السياحة بين جلب الأموال وإفساد الأحوال


الخطبة الأولى

عباد الله :

إن الحملةَ الإعلامية التي تساهم فيها الجهاتُ الوطنية، من أجل التوعية، والتعريفِ بداء فقدان المناعة (السيدا) والتحذير منه، والتخويف من آثاره تعتمد -كما تعلمون- على الإذاعة المسموعة والمشاهدة، وعلى الجرائد والمجلات وعلى الندوات والمحاضرات وغيرها.

وهذا يدل على اليقظة وتتبع مسيرة هذا الداء الوباء الذي أصبح يهدد حياة وسعادة الأفراد والأسر، وما تنشره وسائل الإعلام عن آثاره المرعبة، ليس إلا بعضاً من الآثار الخبيثة لهذا المرض العضال، أما الأطباء وأهل الاختصاص، فقد عرفوا عنه ما يثير الهلعَ والرعب في النفوس، وأخبث ما فيه أنه يشوه الصورة حتى تصبح مخيفة، وأنه يُعدي، وأنه لا علاج له، فهو وبال ووباء على الأبدان والأنفس والعقول، وعلى الذكور والإناث، والصغار والكبار.

وأهم أسبابه مخالفةُ الفِطرة وذلك بارتكاب الفواحش، ومزاولة الشذوذ الجنسي، والاختلاط والعري والتبرج، وتناول المسكرات والمخدرات والتهتكِ في العورات واقتحام المنكرات… وكلما فتح العباد باباً من الفجور والمعاصي واقتحموه علانية، وجاهروا واستخفوا، فتح الله عليهم باباً من العقاب والبلاء، لا يرفعه عنهم ولا يغلقه حتى يتوبوا ويتطهروا، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  : >يا معشر المهاجرين، خصال خمسُ إذا ابتليتُم بهن، وأعوذُ بالله أن تُدركوهن :

– لم تظهر الفاحشةُ في قوم قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا،

– ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين، وشدةِ المؤنةِ وجَوْر السلطان عليهم.

– ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا.

– ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم.

– وما لم تحكم أئمتُهم بكتاب الله عز وجل، ويتحروا فيما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم<(أخرجه الحاكم وصححه ابن ماجة).

وإذا كانت وسائلُ الإعلام، والحملاتُ القائمة اليوم تبذل جهوداً لحماية المواطنين من هذا الخطر الداهم، فقد كان عليها أن تبدأ بحملات أخرى أهمَّ وأجدى لأنها وقائية، والوقاية خير من العلاج كما هو معلوم.

نريد حملات متواصلة ومركزة ومتنوعة من تلك الحملات الروحية والخلقية ضد فقدان الحياء من الله عز وجل، وضد فقدان الإحساس بمراقبة الله تبارك وتعالى، وضد فقدان الصدق، وضد فقدان الرأفة والرحمة، وضد فقدان العدالة، وضد فقدان القناعة والرضى بالحلال ولو قل. وضد فقدان عقيدة الإخلاص، وضد فقدان العروة الوثقى.

نريد حملات صادقةً ضد الظلم والقهر، وضد الغش والرشوة، وضد العفونات الإدارية وضد التجاوزات والإهمالات وضد المصالح الشخصية.

نريد حملة واعية حقاً بوظيفة الدين وأنه بدونه لا تنفع ولا تجدي أيةُ وسيلة مهما كانت مرَغِّبة أو مرهِّبة.

إن الإسلام أيها الناس يريد لأتباعه النقاءَ والطهر، والسلامةَ من كل الآفات والتمتع بالطيبات واجتنابَ القاذورات والعفونات، قال تعالى : {قل مَن حرّم زينة الله التي أخرجَ لعباده والطّيّبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةً يوم القيامة كذلك نفصل الآ يات لقوم يعلمون، قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}(الأعراف : 32- 33).

ونهانا سبحانه عن قربان أسباب الزنى ودواعيه حتى لا نقع فيه، فقال : {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا}(الأحزاب : 32) وجعل الزنى من الجرائم التي توجب القتل، أو الجلد، قال  : >لا يَحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة<(رواه مسلم). وأخبر  أن الجنة حرام على الديوت، أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ] أن رسول الله  قال : >ثلاثة حرم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر، والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث<(رواه أحمد) وقد شدد الشرع في حكمه على من يعمل عمل قوم لوط كما شدد على الزاني، أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ] قال : قال رسول الله  : >من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتوا الفاعل والمفعول به<.

وذهب أبو حنيفة ] إلى أن اللائط يُرمى من شاهق، ويتبعُ بالحجارة كما فُعل بقوم لوط، وهو قوله تعالى في قرية قوم لوط : {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليَها سافلها، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد..}(هود : 82).

ولا يذهبن أحد بفكره إلى التساؤل : لماذا تتمتع أوربا بأنواع الخيرات المادية رغم فسوقها وفجورها وأمراضها؟

فإن أوربا والغربَ يحترمون العدالةَ والحقوق الاجتماعية والحريات الشخصية فيما بينهم، ويُخلصون في أعمالهم لأنفسهم، ويستفيدون من قوانين الطبيعة، وسنن الكون، ونحن عن ذلك كله بعيدون أو مبعدون وإنا لله وإنا إليه راجعون، ألا فليقنع المتزوجون بما رزقهم الله من زوجات طيبات، وليستعفف العزاب عن الحرام وليسألوا الله أن ييسر لهم أسباب العفة والحلال والإحصان، وليعزم المخلصون من ذوي الرأي والسلطان على تطهير هذا المجتمع  وصيانته بالشرع الساطع، والسوط اللاذع، والعدل المانع.

اللهم جنبنا الفتن الضالة المضلة، والمحن القاهرة والندامة الخاسرة آمين والحمد لله رب العالمين

 الخطبة الثانية

وبعد : من بين أسباب العدوى للأمراض الغربية التي انتقلت إلينا، تلك القوافل المتتالية من السائحين من كل جنس، ومن كل فج، ومن كل صنف، ومن كل اتجاه، بعاداتهم وعريهم وفجورهم ودسائسهم، ووسائلهم وأموالهم، وإغراءاتهم وتخنثهم.. فتحنا لهم الأبواب يدخلون متى شاؤوا وكيف شاؤوا، وأعددنا لهم مسابح العري، وقاعات الرقص، ومطاعم ومشارب مما يشتهون نحن اشتريناها أو حضرناها لهم، وزينا لهم الفنادق بفتياتنا احتفاء وإكراماً لهم، وقدمنا لهم أعراضنا وأسرارنا، واجتهدنا أن نوجد لهم صناعات تروقهم وتعجبهم، كل ذلك من أجل عملتهم وكسب صداقتهم.

فهم يأخذون أسرارنا، ويدنسون أخلاقنا ويشوهون مجتمعنا وينشرون ما لا يُحْصَى ولا يخفى من العادات وا لمفاسد والأمراض.

ونحن نبتسم لهم لأننا سلبناهم أموالهم، فمن الخاسر في صفقته أيها العاقل؟

عباد الله : إن الإسلام لا يحرم السياحة ولا يمنعها، لكنه يرسم لها الأهداف وينظمها ويأمر بها.

فالسياحة في الإسلام تكون من أجل طلب العلم وزيادة الخبرة والتجربة، وتوسيع الأفق الفكري، والسياحة للاطلاع على آثار السابقين من صناعات وعلوم وفنون وحضارات والاعتبار بتلك الآثار.

والسياحة للوقوف على بقايا أطلال الغابرين وتأملها وأخذِ العبرة منها، والسؤال عن عاقبة أصحابها…

والسياحة في الغابات لدراسة أعمارها وأنواعها وفوائدها وحمايتها…

والسياحة في البحار لمعرفة أبعادها وأعماقها وأهوالها وطبيعتها، وملوحتها ومعطياتها..

والسياحة في السماء لمعرفة نجومها وأبراجها وأفلاكها وعظمتها..

والسياحة في النفس لمعرفة تقلباتها، وأهوائها وأطماعها وأعراضها وعلاجاتها…

كل ذلك وغيره من السياحات إذا كان يؤدي إلى التدبر والتعقل، والتفكُّر والاعتبار، ثم يفضي  إلى تعظيم الواحد القهار، فهو محمود ومطلوب. قال تعالى : {ُأفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها}(الحج : 46)، وقال سبحانه : {قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}(آل عمران : 137)، وقال تبارك وتعالى : {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين}(الأنعام : 11).

فهل فهمنا السياحة فهماً علميّاً تربويّاً موجّها؟ وهل حددنا تلك المفاهيم في برامج مرتبة منسقة، شيقة مشجِّعة، وأخضعنا لها من يزورنا من السائحين زماناً ومكاناً، وتخطيطاً ومراقبة، في أدب وحكمة، ولباقة وفطانة؟” أم أن السياحة عندنا سائحة، وسياحَنا يغدون ويروحون سائحين على شروطهم عابثين مفسدين؟ لعلهم يتفضلون علينا بفتات ثرائهم، وبقايا شِبَعهم، لقد قال شاعرنا قديما :

يهون علينا أن تصاب جسومنا

وتسلم أعراض لنا وعقول

ولبئس المال عوضاً، إذا أصيبت الأعراض والعقول والأبدان.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

أ. د. محمد أبياط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *