المسجد الأقصى وإسرائيل والعالم العربي والإسلامي


ربما نستفيد اليوم من ذكرى حريق المسجد الأقصى الذي كان عام 1969 كأنما نمشي خطى كتبت علينا بمداد المشروع الإسرائيلي الذي أوشك على نهاية فصله.

ذلك ان 1967 يمثل منطقا جديدا في مسيرة المشروع الإسرائيلي الذي غاب عن رؤية السياسة العربية والفكرية في القرن العشرين بأكمله. فالإقدام على حرق المسجد الأقصى هو أحد تداعيات سقوط القدس ذلك الموقع الذي بارك الله حوله ليكون أمانة في ضمير كل مسلم. إذ مع سقوط القدس الشريف سقط الأساس المعنوي لمركزية مؤسسات القيم المعنية الإسلامية.

إن افتقاد فكرنا وثقافتنا لأي حس نقدي في مسيرة العالم هو أحد نتائج غيابنا التاريخي عن مسؤوليتنا عن معتقداتنا ومقدساتنا فمكة والمدينة والقدس ثلاثية لا انفكاك بينها هي أساس وجودنا الثقافي والحضاري ليس لدى المسلمين فحسب بل لدى المسيحيين أيضا. فقيمة كنيسة القيامة أنها جزء من وحدة الإبراهيمية التي جاء الإسلام ليستكمل مسيرتها. لذا فالمسجد الأقصى هو المعنى العميق لقيم الحضارة الإنسانية خارج الوثنية الرومانية والتي يمثلها في نهاية المطاف تضامن الأصول الثقافية الهيلينية اليهودية والوثنية،  فالحضارة الغربية امتدت إلينا امتداد سكة الحديد القادم من محطتها من الغرب بخط فردي وغدا قطارها هو التقدم الذي وصل إلينا عبر القوة لغير رسالة إنسانية إنه تقدم الاستعمار وهكذا وضع مستقبلنا في محطة الانتظار دائما عبر مركزية محطة الإنتاج. وهكذا أصبح الاتصال بأوروبا محكوما بالذهاب اليها عبر خط سكة الحديد الفردي الذي وصل إلينا.

وأن نمو أوروبا وقوتها وفلسفتها التي تزاوجت فيها النظرة القومية في فلسفة نيتشه وشبنهور أي فلسفة القوة وحدها  فقد تحددت منذ القرن التاسع عشر أسس مكونات الدولة الوطن في مفهوم أوروبا أولا والصهيونية ثانيا.

وهكذا نشأ مع تطور الصناعة والرأسمالية والمفهوم المالي كأساس لتطور أوروبا الاستعماري بعد اكتشاف أمريكا التطلع إلى مركزية الحضارة الغربية في تأسيس سيطرتها على منابع الحضارة الإسلامية التي انهزمت أمام ثقافة القوة

هذه الثقافة تقوم على ازدواجية أساسية تعتمد على المصانعة والكذب كجزء من طبيعة السياسة الناجحة كما أشار جان لاكوكور في المناقشة التي جرت بين الأستاذ غسان تويني وحداد ولاكوكور في الكتاب الذي صدر تحت عنوان قرن بغير نتائج siècle pour rien Un.

فمعاهدة سايكس بيكو كانت مُفتتح سيناريو هذا القرن الذي مثل قصة مترابطة التداعيات والنتائج لصالح إسرائيل. فالعنوان قرن بغير نتائج كان من منظور عربي إسلامي لكن من منظور السياسة الغربية الأمريكية الأوروبية المتضامنة فإن أدبيات السياسة الغربية تسمي هذا القرن “قرن إسرائيل”.

لقد بدأت سياسة “قرن إسرائيل” التي هي طابع القرن العشرين ترتكز على عنصرين أساسيين..

العنصر الأول الغاء المساحة الجغرافية لثلاثية المقدسات الإسلامية والتي هي الأساس المعنوي لوحدة العالم الإسلامي وذلك عبر إنشاء كيان إسرائيل كقوة مركزية للشرق الأوسط

العنصر الثاني: تبديد المساحة الجغرافية للعالم الإسلامي التي هي المدار الاجتماعي والثقافي في مركزية ثلاثية المقدسات الإسلامية.

وقد بدأت الإجراءات تتخذ مسارها عبر استراتيجية تمسك بخيوط الحياة السياسية والفكرية والثقافية لسائر تلك المنطقة.

فبعد الحرب العالمية الأولى نشأت القوميات في مساحة العالم الإسلامي كله من أجل تفكيك الترابط المعنوي وبناء حدود جديدة تحت شعار قوميات تتيه عاجزة في شمولية مركزية الاقتصاد العالمي وهكذا تحقق عبر التأثير الغربي تبديد الثروة المعنوية التاريخية والثروة الاقتصادية الداخلية التي تكونت من خلال البيئة والثقافة.

فبالإضافة إلى القوميات في مساحة العالم العربي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية دولة باكستان ضمن مفهوم يربط الإسلام بالقومية أو ما يسمى الدولة الوطن.

ويؤكد هذا المفهوم الذي تمت تغطيتة ببعض بهارج ما تم تسويقه حول الدولة الإسلامية ما كان من موقف الداعية الإسلامي الهندي أبو الأعلى المودودي في محاضرته الشهيرة في جامعة عليكره عام 1940 حيث قال: “إن المسلمين الذين تثقفوا من أهلها بالثقافة الغريية يستعصى عليهم ادراك هذه الحقيقة السامية (أي الإسلام) فإنهم وإن كانوا يلهجون بذكر الحكومة الإسلامية مضطرون بطبيعة ثقافتهم أن لا يهتدوا الا إلى الدولة القومية وكل ما يقع اختيارهم عليه من مناهج الفكر لا يخرج عن دائرة القومية”.

لقد كان موقف المودودي ضد فكرة باكستان  يعبر عن عمق رؤية العالم الاستعماري الغربي الذي يخطط لانهيار الحضارة الإسلامية فما أن جف حبر دولة باكستان حتى قام ظفر الله خان وزير خارجية باكستان بزيارة الدول العربية 1952 يدعو إلى قيام منظومة الشرق الأوسط والصلح مع إسرائيل.

فباسم الإسلام الهندي كانت الدعوة إلى إفراغ المنطقة العربية والإسلامية من هويتها التاريخية وذلك بإطلاق مصطلح الشرق الأوسط كنوع من تجهيل الإسم والهوية.

وهكذا يصبح الشرق الأوسط مجرد طبعة بحبر إسرائيلي يطبع على جسد العالم العربي كتلك التي تطبع على اصحاب السوابق.

إن تاريخ النصف الثاني من القرن العشرين قد محى عن الخريطة كل أساس جغرافي سياسي لحضارة عربية أو إسلامية ونحن اليوم أمام تهديم القيمة المعنوية لعالمنا الإسلامي بتهديد يستدرج تطورات مستقبلية لتهديم المسجد الأقصى وبناء أوهام الهيكل الإسرائيلي.

وتبدو روما الجديدة الأمريكية هي المنظم لحركتنا السياسية وهي أيضا المخطط لتحفيز ضعفنا المفاهيمي في التعامل مع التراث والإيمان لدفع الأمور إلى حافة لا عودة عنها حينما نخليمواقعنا الاستراتيجية في ظل واقعية المفاوضات.

فنحن  منذ بداية القرن العشرين نعيش ومع المعاصرة تكوينا انتظاريا لما تبدي الأيام ما نجهل وما تحمل مما لم نزود من الأخبار وهذا التكوين يفتقد الخطة والمدى ورؤية الغد.

فمنذ عدة أيام فوجئت عبر قناة الجزيرة بمقابلة مع وفد من علماء باكستان المسلمين يزورون إسرائيل بصفة شبه رسمية للقيام كما قالوا بزيارة القدس الشريف والصلاة في المسجد متحدين بذلك العالم العربي والإسلامي وآلام الشعب الفلسطيني وقد أعلنوا أنه من الوجهة الشرعية لا بد من الاعتراف بإسرائيل لأن الرسول قبل بهم في المدينة وهكذا يتم تزوير القيم والمواقف الإسلامية والسنة النبوية. فالاعتراف بإسرائيل له معنى مختلف في ظل هوان الموقف العربي والإسلامي في كل صعيد.

هذا الموقف من بعض مرتزقه الكلمة الإسلامية يتناغم مع موقف ظفر الله خان عام 1952 حين أشار إلى حتمية المستقبل الإسرائيلي في المنطقة أمام شتات وضعف العالم العربي.

ففي زمن الحديث عن القومية في العالم العربي انهزمت القوميات جميعا فيما بقيت إسرائيل وحدها كلمة الموقف كحقيقة دولية ويلفتنا في هذا الاتجاه النص التالي الذي نقلناه عن كتاب دولة لليهود الذي كتبه هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر.

لقد قال هرتزل:”حين أطرح فكرتي أحاذر إذا ما أبديت تحفظا حول المستقبل سوف يبدو أنني لا أعتقد ذلك ممكنا. لكن إذا أكدت على العكس وأعلنت فكرتي دون تحفظ وذلك للكثير وكأنما هي نظرة روحية.انني أعتقد بقوة ووضوح تحقيق هذا المشروع.

الدولة اليهودية هي ضرورة للعالم لذلك سوف تبنى

هذا التأكيد في مفتتح القرن العشرين لقيام دولة إسرائيل ينطلق من فراغ الصعيد العربي ليس فحسب في فقر الوسائل بل في فقر التأصيل المنهجي لقراءة الأحداث وترتيب منطلقات مواقفنا. والباكستانيون الذين زاروا القدس بالأمس في ثوب العلماء كمؤهلين للفتوى افتقدوا أية استراتيجية مركزية في ترتيب أفكارهم كما فعل هرتزل. فهرتزل تحدث عن قيام دولة إسرائيل طبق معطيات العالم الغربي ولذا فهو يحاذر في تحديد مواقفه من أن يكون مجرد شعار بل مؤسس رؤية عبر معطيات يسيرها ولا تسيره. فالاعتراف بإسرائيل لا يمكن في منطق السيرة النبوية أن يكون مجانيا بل طبق حدود استراتيجية ترفض الهزيمة. والإرشاد الإلهي حدد الموقف الحاسم تجاه أي خلل في مسيرة التأسيس القائمة على مفهوم العزة والكرامة كما قال تعإلى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.

فالمشروع الاستعماري قام منذ البداية على تبديد مركزية الإسلام والحضارة الإسلامية في العالم العربي عبر مناهج التكنولوجيا واغراء السلطة وترهل الرؤية الفكرية. فالمسجد الأقصى هو الطريق إلى المسجد الحرام إذ القيمة المعنوية لمركزية الكعبة المشرفة قد استعادت مركزها كأول بيت رفع للناس من المسجد الاقصى عبر الإسراء وتحول القبلة وهذه الإشارة الإلهية تحمل بشير رسالة الإسلام ونذير انسحابها معا. إذا ما تهدم المسجد الأقصى وبني على انقاضه ما تزعم اسرائيل من هيكل سليمان.

إن هذا يعود بنا إلى بداية القرن العشرين. فهرتزل في تأكيداته التي أشرنا إليها تنطلق من مساحة عالم عربي وإسلامي خاضع لمؤثرات المراصد الغربية.

وهكذا أضحى الفكر والتأمل واستشعار الواقع رهن الإعلام يسري في قنواته كيما يبطل فاعلينا عن صنع قراراتنا.

هذه المرتكزات أصبحت هي آلية العصر. وقد يستطيع  أي دارس للواقع العربي وبكل سهولة أن يتنبأ بمستقبله عبر آلية المسار العالمي.

فمع مشاريع السلام الاميركي في أعقاب حرب الخليج الأولى عام 1991 أصدرت مجلة Esprit عددا خاصا تحت عنوان مشاهد بعد المعركة ضد الحرب والثقافات. وتحت عنوان احذروا السلام المزيف ص 135 جاء فيه ما يلي:

“إن المخطط السياسي الذي يأتي بالخصوص مع حرب الخليج سوف يفضي إلى إعادة توزيع التحالفات والقوى. والشرق الأوسط القادم سوف يكون ذو وجه أقل عروبة مع الدور الذي سوف تلعبه كل من تركيا وإسرائيل وإيران. وسوف يكون الوجه العربي منقسما شيئا ما في صورة الجامعة العربية صبيحة الغزو العراقي.

وسوف تكون الإمارات العربية Pètromonorehies  أكثر اندفاعا لشراء السلاح أما المشكلة الاقتصادية فسوف تتطور عبر سرعتين نزاع بين البلاد العربية المثقلة بسكانها والبلاد البترولية المثقلة بأموالها.

بالمقابل سوف تتراجع الديمقراطية عما كانت قبل الغزو وليس في المنظور نمو سريع.

والأمة العربية من المغرب إلى المشرق سوف تظل في إطار الخصومات والغياب السياسي” (انتهى كلام مجلة Esprit عام 1991).

كانت هذه توقعات الكاتب في أعقاب حرب الخليج الأولى والتهيئة لمؤتمر مدريد. وهكذا ينتهي العقد الأخير من القرن وكأنما سار في سكة الحديد التي رسمتها هذه التوقعات على صفحة غياب رؤيتنا لمسيرة العالم. إن المشروع الإسرائيلي هو التعبير عن الانتصار على المركزية العربية المعنوية كأساس لمفهوم الحضارة الإسلامية.

فبالأمس احتلت القدس عاصمة التراث.

واليوم بغداد عاصمة الحضارة الإسلامية العربية.

وغدا الحجاز حين توضع الأماكن المقدسة في قفص مصطلح الأصولية الإسلامية. أي سلفية عبد الوهاب وابن تيمية التي تهدف إلى صفاء الوحي القرآني وقد شكل ذلك أساس الفكر النهضوي عند محمد إقبال في الهند ومحمد عبده ورشيد رضا وجمعية الإصلاح في حركة بن باديس

فالتركيز على السفية كمصطلح إرهابي هو إفراغ الفكر العربي ومنعه من إعادة صياغة الحاضر عبر معايير المرتكزات الاساسية للعقيدة.

وهكذا يصبح الوصول إلى الكعبة المشرفة عبر حاجز الشروط الجديدة في مكافحة الارهاب. ذلك التعبير الجديد الذي يشبه السور الذي تبنيه اسرائيل من اجل الهيمنة على مرتكزات القيمة الاساسية لمعنى الكفاح الفلسطيني في مواجهة اسرائيل. هذا الكفاح الذي يتبرأ من مساعدته وتمويله اولوا الطول حتى لا تطالهم تهمة الارهاب.

ان اسرائيل وحدها تعرف ما سوف تفعل غدا ليس فحسب في الضفة الغربية المحاصرة بل وايضا في الساحة العربية المنتظرة لافتقادها معطيات الحاضر.

والواقعية لا معنى لها من غير القدرة على “الوقع” اي القدرة على ايجاد حقيقة قابلة للتفاوض. ومن هنا تبدو المبادرة العربية في بيروت لا معنى لها حين تقرر في قاعة فندق فينيسيا والجميع يسمع هدير جرافات اسرائيل تجرف البيوت. ويعلن الطرف الآخر عدم الحاجة إلى الحديث والتفاوض مع الطرف الاضعف.

والذين يعبرون عن مرونتهم العربية باعتبارهم خارج حلبة الصراع انما يهدمون لصالح اسرائيل اميركا حصون حماية ظهور المقاومين بمثل ما تهدم اسرائيل بيوت الفلسطنيين

واخيرا: في مناقشة جرت في اعقاب اوسلو 1993 قرأت للصحفي محمد عودة انه اطلع منذ عشرين عاما سابقا على وثيقة بخط بنغوريون يحدد فيها مستقبل العراق عام 2000 كما يلي.

“انه عن عام 2000 سيتدفق البترول العربي إلى مصافي حيفا. وسيأتي القطن المصري لكي يغزل في اسرائيل وستكون لدينا كمبيوترات ضعف ما في البلاد العربية.

وستكون إسرائيل العصمة الروحية للمنطقة وسيجتمع فيها علماء الازهر وبطارقة لبنان وحاخامات اسرائيل،

انه يقطع النظر عن صحة هذه الوثيقة ام عدم صحتها لكن مضمونها تصدقة الاحداث الراهنة.

ففي ظل التأهيل والترويج والتحليل لقرار امريكا للحرب على العراق لفتتني عفوية طالب لم يتجاوز فيما اعتقد الخامسة عشر من العمر.

كان مع جمع من رفاقه الطلاب دعوا في برنامج تلفزيوني في مصر للمناقشة من اجل ثقافتهم السياسية والاستماع إلى عشرة من المثقفين المصريين يحللون ويستشعرون الاحداث.

وفيما يسترسل كل مثقف في تحليل تداعيات الحرب وفي زحمة هذا النقاش الحاد عن موازنةالقوى قام هذا الطالب وقدم سؤالا فاجأ الحضور:

ماذا لو ان اميركا اعلنت الحرب على مصر كما تفعل في العراق فما هو موقفكم وموقف الدولة؟

هذا السؤال العفوي البريء لقي استنكارا من الحضور. هذا الاستنكار والشعور بقوة الحاضر يعني ان فكرنا غير مؤهل لأية دراسات تستشعر المستقبل..

بقلم الوزير الأسبق عمر مسقاوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *