كلمة غير عابرة – سيد قطب رحمه الله


الوجه المتجاهَل من فقهه الدعوي(1)

تقديم:

لقد اختلف قارئو سيد قطب الشهيد حول فكره عموما وفقهه الدعوي خصوصا. وقد نفخت بعض الدوائر كثيرا في بعض القضايا التي أثارها في بعض كتبه وخاصة كتابه “معالم في الطريق”، مثل: الحاكمية والجاهلية والتكفير… وبحكم اتصالي بكتبه منذ أيام الطلب في الثانوي والجامعي فقد كنت دائم الحيرة فيما يتصل بهذا الإشكال. ولكن يبدو أن الرجل القرآني ظلم، وفي أحسن الأحوال أسيء فهمه نظرا للقراءة التجزيئية لفكره والمسارات والمراحل التي مر بها. ولك عزيزي القارئ أن تكتشف السماحة الكبيرة والقلب الحنون والرفق الدافق.. والفقه الدعوي القرآني الراقي حينما تقرأ – بعقل منصف وقلب مؤمن – ما كتبه هذا الرجل.

أعدت اكتشاف هذه المعاني وأنا أبحث هذه الأيام في موضوع حضور الغرب في الفكر الإسلامي المعاصر، ومنه فكر سيد قطب الذي قضى سنتين في أمريكا (3 / 11 / 1948 إلى 20 / 8 / 1950) عكس خلالها موقفه الناقد للغرب عبر كتاباته ومراسلاته لعائلته وأصدقائه. وقد جمع بعض هذه المراسلات في كتيب صغير بعنوان: أفراح الروح، كتيب يعكس الروح الشفافة المنطلقة بحنو عال في عالم الدعوة التي تحتضن الآخرين وتربت برفق على تقصيرهم وتعالج بحكمة أخطاءهم و…

إليكموها أعزائي القراء  “طازجة” كما هي ودون تدخل مني مخافة أن أفسد حلاوتها وطلاوتها:

آثار لمس الجانب الطيب عند الناس

عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، نجد أن هناك خيراً كثيراً، قد لا تراه العيون أول وهلة!  لقد جربت ذلك. جربته مع الكثيرين  حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون، أو فقراء الشعور  شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم، شيء من الود الحقيقي لهم، شيء من العناية -غير المتصنعة- باهتماماتهم وهمومهم  ثم ينكشف لك النبع الخيّرفي نفوسهم، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم، في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، متى أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص.

إن الشر ليس عميقاً في النفس الإنسانية إلى الحد الذي نتصوره أحياناً. إنه في تلك القشرة الصلبة، التي يواجهون بها كفاح الحياة للبقاء فإذا أَمِنُوا تكشّفت تلك القشرة الصلبة عن ثمرة حلوة شهية  هذه الثمرة الحلوة، إنما تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن من جانبه، بالثقة في مودته، بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم، و على أخطائهم، وعلى حماقاتهم كذلك وشيء من سعة الصدر في أول الأمر، كفيل بتحقيق ذلك كله، أقرب مما يتوقع الكثيرون لقد جربت ذلك، جربته بنفسي. فلست أُطلقها مجرد كلمات مجنّحة، وليدة أحلام وأوهام! (1)

آثار حبنا للآخرين

عندما تنمو في نفوسنا بذور الحب والعطف والخير، نعفي أنفسنا من أعباء ومشقات كثيرة. إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين، لأننا سنكون يومئذ صادقين مخلصين، إذ نزجي إليهم الثناء. إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير، وسنجد لهم مزايا طيبة، نثني عليها حين نثني ونحن صادقون ؛ ولن يعدم إنسان ناحية خيّرة أو مزية حسنة، تؤهله لكلمة طيبة ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها، إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحب!

كذلك لن نكون في حاجة لأن نُحَمِّلَ أنفسنا مؤونة التضايق منهم، ولا حتى مؤونة الصبر على أخطائهم وحماقاتهم، لأننا سنعطف على مواضع الضعف والنقص، ولن نفتش عليها لنراها يوم تنمو في نفوسنا بذرة العطف! وبطبيعة الحال لن نُجَشِّم أنفسنا عناء الحقد عليهم، أو عبء الحذر منهم، فإنما نحقد على الآخرين، لأن بذرة الخير لم تنم في نفوسنا نمواً كافياً، ونتخوف منهم، لأن عنصر الثقة في الخير ينقصنا!.

كم نمنح أنفسنا من الطمأنينة والراحة والسعادة، حين نمنح الآخرين عطفنا وحبنا وثقتنا، يوم تنمو في نفوسنا بذرةالحب والعطف والخير!.

إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا، ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقاً.. إن التوفيق بين هذه المتناقضات، وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد : هو العظمة الحقيقية!. (2)

ذ. محمد البنعيادي

——

(1)  من رسالة له من أمريكا إلى صديق له ضيق الصدر من الناس. مقال ” في الأدب والحياة “. مجلة الكتاب. أبريل : 1951. ص : 392

(2)  من رسالة له من أمريكا إلى صديق أراد اعتزال الناس. مقال ” في الأدب والحياة “. مجلة الكتاب. أبريل : 1951 ص : 393

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *