كانوا على قدر كبير من المعرفة أو يتولن المناصب العليا. وتتجلى أهم هذه الصعوبات فيما يلي:

– استعمال مضامين وأساليب غير متوافقة ومستوى المخاطبين

– الوقوع في الاضطراب والانفعال

– التسبب في الملل لذا الجمهور مما يدفعهم إلى الانصراف أو عدم المتابعة والتركيز

ويتخذ الحديث أمام الجمهور عدة أشكال، ولكنه يعتمد نفس المهارات والاستعدادات تقريبا، وله نفس الأهداف التي يمكن اختصارها في نقل المعرفة إلى الجمهور وتحفيزه لاستيعابها وتطبيقها أو العمل بها، ومن هذه الأشكال، نذكر:

– الخطبة والموعظة والتعبئة: وهي تهدف إثارة المشاعر، وتخاطب القلوب أكثر من العقول، ولا يفتح فيها باب المناقشة والحوار، أي حديث في اتجاه واحد

– المحاضرة أو المداخلة في ندوة أو مؤتمر أو اجتماع: وهي تتمثل في إلقاء عرض أو كلمة عن موضوع محدد من طرف متخصص في جمع من الناس، الذين يحاورونه حول مضامين عرضه، على شكل أسئلة أو تعقيب

– التنشيط والتكوين: وهي عملية تعتمد أساسا على إشراك الحاضرين وتنظيم تدخلاتهم وعدم الاستحواذ على الكلام من طرف المنشط

وهناك أربعة شروط للتحدث جيدا أمام الجمهور، وهي:

< إتقان أساليب الحديث وكيفية التأثير في المتلقي

< التمكن من لغة الحديث

< التمكن من محتوى الحديث

< التحضير المسبق للحديث

1- إتقان أساليب الحديث :

أ- الأساليب المرتبطة بالصوت:

الصوت هو الأداة الأولى للمتحدث، لذا من الواجب عليه أن يتقن الأساليب المتعلقة بالصوت إذا أراد حصول الاستيعاب والتأثير. وهذه بعض الأساليب الضرورية:

– قوة الصوت: هي مطلوبة لكي يصل الكلام إلى سمع الجمهور خصوصا إذا كان العدد كبيرا والقاعة كبيرة أو وجود ضجيج. ويجب تفادي رفع الصوت أكثر من اللازم أو أكثر من القدرة الطبيعية لأن ذلك يمكن أن يصيب المتحدث بمرض بحة الصوت. والصوت القوي هو الأكثر تأثيرا لأنه يصدر من الصدر أي من الداخل من منبع الأحاسيس والمشاعر، ثم إنه يعطي انطباعا جيدا لذا الجمهور حيث صاحب الصوت القوي هو الشخص الذي له شخصية قوية وثقة كبيرة في النفس.

– تنويع نبرات الصوت: على المتحدث أن يشكّل صوته حسب الحديث، إذا كان الحديث حزينا كانت نبرة صوته حزينة أو العكس. ومن الأفضل عدم الحديث عندما يكون المتحدث في وضعية نفسية أو صحية غير عادية، فحديثه بالتأكيد سوف يكون غير مأثرا، لأنه لن يستطيع تغيير نغمة صوته.

– السرعة والوقفات: معلوم أنه كلما كانت سرعة الكلام كبيرة كلما كانت نسبة الاستيعاب أقل، وكلما كانت سرعة الكلام بطيئة كلما كان التركيز ضعيفا والاستيعاب أقل أيضا، لذا فالسرعة الوسطى هي المطلوبة. كما أنه من الأفيد عدم السرد المتواصل، بحيث يتخلل الحديث بعض الوقفات التي تشير إلى الانتقال إلى فكرة أخرى أو محور آخر، وهي تريح المتحدث في نفس الوقت.

– التنفس السليم: إن ما يتعب المتحدث ويجعل كلامه غير مفهوما أو مسموعا، هو استرساله في الحديث بدون أخذ القسط الوافي من التنفس. ومعلوم أن عملية التنفس تتم بشكل آلي ومنتظم ما دمنا في سكون، ولكن عند الكلام يكون وقت استنشاق الهواء أقل من وقت الزفير، كما أن رفع الصوت يقتضي استهلاكا أكبر للهواء. لذا وجب معرفة طريقة التنفس السليم المتمثلة في الحفاظ على هدوء الأعصاب وعلى وضعية جلوس أو وقوف مساعدة على التنفس والتنفس بشكل منتظم أثناء الحديث، وذلك بالتنفس العميق عند نهاية كل عبارة أو جملة، والتنفس عبر الفم والأنف في آن واحد.

– النطق السليم: فعيوب النطق تؤدي إلى الاستماع الخاطئ فالفهم الخاطئ، أو إلى عدم الاستماع وبالتالي عدم التركيز. وهذه العيوب منها ما هو خلقي، ومنها ما هو ناتج عن اضطرابات نفسية يمكن معالجتها بالطب النفسي، ومنها ما هو عادة وتعلم خاطئ، يمكن معالجته بالتدريب على مخارج الأصوات.

على العموم، ولتفادي كل المشاكل المتعلقة بالصوت، ينبغي اللجوء إلى التدريب. وأفضل طريقة لتدريب الصوت هي القراءة بصوت عال، مع التدريب على التنفس السليم في نفس الوقت. ومن الأفضل استعمال جهاز التسجيل للتعرف جيدا على الخلل.

ب – الأساليب المرتبطة بالحركة:

حسب الدراسات المتخصصة تعد الحركة أكثر تأثيرا فى الجمهور بنسبة 77 بالمائة. ولكن استعمال الحركة ينبغي أن يكون بشكل مناسب للموقف وأن لا يكون مبالغا فيه، بمعنى أن يكون المتحدث طبيعيا وغير مصطنعا لتصرفاته وحركاته، كما يستحسن أن لا يقلدا أحدا. بالطبع يمكن أن يصاب المتحدث بالتوتر العصبي في بداية أو أثناء الحديث، وهو أمر طبيعي، ولكن ينبغي عليه أن يتحكم في هذا التوتر ويتغلب عليه بدون أن يبدو ذلك على ملامحه أو حركاته، أي بدون أن يشعر الجمهور بهذا التوتر. ويمكنه ذلك باعتماد وسيلة التنفس والاسترخاء…

ج – استعمال الوسائل البصرية:

من المهم جدا استعمال بعض وسائل الإيضاح المرئية كالخرائط والصور والمجسمات والرسوم البيانية، وأكثر من ذلك استعمال الأجهزة الحديثة خصوصا العاكس الضوئي (show-Data ). وحسب بعض الدراسات فإن نسبة تذكر المعطيات بعد العرض تكون كالآتي:

– في حالة الكلام فقط: 70 بالمائة بعد ثلاث ساعات و10 بالمائة بعد ثلاثة أيام

– في حالة استعمال الوسائل البصرية فقط: 72 بالمائة بعد ثلاث ساعات و35 بالمائة بعد ثلاثة أيام

– في حالة الكلام واستعمال الوسائل البصرية معا: 85 بالمائة بعد ثلاث ساعات و65 بالمائة بعد ثلاثة أيام

د – التحكم الجيد في الوضع:

لا بد أن يكون المتحدث متحكما بالجو العام الذي عليه الجمهور، وهو ما يطلق عليه في المحاضرات والدروس وورشات التكوين بالتحكم في القاعة ولو بوجود مساعد كالمسير. ولا يتم التوفيق في ذلك إلا بالمحفاظة على التركيز القوي للجمهور طيلة مدة ومراحل الحديث وعدم إصابتهم بالملل، وهذا الوضع هو الأمثل وهو ما يعرف بأسر الجمهور.

ومن الأوضاع غير السليمة التي يجب أن يتفاداها المتحدث:

– المحادثات الجانبية،  الثنائية في الغالب، بين الجمهور، مما يتسبب في التشويش ويؤثر على تركيز كل من المتحدث وباقي الجمهور

– المداخلات الطويلة أو الخارجة عن الموضوع والأسئلة المستفزة أو الجارحة، وذلك بالتحكم في الأعصاب وبالعمل على توقيف المتحدث بشكل لبق أو تفادي الجواب عليه..

– احتكار الكلمة من أشخاص معدودين، أو دخول بعض الحضور في مناقشات ثنائية…

ذ. أحمد الطلحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *