افتتاحية – سياحة التدبر والاعتبار وسياحة التحلل والانحدار


السياحة هي : السفر والانتقال من بَلَد الإقامة إلى بلادٍ أُخْرى بقصْد تحقيق بعض المآرب، وقضاء بعض الحاجات المشروعة شرعا وعُرفاً، وعندما تتحقق للإنسان هذه المآرب يرجع الإنسان إلى بلده الأصلي، وقد استفادَ الشيْء الكثير.

ومن الاستفادات الكبيرة التي تتحقق للسائح القاصد الثَّقِفِ اللَّقِف :

1) الاطلاعُ على حضارة السابقين : ولقد دعا الله تعالى إلى هذا النوع من السياحة الذي يستفيد منه المسلم تاريخاً، وعلماً، ورؤية محسوسة لآثار من سبقنا من الأمم، وكيف كانت عاقبة تكبُّرهم عن دين الله تعالى {أولم يسِيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعَمَروها أكْثر ممّا عَمَرُوها وجاءتهم رسلهم بالبيّنات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}(الروم : 8).

فالإنسان الغافل يظن أن الزمن توقف عنده، لم يسبقْه أحَدٌ، وسوف لا يلحقه أحَدٌ، فرُؤْية آثار السابقين المعاندين وما حَلّ بهم حُجَّة أُخْرَى تُقامُ على الطغاة المجرمين، لأن المرسلين من الرسل أرسَلَهم الله تعالى بكتابٍ متْلُوٍّ يدعوهم إلى قراءة الكَوْن الذي يُمثِّل كتاباً مفتوحاً للعامة والخاصة، وآثارُ السابقين هِيَ إحْدَى الكُتُب المفتوحة للناظرين الفقهين.

وهلْ من العَبَثِ أن يتَضَمَّن القرآن العظيمُ الكثيرَ من الإشارات التاريخية إلى الأقوام العُتاة الذين كذَّبُوا رُسُلَهم فحلَّ بهم العذاب المُهين في الدنيا قبل الآخرة، وبالأخص قوْمَ نُوح، وعادٍ، وثمود، وقومَ إبراهيم، وقوْمَ لوط، وأصحَابَ مدْين، وقومِ مُوسَى وهارُون؟!

إن الله تعالى أكثرَ من ذكر ذلك لتَتَّعِظَ قُريش فلا تُعانِد رَبّها وتكفُر برسولها، ولكنها لم تتعظ فحلَّ بها ما حَلّ بالسابقين لتكون عِبرة لنا حتى لا نُفرِّط في الأمانة التيورِثناها عن رسول الله .

وإذا كان الله تعالى قال في فرعَوه وقومه : {كَمْ تَرَكُوا من جَنَّاتٍ وعُيُونٍ وزُرُوعٍ ومَقَامٍ كَرِيمٍ ونَعْمةٍ كانُوا فِيها فَاكِهِين كَذَلِك وأوْرَثْنَاها قوْماً آخَرِين فمَا بَكتْ عَليْهم السّماءُ والأرْضُ وما كَانُوا مُنْظَرِين}(الدخان : 28).

أفلا تُوحي هذه الايات بنوعٍ من الشّبه المحسوس في بلادِ الأندلس التي فتحها المسلمون المخلصون، وعمَّرها بالعلم والحضارة مسلمون صادقون، ثم وَصَل الأمْرُ إلى يد المُفْرطين في أهوائهم وشهواتهم ففرَّطوا فيها وأضَاعُوها بيْن الكاسِ والطّاسِ والليالي المِلاح، وبىْن العمالة والخيانة والاسْتِرْزاق ببيْع الدِّين بعَرض من الدنيا لا يُسمن ولا يُغْني من جوع؟!

ثمّ ألا يُوحي ذلك -أيضا- بالحذر والخوف الشديد على بلاد فلسطين من أن تُصْبح -لا قدّر الله- أثراً بعْد عيْنٍ، ويُصْبح -لا قدّر الله- المسجدُ الأقْصاً مزاراً للسياحة الفاجرة بعْد خِزْي الطّبَقَة المنافقة المداهنة التي لا هِمّة لها، ولا مَشْروع، ولا أُفُق، ولا طمُوح؟!

إن هذا النوعَ من السياحة غَزِيرُ الفوائد جَمُّ العوائد لمن كان قَلْب أو ألْقَى السّمع وهو شَهِيدٌ {أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فتَكُون لَهُم قُلُوبٌ لا يَعْقِلُون بِها أو آذَانٌ يسْمَعُون بها فإنَّها لا تعْمَى الأبْصار ولكِن تعمَى القُلُوب التي في الصّدور}(الحج : 44).

2) طلب العلم : وهذا النوع قال فيه  >ومَنْ سلك طَريقاً يلْتَمِسُ فيه عِلماً سهّلَ الله لهُ طَريقاً إلى الجَنَّة<(رواه مسلم).

وبالسفر لطلب العلم ترك لنا علماء الحديث، وعلماء التاريخ، وعلماء اللغة، أسفاراً وأحْمالاً من الكنوز والذخائر. وما زال السَّفَرُ لطَلَب العلم في أي مجال من مجالات العلوم يُؤتِي بالثّمار الدّانية للشعوب المتطلعة إلى بناء مستقبل علميٍّ حضَاريٍّ يرْفع من قدْر الإنسان.

3) السفر للجهاد : وهذا أمرَ الله تعالى به بصريح العبارة والإشارة، فقال : {انْفِرُوا خِفَافاً وثِقَالاً وجَاهِدُوا بأَمْوالِكُمْ وأنْفُسِكُم فِي سَبِيل اللّهِ ذَلِكُم خَيْرٌ لكُم إنْ كُنْتُم تعْلَمُون}(التوبة : 41).

4) السفر للتجارة واكتساب الرزق : قال تعالى : {وآخَرُون يَضْرِبُون في الأرْضِ يبْتَغُون مِن فَضْل اللّه}(المزمل : 18).

5) الرحلات الاستكشافية : وقد عَرَف المسلمون هذا النوع فارتحلوا لمعرفة عادات الشعوب، وخرائط البلدان، ولغات الأقوام فاستفادوا وأفادوا، قال تعالى : {يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَرٍ وأنْثَى وجَعَلْناكُم شُعُوباَ وقبَائِلَ لتَعَارَفُوا}(الحجرات : 13).

هذه كُلُّها أنواعٌ من السياحة العلمية أو الجهادية أو الاقتصادية… وكُلُّها ذات فوائد جمة تعود على الفرد والمجتمع بالخير الوفير، وتستحق أن تخصِّصَ لها الدُّول الإسلامية حيِّزاً كبيراً من التشجيع بالتخطيط، والتأطير، والدّعم المادي والمعنوي، حتى يسْتطيع الشباب والمراهقون والمراهقات اكتساب عِلْم ومعرفة ومقدرة ومهارة في جوانب عديدة من الحياة تؤهلهم ليكونوا صالحين ومصلحين، بدون أن تُلَوّث لهم سُمعة، وبدون أن يجدوا أي فرصة أو أي وقْتٍ للتفكير في أنصافهم الحيوانية.

وإلى جانب السياحة المُمْتعة الجميلة هناك سياحة خبيثة لا يجني الإنسان من ورائها إلا خراب الضمائر، وخراب المال، وخراب الصحة، وخراب الأخْلاق، وخراب الدين، وخراب الفطرة، وخراب السياسة، وخراب المجتمع، إنها سياحة الانحدار والاندحار والانتحار.

وهذه السياحة -مع الأسف- هي التي تؤسَّسُ لها الوزارات، وتبنى لها الفنادق، وتهيّأ لها المراكب، وتُكوَّنُ لها الأطر، ويُخْتار لها العَفِنُون والعَفِنات، والخبيثون والخبيثات، والزناة والزانيات، والحشاشون والحشاشات والمفسدون والمفسدات، والشاذون والشاذات، لترويج العُهر السياسي الذي يعمل على إلْهاء الناس بالشهوات الهابطة، حتى يتسنَّى لدهاقنة المكْر وعُبّادِ المال أن يسْرقوا خَيْراتِ الشعوب عن طريق إيقاظ الغرائز الحيوانية، وعن طريق التخدير للعقل، والتخدير للفضيلة، والتخدير للغيرة، والتخدير للإيمان…

سياحة هدفُها جَمْعُ المال الخبيث عن طريق التخطيط الخبيث، ولو ببيْع الدين والعرض والكرامة، ويظُنُّ أصحابها أنهم بهذه السياسة سيَحُلُّون مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بينما هم لا يزْدادون إلا غرقا ووحلاً وتيَهَاناً، فهم كالداخلين إلى جهنم {كُلَّمَا أَرَادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها}(الحج : 20) بدون أن يدْرُوا أن سفينة النجاة امتطاءُ الصراط المستقيم الذي أولُه إيمانٌ ونور، ووسَطُه تنمية وتزكية، وآخره فوْزٌ وخلود في النعيم المقيم.

أ. الفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *