أمانة الله أم الأمـانـات والمسؤوليات


قال تعالى :{إنا عرضنا الأمانة على  السماوات والأرض والجبال}(الأحزاب : 72)

تتضمن هذه الآية كلمات وعبارات ينبغي الوقوف عندها لتوضيح دلالاتها حتى يساعد ذلك على ملامسة معاني الآية الكريمة بما في ذلك معنى الأمانة لأجل الاسترشاد بها في تصور ما يجب على  الانسان إزاء ربه، وماهي الواجبات التي كلفه بها في حياته العاجلة مما سيترتب عليه نوع من الجزاء المستحق في الآجلة.

انطلاقا من هذا الاقتراح نضع الأسئلة الآتية : ما معنى العرض الوارد في قوله تعالى : {إنا عرضنا}؟ وما معنى “الأمانة” بهذا المعنى الشامل الذي وردت به في سياق الآية؟ وما معنى  عرضها على  السموات والأرض والجبال دون الانسان الذي لم يرد له ذكر صريح في الآية الكريمة؟ وبعد هذا نقول وبالله التوفيق :

1- عرضها : لكلمة “عرض” معاني كثيرة في السياقات التيوردت  فيها في لسان العرب تفوق العشرة، ولعل أنسبها لسياق هذه الآية هو “الظهور”. يقول ابن منظور : “وعرض الشيء عليه يعرِضُه عرضا : أراه إياه” وَ “عرضت عليه أمر كذا، وعرضت له الشيء : أي أظهرته له، وأبرزته إليه، وعرضت الشيء فأعرض، أي أظهرته فظهر…”ل ع 7/168 ع 2.

وبناء على  هذه الدلالة اللغوية لفعل “عرض” يكون معنى قوله تعالى {إنا عرضنا الأمانة} أي أظهرناها وأبرزناها لتدرك قيمتها ووزنها وأهميتها بالنسبة للذي عُرضت عليه بهذا المعنى  لغاية ما.

2- الأمانة : نلاحظ ان هذه الكلمة “الأمانة” جاءت على وزن “فَعالة” مثل سَعادة وشفاعة وعدالة وضلالة… ولو تتبعنا معاني الكلمات التي جاءت على هذا الوزن في اللغة العربية لتبين أنها قوية المعنى إيجابا مثل سَعادة  وشفاعة، أو سلْبًا مثل سفاهة وضلالة، وكلها مصادر دالة على  أوصاف ملازمة لموصوفيها يقول سيبويه يرحمه الله : “هذا باب أيضافي الخِصال التي تكون في الأشياء. أما ما كان حُسنا، أو قبحا فإنه مما  يبنى  فعله على  فَعُل يَفْعُل ويكون المصدر فَعالا وفَعالة… وذلك قبُح يقبُح قَباحة.

وعليه فالأمانة مصدر لما دل على  خصلة ثابتة, وكأن الحق سبحانه يقول إن الأمانة سر استقامة الحياة، وعلى من حُملها أو تَحَمَّلها أن تكون خصلة ثابتة فيه بحيث لا تفارقه في صغيرة ولا كبيرة مما هو عليه أمين. ومما يرجح أنها من الخصال الثابتة ما أورده الكَفوِي إذ قال : “الأمانة مصدر “أَمُنَ ” بالضَّمِ : إذا صار أمينا، ثم يسمى بها ما يؤمن عليه”  الكليات 186-187.

ويستفاد من هذا أن السياق الذي تأتي فيه كلمات على هذا الوزن يدل على أن ما يُتَحَدَّثُ عنه أمر هام. تأمل معي قول الله عز وجل : {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُه، أفلا تتقون. قال الملأ  الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين، قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين} (الأعراف : 63- 65). وقوله عز من قائل : {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا  خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} (البقرة : 14- 16).

تلك هي دلالة صيغة “فَعالة” التي جاءت على شكلها كلمة “الأمانة” إنها كلمة ثقيلة المعنى. إنها الأمانة، هذا من الناحية التصريفية. أما من الناحية المعجمية أي دلالة الكلمة من حيثُ أصلُها المعجمي المتكون من ثلاثة أحرف (أـ م ـ ن) فيمكن أن نلاحظ أن (أمِنَ) بكسر الميم تعطى  معنى  اطمئنان الانسان على نفسه فقط يقول الفيومي “أمن يأمن أمانة : اطمأن ولم يخف” المصباح المنير 18. هذا في حين (أمُن) على وزن فَعُل بضم العين تفيد  جَعْل الانسان غيره مطمئنا يقال : “أمُن  يأمُنُ أمانة كان أمينا” (المعجم الوسيط 1- 28). والأمانة التي تعنينا هنا هي المأخوذة من فعل (أمُن).

وهو ما يشعر بتحمل مسؤولية جعل الآخرين آمنين!.

وعليه يستفاد من دلالة  الكلمتين السابقتين : “عرض” و”الأمانة” أن الحق سبحانه الذي يدل عليه الضمير المتصل للمتكلم في فعل “عرضنا” عرض مسؤوليةً مّا سماها الأمانة، بمعنى  والله أعلم أنه أبرز قيمتها وثقلها، وأظهرها أي صيرها ظاهرة بالنسبة لمن عُرضت عليه. فما هي هذه المسؤولية المعبر عنها بهذه الكلمة ذات الخصوصية وعلى  من عرضت؟

للعلماء في مسمى الأمانة المذكورة أقوال نعرِضُ ما تيسر منها في سياق معالجة محوار دلالتي الأمانة بين العموم والخصوص أو الاصالة  والفرعية وهو كما يلي  :

مفهوم الامانة بين الأصالة والفرعية

للأمانة مفهومان : عام، وهو ما لاحظناه من الدلالات اللغوية التي تفيد أنها تعني تحمل المسؤولية أمام الله بصفة إجمالية (أمانة الله) المستفادة  من قوله تعالى  : {إنا عرضنا الأمانة} وثمة مفهوم خاص وهو ما يتفق مع التفسيرات الاصطلاحية للأمانة عند المفسرين واللغويين. وسميناها خاصة لأنها مهما بلغت في شموليتها من حيث الدلالة اللغوية والاصطلاحية فإنها لا ترقى إلى  مستوى  الأمانة بالألف واللام الواردة في قوله تعالى  : {عرضنا الأمانة} ونورد بعضا من هذه التفسيرات والتعاريف كما يلي :

يقول الكفوي : “الأمانة مصدر (أمُن) بالضم إذا صار أمينا، ثم يسمى بها ما يؤمن عليه. وهي أهم من الوديعة لاشتراط قصد الحفظ فيها بخلاف الأمانة… وكل ما افترض على  العباد فهو  أمانة كصلاة، وزكاة، وصيام، وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار” (الكليات : 186)

أما أبو حيان فيعرفها عند تفسير قوله تعالى  : {إنا عرضنا الأمانة} بقوله : “لما أرشد المؤمنينن إلى  ما أرشد من ترك الأذى، واتقاء الله وسداد القول، ورتب على  الطاعة ما رتب، بيَّن أن ما كلفه الانسان أمر عظيم فقال : {إنا عرضنا الأمانة} تعظيما لأمر التكليف. والأمانة : الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه  من أمر ونهي، وشأن دين ودنيا. والشرع كله أمانة وهذا قول الجمهور” (البحر المحيط 508/8- 509).

وهذا الذي أجمله أبو حيان يرحمه الله أورده ابن كثير مفصلا  مع شيء من الاضافة في قوله  : “… وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير.. وغير واحد  أن الامانة هي الفرائض، وقال آخرون : هي الطاعة… وقال قتادة : الأمانة، الدين والفرائض والحدود…  وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها  بل هي متفقة وراجعة إلى  أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وأنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الانسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفقه الله وبالله المستعان.3/830.

هكذا يتضح مما سبق أن الأمانة بمفهومها العام تعني كل هذه المفاهيم الإيجابية المشار إليها فهي المسؤولية العظمى  أمام الحق سبحانه وهي التكليف، وهي الطاعة، وهي القيام بالفرائض الدينية.

ومما يفيد شمولية هذه المفاهيم  (نوعيا) أن كل واحد منها مقرون بالالف واللام التي تفيد الاستغراق، أو غير ذلك من ألفاظ العموم مثل “ما” و”كل” ولا يبعد في النهاية أن يقصد بالامانة بمفهومها العام خلافة الله في الارض لعمرانها بما يرضيه عزو جل، لأن الالتزام بمضامين كل المفاهيم المذكورة في شرح الأمانة من حيث السلوك يؤدي إلى  الأمن والعمران. ذلك هو المفهوم العام للأمانة. أما ما يمكن أن يتفرع عنه فهو كما يلي :

أ ـ الأمانة والإيمان :

يقول ابن منظور : “والأصل في الايمان : الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها فإن اعتقد (الانسان) التصديق بقلبه كما صدق بلسانه فقد أدى الأمانة وهو مؤمن، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه فهو غير مؤد للأمانة التي أئتمنه الله عليها, وهو منافق، ومن زعم أن الإيمان هو إظهار القول دون التصديق بالقلب فإنه لا يخلو من وجهين : أحدهما أن يكون منافقا ينضح عن المنافقين تأييدا لهم، أو أن يكون جاهلا لا يعلم ما يقول وما يقال له، أخرجه الجهل واللجاج إلى  العناد وترك الصواب.. وفي قوله تعالى  : {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون}(الحجرات : 15) ما يبين لك أن المؤمن هو المتصف بهذه الصفة، وإن لم يتصف بهذه الصفة فليس بمؤمن. لأن إنما في كلام العرب تجيء لتثبيت شيء ونفي ما خالفه” لع 13/24…

هكذا تتضح علاقة الأمانة بالإيمان بمفهومها السابق، وقد أحسن ابن منظور صُنعا إذ قال : “الإيمان الدخول في صدق الأمانة” فالأمانة إذن بمفهومها العام وعاء للايمان، وهذا يعني أن البناء الروحي للانسان المؤدي للأمانة يتغير بصدق الإيمان.

ب ـ الأمانة والأمان :

لاحظنا من خلال العنصر الفرعيالأول للأمانة أن المؤتمن يتغير تصوره بصدق الإيمان، وعندما يتصف بالإيمان الذي هو الدخول في صدق الأمانة يصدر عنه الأمان وينشره فيما حوله بقدر ما يستطيع. يقول  ابن منظور : “الأمان والأمانة بمعنى … والأمن ضد الخوف، والأمانة ضد الخيانة، والإيمان ضد الكفر، والايمان بمعنى  التصديق ضد التكذيب، وفي الحديث “نزول المسيح على  نبينا وعليه السلام : وتَقع الأمنة في الأرض أي الأمن” يريد أن الأرض تمتلئ بالأمن فلا يخاف أحد من الناس والحيوان 134/4.

ح ـ لا بد من وجود أمناء في الكون لحفظ التوازن :

يقول ابن منظور : “وفي الحديث : النجوم أمَنَةُ السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدونه، وأصحابي أمنة  لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى الأمة ما توعد”.

أراد بوعد السماء انشقاقها، وذهابها يوم القيامة، وذهاب النجوم تكويرها وانكدارها واعدامها، وأراد بوعد أصحابه ما وقع بينهم من الفتن، وكذلك أراد بوعد الأمة الاشارة في الجملة إ لى مجيء الشر عند ذهاب أهل الخير…

قال ابن الأثير : والأمنة في هذا الحديث جمع أمين وهو الحافظ” ل ع 13/29 .

 د. الحسين گنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *