إذا كان حب الأوطان من الإيمان،فبماذا نسمي رفع رايات إسبانيا والريال؟!


كل من زار قصر الإسكوريال بالأندلس المفقودة يقف مشدوهاً أمام لوحة بيضاوية الشكل وقدْ رُسِمت في سقف القاعة الكبرى يظهر فيها أبو عبد الله الصغير آخر ملوك بني الأحمر الذين حكموا الأندلس وخلفه جيشه، ليبدو الملك وقد ترجل من على فرسه الأحمر الذي أطرق رأسه كالحال عند الجيش بينما الملك أبو عبد الله يحمل في يده مفتاحاً كبيراً، لا يشك أحد وهو يشاهد اللوحة باهتمام أن هذا المفتاح هو رمز الأندلس، يقدمه إلى فرديناند وزوجته إيزابيلا وهما يركبان فرسين يشمخان برأسيهما ويمد فرديناند يده ليتسلم المفتاح.

وعلى طرف هذه اللوحة رُسِم إسباني يرفع رجله ليركل جنديا عربيا  سقطاً على ظهره منزلقاً إلى جهنم التي رُسمت خلفه، بينما عيناه جاحظتان ويداه إلى السماء من شدة الرعب مرفوعتان.

الذي زار هذا القصر وهو يستحضر تاريخالأندلس وكان له قلب أو ألقى السمع  وهو شهيد، بعد التأمل في هذه اللوحة يجد دموعه قد غسلت وجهه حزناً على ملك ضاع، وحضارة سلبت وأمة ذلت.

هذا ما حصل بالضبط وأنا خارج من بيتي وقد يممت مسجد التقوى لأداء صلاة العشاء وجدتني أبكي شباباً خرجوا في حالة من الجنون، شبابٌ أسماؤهم محمد وأحمد وعبد الرحمان وخالد وعمر.. أبناء علي وعثمان.. وأمهاتهم عائشة وفاطمة وخديجة.. يركبون سيارات على شتى الأنواع والأشكال ودراجات نارية ثمنها بالملايين، يهتفون ويصيحون ويشمتون بإخوان لهم قد وقفوا يبكون في العدوة القصوى في المغرب كأساً أو بطولة ضاعت في العدوة الدنيا بالأندلس. أما الفرحون فقد حملوا رايات ما يسمي بالريال أو الفريق الملكي الإسباني وحملوا رايات إسبانيا المزركشة يلوحون بها يمينا وشمالا، وضعوها فوق رؤوسهم اعترافاً وإجلالا لأمة نصرانية لازالت تكتم أنفاس سبتة وامليلية الجريحتين.

< حملوا رايات البلد الذي انتهك حرمة وسيادة وطننا \وهو يسيطر على جزيرة ليلى في محاولة قذرة للحط من قيمة المغاربة وسيادتهم.

< حملوا رايات ا لبلد الذي ما غادر جيشه صحراءنا إلا بعد أن زرع فيها فتنة الشقاق والانشقاق الذي ما يزال المغاربة يعانون منه حتى الآن.

< حملوا رايات البلد الذي لا يرضى أبناؤه أن يُخاطبوا المغاربة بغير لهجتهم الإسبانية.

< حملوا رايات البلد الذي عقد محاكم التفتيش للمسلمين.

< حملوا رايات البلد الذي يكره المغاربة كرها لا تضاهيه كراهية.

< حملوا الرايات وجابوا بها أنحاء فاس عاصمة المغرب التاريخية، والمعلوم أن أمثال هؤلاء من أبناء الاستعمار وأحبائه قد خرجوا في شوارع مملكتنا العزيزة وخصوصاً في الأقاليم الشمالية. ولست مبالغاً إذا قلت إن هؤلاء يعرفون عن اللاعبين في فريقي برشلونة وريال مدريد ما لا يعرفونه عن أقرب الناس إليهم بل يذكرون الفريقين واللاعبين أكثر مما يذكرون أحداً غيرهم. بل إن بعض المقاهي قسمت شطرين : شطر لأنصار هذا الفريق وشطر للآخر. بل  إن عداء أنصار كل فريق للفريق الآخر قد تعدى كل الحدود وغيرته على فريقه المفضل ودفاعه عن لاعبيه يفوق غيرته على أخته أو أمه أو أبيه إ ذا سبهم أحد، أو اعتدى عليهم.

أوصلتني رجلاي إلى المسجد ووجدت الصلاة قد أقيمت لأني ضيعت الوقت في مشاهدة العلم الإسباني الذي رفرف على أرض لم يكن ليرفرف عليها لو أنَّا درسنا تاريخ المسلمين! ولو أنا ربينا أجيالنا على حب الوطن والدفاع عن التراب! كَبَّرْتُ مع الإمام حتى لا أحرم صلاة الجماعة لكني لم أُصَلِّ كما كان يجب أن أصلي حيث تذكرت وأنا في الصلاة تلك الليلة التي رأيْت فيها أناساً قد اختلفت أعمارهم وأحجامهم بين سمين ونحيل ومتوسط وبين شاب وكهل وشيخ، زارافات ووحدانا يتناقشون ويشيرون بأيديهم وتتعالى أصواتهم، يحللون ويتوقعون ويتوجسون، جموع غفيرة على رصيف الشارع الطويل!!

ما الذي أوقفهم؟ وما الذي جمعهم؟ وفيما نقاشهم؟ تأملت الموقف مَلِيّاً وجُلْتُ ببصري شيئا قليلا فإذا الأمر يتكشف وإذا هم يستريحون من عناء الركض والقذف والتدافع في مباراة لكرة القدم بين فريقين كبيرين في أعينهم من إسبانيا هما (الريال والبارسا) كما يحلو للمغاربة أن يرخموهما! خروا للاستراحة من عناء المباراة بعد صفارة الحكم التي تعلن نهاية الشوط الأول، من ماذا سيستريحون؟ لقد كانوا جالسين على الكراسي يحتسون القهوة والشاي والمشروبات، بل كا نوا يلعبون كما يلعب اللاعبون في إسبانيا الكرة متعة وجنيا للأرباح والتعويضات وأما أصحابنا فكانوا يلعبون كذلك لكن خارج الملعب بل خارج الشاشة وقد خرجت أعينهم من مكانها وتحركت جوارحهم بكل لهفة وحب وولاء {كل حزب بما لديهم فرحون}، عند ذلك علمت أن إسبانيا قد اشترت من هؤلاء أموالهم وأنفسهم بأن لهم الفَرْجة!!

وعلمتأن أمثال هؤلاء بإمكانهم أن يبيعوا أوطانهم بأبخس الأثمان.

وبعد : أليس من العار أن يحدث هذا في المغرب؟!

إذا كان المثل المعروف يقول : “أن حب الأوطان من الإيمان” فماذا يمكن أن نسمي انتهاك حرمات الأوطان ورفع رايات البلدان بلا قانون ولا ميزان.

في الوقت الذي كان من الواجب أن تشرئب أعناقنا وعزائمنا لإعادة نشر الإسلام في الأندلس وفتح قلوب أهلها لعوالم الخير الإسلامي نجد من يؤسس جمعيات لمحبي الفرق الإسبانية بالمغرب!! وينخرط في جميعات التنصير!!

نعم إنها القابلية للاستعمار، كما بينها مالك بن نبي رحمه الله تعالى.

وختاماً أقول للفرحين ما قاله رسول الله  لأصحابه عندما نزل قول الله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} قال الحبيب موجها أصحابه إلى موجبات الفرح : فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله كما أزف لكم خبراً مفاده أن الريال التي بها تفرحون قررت الاحتفال بهذا النصر في تل أبيب بالكيان الصهيوني وإجراء مقابلة مع فريق المدينة.

وأما أنصار البارسا المحزونون المكلومون المتحسرون المتباكون فأقول لهم : كان الأولى أن تبكوا على فقدان سبتة ومليلية وعلى فقدان الأندلس. وأعزيهم بما قالت أم الملك أبي عبد الله الصغير عندما سلم ولدها لفيرديناند وإيزابيلا مفاتيح الأندلس كلها وغادر البلاد وهو يبكي  :

ابْكِ مِثْل النساء مُلْكاً مُضَاعاً

لم تحافِظ عليه مثل الرجال

ذ. عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *