غـــلاظ الـقـلـوب


جاء في المصباح المنير -مادة غَلُظ : غَلُظ الشيء بالضم غِلَظاً خلاف  دقّ. والاسم الغِلْظة بالكسر، وهو غليظ. والجمع غِلاظ، وعذاب غليظ شديد الألم، وغلُظ الرجل، اشتد فهو غليظ وفيه غِلْظة أي غير لين ولا سلس، وأغْلَظ له في القول إغلاظاً عنَّفه”(المصباح المنير مادة غلظ ص 268 بتصرف).

فالغِلظة هي الشدة والقسوة والفظاظة والجفاء، والغليظ هو الذي لا يتأثر بما حوله، فلا يلين قلبه ولا يرق، وقد قال الشاعر قديما :

يبكى علينا ولا نبكي على أحد

لنحن أغلظ أكباداً من الإبل

فماذا يقول شاعرنا لو عاصر هذا الزمان، ورأى ما تعانيه الشعوب المستضعفة من قهر وتعذيب وتجويع وتشريد وطمس للهوية وتخريب للإنسانية جمعاء لو عاصرنا لقال : سحقاً لزمن تضطهد فيه الشعوب، وتسلب فيه الحريات إنه زمن هيمنت فيه “غلاظ القلوب”. فسلبت الحقوق، وخدّرت العقول. وأمارة غِلاظ القلوب، بادية في خُلُقهم، وطبعهم، وقولهم، وفعلهم، وعيشهم، حُبُّهم للذات، وللملذات، يرفعون شعار “نحن ثم الطوفان” يقول شاعرهم:

إنما الدنيا طعام وشراب ومنام

فإذا ما فات هذا فعلى الدنيا السلام

فزينت لهم الأهواء فهم يأكلون ويشربون ويلههم الأمل، يقتفون أثر من سبق،هم في هذا السلوك البغيظ  أثر من سفكوا الدماء، ودمّروا البناء، وقتّلوا الأبناء، ولم يراعوا إلاًّ ولا ذمة، وانتهكوا الحرمات، وطلقوا الحياء الطلاق الثلاث. واستولوا على الكراسي الجوفاء، لكن أين هم؟ كانوا فصاروا لاشيء، إذْ أخذهم الله نكال الآخرة والأولى، فكيف لغلاظ القلوب اليوم أن لا يعتبروا بمن مضى من أسلافهم؟ {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم، وماكان لهم من الله من واق}(غافر : 21) فلينظروا إن كان لهم نظر، فقد جعل الله في موتهم عبرة وفي إبقاء بدن بعضهم آية، وفي إهلاكهم بالغرق، والخسف، والريح، والصيحة، والصاعقة، موعظة لمن خلَق، فمن كان مقتفياً أثر هؤلاء الهلكى، فهو غليظ القلب، فكيف يطيب قلبه، ويحلو قوله؟ وهو يسمع ويرى ويشاهد ما يفعل بالمسلمين من العذاب والنكال، من قتل وحرق وتشريد وتشويه للصور… وما يفعل بالديار من هدم ودمار وخراب…. يشاهد كل ذلك ولا يتأثر، ولا ينفطر قلبه، بل لا تأخذه رأفة ولا رحمة، يسمع كأنه لا يسمع، ويرى كأنه لا يرى. نزل إلى الحضيض، إلى حيث البهائم. الصماء  البكماء، وشر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، فلماذا قست القلوب إلى هذا الحد؟ ولماذا لا.. ولم تنفطر من هول ما يُسمع ويُرى؟ أهانت النفوس المؤمنة المسلمة إلى هذا الحد؟ فأين من يستجيب لنداءات القلوب الصافية؟ وقديماً اهتز عرش المعتصم لنداء امرأة “وا معتصماه” وها هو الإسلام ينادي من يدين به “وإسلاماه” فهل من مجيب؟ فهل من مجيب؟ فهل من مجيب؟ و{إنما يستجيب الذين يسمعون}(الأنعام : 37).

محمد الطوس

إمام مسجد حمزة سيدي سليمان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *