إشراقة – السياسة الأمنية لحماية المكتسبات الدعوية – 5


والجواب أن عمر بن الخطاب أو أي مسلم آخر غير رسول الله  يُعدُّ تصرفه تصرفاً شخصيا لا حجة تشريعية فيه، فله أن يتخير من الطرف الوسائل والأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى.

أما رسول الله  فهو المشرع، أي أن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعاً لنا، ولذلك كانت سنته هي المصدر الثاني من مصادر التشريع كمجموع أقواله وأفعاله وصفاته وتقريره، فلو أنه فعل كما فعل عمر، لحسب الناس أن هذا هو الواجب… وأنه لا يجوز أخذ الحيطة والحذر، والتخفي عند الخوف، مع أن الله عز وجل أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها.. لأجل ذلك استعمل الرسول  كل الأسباب والوسائل المادية التي يهتدي إليها العقل البشري في مثل هذا العمل، حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتد بها واستعملها.. ليوضح بذلك أن الإيمان بالله عز وجل لا ينافي استعمال الأسباب المادية التي أراد الله عز وجل بعظيم حكمه أن يجعلها أسبابا(1).

فهل بقي لأحد منا عذر في الأخذ بأسباب النجاة من بطش الطغاة بعد هذا التصرف الحكيم ممن هو أحق بنصر أحكم الحاكمين، يقول الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى : ولا نعرف بشراً أحق بنصر الله، وأجدر بتأييده مثل هذا الرسول  الذي لاقى في جنب الله مالاقى. ومع ذلك فإن استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه وتوفير وسائله.

ومن ثم فإن الرسول  أحكم خطة هجرته، وأعد لكل فرض عدته، ولم يدع في حسبانه مكاناً للحظوظ العمياء.

شأن المؤمن مع الأسباب المعتادة… فإذا استفرغ المرء جهوده في آداء واجبه فأخفق بعد ذلك، فإن الله لا يلومه على هزيمة بلي بها، وقلما يحدث ذلك إلا عن قدر قاهر يعذر المرء فيه!!(2).

لقد استفرغ النبي  جهوده في الإحتياط الأمين والأخذ بالأسباب، فلما انكشف بعد ذلك أمرُ هجرته لجواسيس قريش، وتدخلت العناية الإلهية لحفظ إمام الدعوة  بقي الحس الأمني قائما في هديه ليكون درساً للدعاة من بعده، فعندما أدرك سراقة النبيّ ، وظن أنه فاز بجائزة قريش التي جعلتها للقبض على رسول الله ، فإذا به يمنع بقدرة  غيبية وحينها أدرك أنه أمام نبي كريم، فسأله أن يدعوَ له، وعرض عليه الزاد والمتاع. فقال له رسول الله  : >لا حاجة لنا، ولكن عَمِّ عنا الطلب< فقال قد كفيتم، ثم رجع فوجد الناس جادين في البحث عن محمد  وصاحبه، فجعل لا يلقى أحداً من الطلب إلا رده وهو يقول : كفيتم هذا الوجه(3).

ثم استمر السير في طريق الهجرة، واستمرت معه دروس التربية الأمنية، فكان  يمر بالقوم فيقولون : من هذا الذي بين يديك يا أبا بكر؟ -لأنه كان معروفاً لاختلافه إلى الشام بالتجارة- فيقول : هذا الرجل يهديني الطريق -أي طريق الخير-(4).

ذ.عبد الحميد صدوق

——–

1- فقه السيرة للبوطي.     2- فقه السيرة للغزالي ص 159.

3- أخرجه البخاري.

4- صحيح البخاري 556/1 باب هجرته .

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *