الخصوصيات الأساسية للفكر الإسلامي 2/2


صراع العلم والدين في أوروبا

والمشكل أن فلسفة العلم في أوروبا، وعلى نقيض المرونة في عالمنا الفكري، قد أوقع الغرب كله في صراع دائم بين العلم والدين لأمور وأوضاع خصوصية، فخلّف انفصالاً بين القلب والمخ. هذا المشكل هو السبب الرئيس للمعضلات المتتابعة منذ عصور في النظم الغربية كلها. بل تفاقمت الأزمة من مخاصمة جبهة العلم والفلسفة لأحكام الكنيسة القاطعة المسبقة (الدوغمائيات الكنيسية)، إلى مخاصمة “المتلقيات” الدينية كافة بمرور الزمان… فكأن العلم والفلسفة حامية ومدافعة عن الإلحاد. وقد أصاب الفكر الإسلامي البريء، شيءٌ من هذا العذاء ضد الدين. فعرضوه إلى أشنع ظلم وأبشع غبن، إذ وضعوه في قفص الاتهام مع الكنيسة التي هي المعنية في الأصل بهذه الخصومة.

انقلبت هذه الحركة المعادية لدوغمائيات الكنيسة والقائمة أصلاً على حرية الفكر والعلم،إلى معاداة الله والدين والتدين… ثم إلى تحامٍ في أرجاء العالم كله لإسكات المتدينين وإحباطهم وتضييق الخناق عليهم، بل إزالتهم من الوجود تماماً. ولم يكن للإسلام مشكلة البتة مع حرية الفكر. لكن زمراً من أعداء الدين غضوا أبصارهم عن هذه الحقيقة الفارقة، واتخذوه غرضاً لمراميهم العدائية الدنيئة مقايسة بالمسيحية الكنسية…

 شمول الإسلام وسعته

والحال أن الإسلام كان، ولم يزل، يقدم للإنسانية جمعاء نظاماً للحياة جديداً وفريداً… نظاماً لا نضير له في الماضي، ويبدو رمزاً للمثالية والتفرد في الآتي. فهو قد نظَّم، وينظّمُ، بأسسه حياةً جديدة لنوع البشر، ويضع تفسيراً جديداً لعوالم الدنيا وما بعد الدنيا، والفيزياء والميتافيزيا، ويرتب الوشائج بين الإنسان والكائنات والله تعالى من جديد من وجهة خصوصياتها الفينومانيلية (Phenomenal) بشكل مميز وفريد، يقطع دابر النقائض في “الإلهيات”، وتستجيب القيم التي أوجدها بإشباع كامل ومطمئن لكل متطلبات البشرية، ويسد كل الثغرات العقلية والمنطقية والفكرية والحسية في قلوب المخاطبين وعقولهم، بروابطهم الحياتية والمماتية. كان الإسلام -وما يزال- ديناميكا (حركية) من كل وجهة… يتوسع وينبسط مهما بقي ودام، ولم يؤجل النظر إلى أي مشكلة واجهته. يدخل إلى أضيق المعابر في الحياة الفردية والعائلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ويجول في وحدات الحياة كلها بصوت العصر الذي فيه ونَفَسه وهوائه، ويشعر بذاته في كل وحدة من وحداتها بصورة أشد إحكاماً من أحكم شيء واقعي.

ولم يكن الإسلام “إيديولوجية مثالية” بمعناها المعروف في الغرب… ومحال عليه أن يكون!. لأن هذا المعنى شمس خيالية تبزغ في السهوب المجهولة خلف جبل “قاف”! شمس لا ينعكس شعاعها قط في واقع دنيانا المعيش، ولا تظهر نفسها حتى في أصغر وحدات الحياة. فهي بأضوائها الكاذبة تصطدم بالخيال وتتكسر عليه كمثالية غير واقعية، وترنو إلى الحياة، وحقائق الحياة الواقعية، من أفق بعيد كنوع من أنواع الأحلام -ووصفها باللذيدة يعود لمن يتأولها!-

أما الإسلام، فقد وعد، ويعدُ البشرية بنظام ذي خصوصيات ذاتية، قابل للتنفيذ في كل مجال، مالكٍ لوسائل تحقيقية بديلة في التنفيذ. فيجد فيه الذين يلبون نداءه نشوة تلوّن وأداء نظامٍ نامٍ في رحم واحد مع طباعهم وجبلّتهم. فهو بوسعهِ العناية بكل شيء، ابتداءً من القبول الأول في الوجدان إلى المسائل الأخلاقية في الحجرات النهائية للحياة، ومن أدق المسائل الفردية والعائلية إلى أعظم المعضلات الاجتماعية، يقدم حلولاً فريدة، ولا يقطع رجاء المنتسب أليه مهما كان ضيق الصدر أو قصير الشأو. الإسلام يبدأ بالعمل في الوجدان الفردي، وإذ يستقر فيه، يطفح منه بفائقيته الخاصة الذاتية، ويفيض من محيطه وبيئته، ويجعل كل مكان حقل فسائل، فيصطبغ كل مكان بصبغة روحه، ويبدل أينما انتشرت جذوره لون الحياة وأداءها، ويُسمع القلوب نداء الصيرورة الأبدية. وقد كان -ولا يزال – كل نداء منه ترنما للسلام العالمي، وتناغماً للانسجام الاجتماعي، ونفساً للتسامح والحوار.. أما الصخب والوحشية والحقد والبغض، فهو من الغثيان المنعكس من البناء الروحي لخصومه في الخارج وعسر هضم جهلة المنتسبين. لكن هذا النوّار انكشف حينا بحائل من أحد العدوين، وانخسف حينا بتفريغهما معاً الظلمات فوقه.

ولو فتر العدو قليلا في الجفاء، وبذل الخليل قليلاً من الوفاء، لكان الإسلام قد محى وكنس أنواع الظلمات من الأرض مثل البغض والغيظ بفَوَران “عن المركز” كالبراكين أو بحزم الضياء من أطياف النور، ولجعل الأرض جنان اطمئنان تمتد حوافها حتى تصل إلى الجنة… ففي ظله يُنسى العراك والجريمة والإرهاب والاضطراب وتشم نسائم الحب والتوفير والانسجام والحبور في كل الأرجاء. وإن القلب الذي يتوطد فيه الإسلام، يمتلئ بالحب والاهتمام والتسامح إزاء المخلوقات من أجل الخالق، والمصنوعات من أجل الصانع.

 تجرد قلب المؤمن

نعم. لن يجتمع في القلب إيمان وارتباط بالله مع الحقد والكره والغيظ. ولا يُحتمل مطلقاً أن يبقى باب القلب مفتوحاً لتلقي العداوات خصوصاً مع الحفاظ على جلاء روحه ورونقه بتجديد إيمانه وانتسابه للحق تعالى وميثاقه، كل يوم وأسبوع وعام، بأنواع العبادات. فإن كل تصرف إسلامي لنا يحفز فينا شعور التحرك المسلم، ويقودنا إلى الحياة الإيمانية. وبتواتر انعكاس الحال على مكتسباتنا الوجدانية ووارداتنا القلبية وسلوكياتنا، يكون من فيوضات أخلاقنا. وبدوام طفحها من تصرفاتنا، يكون من مرجعيات ثقافتنا، فيضمن بقاءنا بذاتنا وشخصيتنا. وهكذا التكامل الإنساني المتوطد بالله والإيمان والاعتماد والاطمئنان في قلب الإنسان، يطفح إلى المحيط والبيئة حباًواهتماماً وإخلاصا ووداً، فيخرج الفرد المسلم من الفردية بفضل هذه الجاذبية القدسية التي يحوزها، فيكاد يكون أمة (ملة).

إن الهمم الفكرية والتخطيطية والفنية تولد ابتداءً في ذات الإنسان، ثم تتشكل صورها، ثم تتوسع وتنبسط إن وجدت المناخ الملائم للنمو والتطور. فكذلك أيضا العبادات والأخلاق والحياة الروحية والثقافة والمناسبات البشرية الأخرى كافة… يستشعر بها بداية في عمق الإنسان إيمانا وإذعاناً، ثم ينمو ليحيط بالحياة كلاً، ويسربل بصبغته التصرفات البشرية كافة، فيكون علامة فارقة أساسية لكل همة وحملة وحركة وفعالية، ويُشعر بنفسه في كل حال ومسألة.

ما الذي يميز الإسلام عن غيره؟

يتميز الإسلام عن النظم الدينية والفلسفية الأخرى قاطبة، بأنه رسم للإنسانية صورة فكرية وحياتية ذات بعد عالمي، لكن بسيماء خاص به في الوقت عينه… وحمّل المنتسبين إليه مسؤولية الحياة به وتنفيذه. ولذلك يسعى كل مسلم يعرف هذه الحقيقة لكي يتصرف ضمن إطاره في أعماله وعلاقاته الفردية والعائلية والاجتماعية، ويخطط لمستقبله وفاقاً لهذا الفهم، ويستجمع همته ما استطاع وسنحت الأحوال، للإيفاء بهذه المسؤولية. ولا يخفى أن الأفكار والغايات المأمولة تبقى أحلاما وردية رفرافة، ما لم تؤيد بحملات وأفعال حركية لوضعها موضع التنفيذ بقدر ما تسع الأحوال… فإن قصرنا، فسوف تستمر كماشة الواقع الفعلي بسحقنا بين فكيها.

ومن الحق أن حقيقة الإيمان المتأصلة في عالمنا الداخلي، تديم وجودها بقدر تناميها وتوسعها في الحياة الواقعية… فإذا بذرت بذور الإيمان وترعرعت في القلوب، ثم تحولت إلى استقامة ووثوق في التصرفات، وانقلبت إلى وقار وخشوع في الصلاة، ورفدت وازع الحقانية والعدل في علاقاتنا الاجتماعية، فذلك يعني أن الأفق منبسط أمامه إلى اللانهاية للتطور والتوسع. وكما يكون إيمان كهذا الإيمان في الإنسانمصدراً لا ينفد للقدرة والحيوية، كذلك يكون سفحاً عزيزاً للارتقاء به باسم “الخلافة” إلى حق المداخلة في الأشياء، وتشكيل صور البيئة المحيطة حسب مشاعره وأفكاره، والانفتاح على اللانهاية في محور التوحيد والتجريد بالملاحظات الجمالية والروح الفنية في طبيعيتهما الذاتية. ذلك لأن الإيمان يوجد روحاً فنية مكينة في الأرواح المنفتحة على الجمال يدعو إلى العجب والانبهار.. نعم، أن الفنان المؤمن يصل إلى الماهية المجردة في موشور الوجود اللانهائي، ويرسم ألوان الأبدية، برقوش وخطوط عديدة على اللوحة بضربة فرشاة من غير تعب أو رهق.. حتى أن الناظر يحسب نفسه أمام أنموذج نقش مصغَّر للوجود في كل تأمل في اللوحة الفنية، فتأخذه نشوة مطالعة اللانهاية في المعطيات المحدودة، والبحر في القطرة، والكائنات في الذرة، في عالم الخطوط السحري، ضمن تصور ملاحظات التوحيد والتجريد بلسان الفن.

ونحن لا نريد أن نفهم الفن الإسلامي بحصره في رفض موضوعات مؤثرة أو متأثرة معينة، أو إعلانا وتشهيراً للمهارات… بل تأليفاً (من جهة) بين الروح والمعنى والمحتوى فيما يشاهد من علائق الوجود والحوادث فيُستشعر، وما يتحسس منها فيفهم أو ما يُتحسس وينبغي أن يُفهم، وبين لسان (لغة) القلب والشعور والحس، (من جهة أخرى)… فيتمكن – من ثم – أن يرشد على الدوام إلى الموجود الذي ليس كمثله شيء بالإيماء والإيحاء من مختلف المستويات والترتيبات – ولكن بلا حيدٍ عن خط مستقيم واحد تشير إليه بوصلة القبلة -، وفي مرونة تشعر بالحقيقة الواحدة الثابتة المطلوب فهمها -ولكن ببعد جديد مختلف في كل نظرة وتطلع -، فيشهر الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة بخطوط (وأدوات) سحرية في هذا الإطار أو فيما يتجاوز هذا الإطار.

الإسلام كل لا يتجزأ

الحاصل، أن الإسلام صوت كتاب الكائنات ونَفَسه وتفسيره وإيضاحه، كذلك هو رسم أمس الكائنات ويومها وغدها، وصورتها وخارطتها، ومفتاح سري لأبوابها التي قد تظن إنها مغلقة. الإسلام “كلٌ” يعبر عن هذه الأمور والشؤون جميعاً. “كلٌ” يستحيل تَجَزّؤه، ويستحيل أن يُحمّل الجزء القيم المحمّلة على الكل. فإن تجزئته إلى أجزاء، ثم محاولة استنباط فهم كامل وتام من الأجزاء، غلط وخطل وإهانة لروحه. وسوف يبقى من يريد أن يفهمه أو يحصره في تفسير آيات وأحاديث معدودة بأسلوب وعظي، مهزوز الوجدان بأحاسيس نقص حقيقي، ومعانيا من خواء روحي دائم، مهما كدّ وسعى لسماع مجموعة الأنغام الفخمة هذه.

الإسلام إيمان، وعبادة، وأخلاق، ونظام يرفع القيم الإنسانية إلى الأعلى، وفكر، وعلم، وفن. وهو يستلم الحياة كلاً متكاملاً، فيفسرها، ويقومها بقيمه، ويقدم لمنتسبيه مائدة سماوية من غير نقص. وهو يفسر أداء الحياة دوماً ممتزجاً مع الواقع، ولا ينادي البتة بأحكامه في وديان الخيال المنقطعة عن الحياة. يربط أحكامه وأوامره بمعطيات الحياة المعيشة، ولا يبني الأحكام في دنيا الأحلام. الإسلام حركية (ديناميكية) في الحياة بكل مساحاته، من المعتقدات إلى أنشطة الفن والثقافة… وذلك هو أهم الأمارات والأسس لحيويته وعالميته الأبدية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *