إشراقة – السياسة الأمنية لحماية المكتسابت الدعوية(4)


ولقد وقف الصحابة رضي الله عنهم على حقائق ما أخبرهم به النبي  فقالت أم سلمة رضي الله عنها : لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشي، أمِنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى ، لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه.

ووجدوها أرض صدق كما أخبرهم  فإن النجاشي لما سمع قول الله تعالى صدّق هو وحاشيته، وفيهم نزل قوله تعالى : {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربّنا ءامنا فاكتبنا مع الشاهدين}(المائدة : 85).

لقد أمِن المسلمون على دينهم وأنفسهم في أرض العدل والصدق، ولكن التقصير في الإحتياط الأمني جعلهم يفقدون الأمن، ويفتنون في دينهم مرة أخرى، فقد ترامت الأخبار إلى الحبشة بأن المشركين هادنوا الإسلام، وتركوا أهله أحراراً، وأن الإيذاء القديم انقطع، فلا بأس عليهم إن عادوا فقرروا العودة إلى مكة المكرمة حتى إذا اقتربوا من مكة تبينت لهم الحقيقة وأنها مجرد خدعة، وأن المشركين أشد ما يكونون خصاما لله ورسوله والمؤمنين، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا.

إن الهاجس الأمني شعور يغمر نفس الداعية بالقَدْر الذي يضمن أمن الدعوة عند زحفها، وسلامة أفرادها، وليس المغالاة في السياسة الأمنية بشكل يتسبب في خوف العاملين وإحجامهم، ولكنها الفراسة القوية والسنة القائمة عند أصحاب الرسالات قديما وحديثا، فعندما رأى بحيرا الراهب علامات النبوة في محمد  سأل أبا طالب : ما هذا الغلام منك؟ قال ؛ ابني قال : ما ينبغي أن يكون أبوه حياً يرزق! قال ؛ فإنه ابن أخي مات أبوه وأمه حبلى به. قال : صدقت، إرجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود<(أخرجه الترمذي وحسنه).

ولقد جعل الله المرحلة السرية ثلاث سنوات يتربى فيها الجيل الأول على دروس في الأمن والحيطة والحذر، وهذه المدة  هي الفترة المقررة في المؤسسات الجامعية للحصول على الإجازة في شعبة معينة، ليتمكن الطالب ويتعلم، قال ابن هشام : وكان بين ما أخفى رسول الله  أمره واستتر به إلى أن أمر الله بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه ثم قال الله تعالى له : {فاصدع بما تومر وأعرض عن المشركين}(الحجر : 94).

يقول الشيخ البوطي : لا ريب أن تكتم النبي  في دعوته إلى الإسلام، خلال هذه السنوات الأولى لم يكن بسبب الخوف على نفسه، فهو حينما كُلف بالدعوة، ونزل عليه قوله تعالى : {يا أيها المدثر قم فأنذر..} علم أنه رسول الله إلى الناس… ولكن الله تعالى ألهمه أن يبدأ الدعوة في فترتها الأولى بسرية وتكتم…، تعليماً للدعاة من بعده، وإرشاداً لهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة.. من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها.

ثم قال حفظه الله : وبناء على ذلك فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية في كل عصر أن يستعملوا المُرونة في كيفية الدعوة من حيث التكتم والجهر، أو اللّين والقوة.. حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه، وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية اعتماداً على واقع سيرته .. على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين، ومصلحة الدعوة الإسلامية<(فقه السيرة ص 59).

ذ. عبد الحميد صدوق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *