التكـويـن الذاتي(2) – التكوين الإيماني


التكوين الإيماني : منه يكون الانطلاق، فيمتد نوره في الأنفس والآفاق

 

سبق الحديث في الحلقة السابقة عن التكوين الذاتي في حياة المسلم من حيث تعريفه وضرورته وشروطه وضوابطه ومجالاته وامتداداته وتشابكاته، وتأتي هذه الحلقة لبنة أخرى في إطار الوفاء بالوعد، وأول ومضة يجب على المسلم إشعالها في طريق رحلته من الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى هي ومضة الإيمان، وهي أول ما يجب أن تنصرف إليه همته من أجل تدريب النفس عليه ومجاهدتها للتحقق من مبادئه الأساسية وركائزه الضرورية أولا ثم التخلق بها ثانيا.

أ – مسوغات التكوين الإيماني وضروراته :

يأتي التكوين الإيماني للفرد في مقدمة الأولويات لاعتبارات لعل أبرزها ما يلي :

أولا : إن السلوك الإنساني تابع للتصور الإيماني، فالإيمان أصل والسلوك فرع، ولا يتقدم الفرع على أصله لذا وجبت العناية بالأصل عنايةخاصة لأن في صلاحه صلاحاً لكل ما يُبنى عليه ، وفي فساده أيضا فساداً لكل ما يلزم عنه. وإذا صح ذلك فقد صح أن يكون المنطلق من إصلاح التصور قبل إصلاح السلوك، ومن تقويم الفكر قبل تقويم العمل.

ثانيا : إن الرسالات السماوية الصحيحة ابتدأت بإصلاح العقيدة والفكر والتصور قبل إصلاح السلوكات والأعمال، لأن العقيدة إذا تَرَسَّخت بكيفية صحيحة لابد أن تثمر ثمارا عملية سليمة، والعكس صحيح بحيث إذا فسدت العقيدة فسد السلوك، ويظهر هذا جليا في منهج القرآن الكريم في إصلاح الأفكار وتصحيح التصورات وتهذيب النفوس أولا ثم تصحيح السلوكات ثانيا؛ فقد جاء بناء الإيمان سابقا عن التكليف العملي، لذا وجب البدء في منهج الإصلاح والتربية مما بدأ منه الشرع الإسلامي الحنيف.

ثالثا : إن الإيمان يزيد وينقص لذا وجب تحري زيادته بالتماس موجبات الزيادة والتوقي من نقصانه بتجنب أسباب ذلك؛ فالمقرر عند السلف أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، ومن أقوال السلف الصالح.

فمن الكتاب قوله تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ}(الفتح : 4)وقوله عز وجل {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}(الكهف : 13) وقوله :{أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}(التوبة : 125) وقوله : {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً}(آل عمران : 173).

ومن آثار السلف ما روي عن عمير بن حبيب الخطمي وهومن أصحاب النبي  أنه كان يقول : >الإيمان يزيد وينقص. قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه<. وقال خيثمة بن عبد الرحمن:” الإيمان يسمن في الخصب، ويهزل في الجدب، فخصبه العمل الصالح،وجدبه الذنوب والمعاصي”.وقيل لبعض السلف:” أيزداد الإيمان وينقص؟ قال : نعم. يزداد حتى يصير أمثال الجبال، وينقص حتى يصير أمثال الهباء”.

وإذا ثبت أنه يزيد وينقص فقد وجب أولا الحرص على زيادته وزكاته ونمائه بأسبابه ووسائله المشروعة ووجب ثانيا الاحتراز عما ينقصه ويضعفه، وكل من الحرص والاحتراز  يتطلب دراية بأساليبهما وفقها بكيفية تحصيل الإيمان وتحصينه وهوجوهر عملية التكوين الإيماني.

رابعا : إن الدراسات في العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم النفس السياسي وعلم الثقافة قد أصبحت تؤكد أن تغيير السلوكات والميولات والاتجاهات والأذواق لا يكون إلا بعد تغيير العقول والأفكار والتصورات، وما اهتمام الدول الغربية بالغزوالثقافي والفكري بشتى أنواعه وأصنافه وبمختلف مستوياته وإيلاء كل ذلك العناية اللازمة إلا التزام بهذه النتيجة وعمل دقيق بها وقد تم لها المراد في كثير من ذلك؛ كما أن لجوء الدول في إنجاز أعمالها ومشروعاتها إلى الإقناع الفكري والنفسي عبر تسخير وسائل الإعلام وتوظيف أساليب التنشئة الاجتماعية والسياسية لتغيير سلوكات الأفراد والجماعات والهيئات وتكوين السلوكات والميولات التي ترغب في تكوينها لهوخير دليل على أهمية التكوين الإيماني والفكري في أية عملية إصلاحية وتصحيحية.

وهذا يعني أن الاهتمام بالتكوين الإيماني ضرورة ملحة وهومن أولى الأولويات في حياة المسلم وله الأسبقية على غيره.

خامسا: طبيعة العلاقات الاجتماعية والدولية المعاصرة المبنية على الاختراق الثقافي والفكري والديني وهيمنة إيديولوجيات المتغلبين سياسيا وعسكريا واقتصاديا وقد ساعدت العولمة والثورة المعلوماتية على ذلك فتغير مفهوم الدولة القائمة على الحدود الجغرافية والحواجزالجمركية المادية كما أدت هذه العولمة والثورة المعلوماتية في العالم الإسلامي إلى مواجهة المسلم مع ديانات ومذاهب مخالفة لاعتقاده الصحيح مما يضطره إلى التسلح بالعلم الواسع بمضامينها وبأساليب الجدل والمناظرة لمواجهتها مواجهة مبنية على العلم والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. وإذا بلغ المسلم هذه الدرجة من التكوين الإيماني يكون قد أوتي الحجة التي لا تغلب مثلما أوتي سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أخبر الحق تعالى عنه فقال : {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم}(الأنعام: 84).

ب- خصائصه ومميزاته :

ينبغي للتكوين الإيماني أن يراعي الخصائص الكبرى الآتية :

أولاً- التلازم بين الإيمان والعمل به والدعوة إليه :فلا إيمان إلا بالعمل أولا وبالتبليغ ثانيا، ولا تحقق إلا للتخلق،ولا فهم صحيح إلا بقصد التنزيل الصحيح، فالإيمان بغير عمل ولا طاعة إيمان أعرج، والتربية الإيمانية تظل مشوهة إن هي اقتصرت على تكوين الإيمان الذاتي للفرد ولم تتعده إلى تكوين الآخرين وإقناعهم بهذا الخير فيكون حالها كحال المولود الذي يولد ناقصا من أحد أعضائه هل يكون قادرا على الفعل والتأثير والنفع كما لوكان كاملا ؟!.

ثانياً- التلازم بين معرفة الإيمان الصحيح ومعرفة نواقضه ومضاداته : فلا يكفي المسلم أن يكون نفسه في أصول دينه فقط فهذا عمل ضروري ولكنه شرط غير كاف لأن المسلم لا يعيش منعزلا عن الأغيار وثقافاتهم وما يحملونه من آراء ومعتقدات باطلة ومؤثرة بل هويعيش في وسطهم، وهوإن لم يؤثر فيهم فلابد أن يؤثروا فيه حتما؛ لذلك كان لازما على المسلم أن يعرف أصول دينه وكيف يحافظ عليها. ولا يقدر على المحافظة عليها إلا بمعرفة نواقضها لتجنبها والتوقي منها، كما أن معرفة هذه المعتقدات المناقضة لا تطلب إلا لدحضها وإبطالها وبيان زيفها وإنقاذ معتنقيها من أوهامها وإخراجهم من ظلماتها إلى نور الإيمان بالله ورسوله واليوم والآخر.ومعنى هذا أن التربية الإيمانية تتلازم فيها المعرفة بالأصول الصحيحة وكيفية حفظها برد الشبهات عنها والقدرة على إقناع المخالف فيها بزيف معتقده وصحة المعتقد الإسلامي، إنها توازن بين اقتناع الذات وإقناع الغير والجمع بينهما. ولله در أبي الدرداء حين ذاق هذا الأمر وأدرك قيمة الإيمان وما يحفظه وما يعضده، وخطورة ما ينقصه و ينقضه فعبر بهذا القول البليغ الحكيم قائلا :” إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه، وما نقص منه، وإن من فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص؟، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه”، ففي هذا القول دعوة إلى التفقه فيما يحفظ الإيمان ويصونه وينميه بقصد العمل به، ودعوة إلى التفقه فيما يهدمه وينقضه للتحرز منه.

ج- سبل تقوية الإيمان:

ما دام الإيمان يزيد وينقص، وما دام يتلازم فيه التصور بالعمل فإنه لابد له مــن سبيلين رئيسين : التعلم والتزكي. ونوضح ذلك كما يلي :

1-  التعلم ينصرف إلى تنمية الجانب التصوري، ويكون ذلك بأمور منها :

أولا: التفكر في الكتاب المنظور والتدبر في الكتاب المسطور والتعرف من خلالهما على صفات الباري جمالا وجلالا، وتصحيح التصور في الله الخالق القدير، وفي الكون والحياة والمصير.

ثانيا: التفكر في طبيعة الاجتماع البشري وتاريخه من خلال  ما أرخ له القرآن الكريم وبينه في أحوال الأمم الغابرة في سياق التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، من خلال قصص الأنبياء وما دعوا إليه من أصول إيمانية وكيف جاهدوا أنفسهم في سبيل التحقق من مبادئ الإيمان وأصوله والتخلق بأوصافها والدعوة إلى الحق والهدى، وكيف ثبتوا في وجه المعاندين والمتعصبين من ذوي السلطان والنفود السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومن ذوي الشهوات والأهواء؛ ففيتلك القصص رسم لمنهج التقوية الإيمانية والمجاهدة الحقة وتثبيت على الحق وحث على الثبات عليه وتبصير بالمنهج السليم والصراط المستقيم.

ثالثا: التأليف العلمي في القضايا الإيمانية بيانا وبلاغا وحجاجا ثم المحاضرة في ذلك ومناظرة المخالفين بالحجة والبرهان.فإن كل ذلك يقوي الإيمان ويشحذه ويصقله ويزيد العبد تبصرا ويقينا وطمأنينة.

2- أما التزكي فيكون بمجاهدة النفس للتحقق أولا من قضايا الإيمان وأصوله والعلم بها إلى درجة اليقين التام الذي لا يساوره شك ولا يداخله ارتياب، وللتخلق بها ثانيا بتحويلها من معرفة نظرية إلى سلوك وتطبيق، ومن علم إلى عمل،ومن حال باطني خفي إلى سلوك خارجي جلي، وبنقلها من مستواها الفردي إلى مستواها الاجتماعي، وبتصييرها من فعل متكلف إلى عادة وطبع لا يكاد يزايله مهما كثرت الفتن واشتدت المحن، فالمجاهدة بالتحلية والتخلية شرط لازم في التنمية الإيمانية.

ولابد في كل من التحقق والتخلق من الاستعانة بالله وسؤاله التوفيق والهداية والعصمة والولاية الربانية؛ فجهد العبد معدوم إلا أن يأذن الله له بالوجود،ولن يكون أكله مضمونا ومحققا إلا أن يكون الله له ضامنا وموفقا. فإياك ثم إياك أيها الإنسان المسلم أن تغتر بجهدك في التعلم والتزكي وتنسى أن تسأل ربك التوفيق ابتداء وانتهاء فتكون من أهل التدلي والتردي!!

د – ثماره وآثاره :

لا يحق للمرء أن يدعي أن إيمانه قد تقوى إلا أن يجد أن حاله قد ازداد صلاحا، وأن يشعر بأثر بأن الخير قد أخذ يتجلى في حياته الفكرية والنفسية والخلقية والاجتماعية. إن الإيمان ليس دعوى ندعيها وإنما هو تحقق إدراكي وتخلق عملي؛ فالتحقق يخرج المرء من ظلمات الجهل إلى نور العلم بالله وفضاءاته الرحيبة التي تؤثثها محبته وتقواه والخشية منه في الحال والمآل، والإحساس بمراقبته تعالى في كل الأحوال وابتغاء رضاه في كل الأعمال، أما التخلق فهو مجاهدة مستمرة للنفس من أجل التخلق بأخلاق الله وصفاته وبأخلاق أنبيائه وأصفيائه والراسخين في العلم من عباده فيرتفع السلوك إلى مستوى عال من الصفاء والطهر والخيرية يتعدى أثرها الخير الفرد إلى الآخرين من أهله وجيرانه وأصدقائه وكل من تربطه بهم علاقة ما، فكل هؤلاء ينبغي أن يحسوا أن صاحبهم المؤمن قد تحسنت حاله بفضل صلاح إيمانه وتصوره وأن فضل أنوار الخير والرحمة قد بدأت تعمهم بسببه، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين شبه المؤمن بأنه كالأترجة.

ألا فليعلمن كل مؤمن أن التربية الإيمانية ضرورة إنسانية وفريضة شرعية، وأن إيمانه يبقى مجرد دعوى إن لم يقترن بالعمل، وأن تصحيح تصوره يبقى عديم الفائدة إن هولم يتحول إلى تخلق بأخلاق الله، فلا يظنن ظان أنه استكمل تكوينه الإيماني، فهذا أكبر مظاهر الغرور وأخطرها على الإطلاق؛ لأن الإيمان لا حد له في الكمال. فالحرصالحرص على التحلي بالإيمان والتزكي بأوصافه باستمرار ، فالتكوين الإيماني منه يكون الانطلاق، وإليه تشد رحالها نفوس الحُذاق، فيتمد نورها في كل الآفاق.

د. الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *