مـن مقاصد الحج وخصوصياته


 

خصوصيات الحج ومميزاته

الحج عبادة مخالفة بكثير من الوجوه الأخرى للعبادات ومتميزة عنها بكثير من الخصائص والمميزات سواء على مستوى الزمان، أو المكان، أو الهيئة، والحالة التي تؤدى بها هذه الشعيرة الدينية. فالنطق بالشهادتين يكون في أي مكان، وليس هناك مكان مشروط لنقول فيه “لا إلاه إلا الله محمد رسول الله” أو ليس هناك وقت يُمنع فيه على من أراد الإسلام أن يقول : “لا إلاه إلا الله محمد رسول الله”، سواء كان في بلد عربي، أو إفريقي، أو  أوربي. والصلاة كذلك، ليس هناك ما يمنع المسلم من أن يصلي فيأي زمان، أو مكان إلا ما تعلمون من منع الصلاة المندوبة في بعض الأوقات، أما الصلاة المفروضة فلا تمنع في أي وقت ولا يلزم المؤمن بأداء الصلاة في مكان معين أو وقت معين إلا على الأحوال التي تركها رسول الله . كذلك الصوم، فالصائم له أن يصوم شهر رمضان أو غيره من الأيام أينما كان. وكذلك الزكاة يمكن إخراجها في أي مكان أو زمان،  لكن مع ركن الحج، نجد أنه تجتمع فيه العبادة المالية والعبادة البدنية، ونجد أنه محدد بمكان وزمان وكيفية : فالطواف لا يكون إلا بالبيت، والوقوف لا يكون إلا بعرفة، ورمي الجمار لا يكون إلا بالعقبات الثلاثة في مِنَى، والسعي لا يكون إلا بين الصفا والمروة، ولهذا فالحج، عبادة خاصة ومتميزة في كل شيء، ومن مظاهر خصوصيتها كذلك، أن المسلم يعبد ربه صوما وصلاة  وزكاة وذكرا مع أهله، وأبنائه، في بيته، وبلده، في تجارته، في زراعته، وأينما كان، أما في الحج فيطلب منالمسلم أن يتخلى عن هذه الأمور كلها وأن يتركها وراءه وأن يذهب إلى المكان الذي خصه الله عز وجل لهذه العبادة. قال تعالى : {ولله على الناس حج البيت، من استطاع إليه سبيلا} فإذا توفرت لك الاستطاعة، لابد أن تسافر إلى حيث الحج : إلى بيت الله الحرام.

مقاصد الحج

الحج له مقاصد كثيرة، لا أزعم أنني أستطيع أن أقف عندها كلها، قال تعالى : {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا فيه آيات بيّنات}، لكن قليلا من الحجاج من تتبين لهم تلك الآيات ويستشعرونهاو، ومن مقاصد الحج :

> التخلي الكلي والتجرد الكامل عن متاع الدنيا :

ومعناه أن يتخلى الحاج ويتفرغ ويتجرد ويتحرر من كل الشواغل الدنيوية، وأن لا ينشغل أثناء الحج بها، فهو مأمور بأن يتخلى عن ولده وأهله وبيته وماله وبلده وعن الروابط التي تربطه بالأرض، حتى يُفَرِّغ نفسه تفريغا لهذه العبادة.

> تبرئة الذمة وتطهير النفس من مستحقات الناسوحقوقهم :

الحج فرصة لتصفية الحقوق والواجبات، فإن كان للمسلم حقوق على الآخرين وجب عليه تصنيفها وتسجيلها وإعلامها وتوثيقها، وإن كان عليه واجبات فعليه أن يبرئ ذمته منها إما بإشهاد أو وفاء أوبأداء، وهذا لا يتم إلا في الحج، لأنك لا تدري هل ستعود أم لا، لذلك وجب تصفية العلاقات المادية، لتذهب وأنت كأنما تطهرت باطناً من هذه التوابع.

> التجرد من المحيط والمخيط رمز للاستعداد للقبر :

يجب أن تنخلع من ملابسك العادية وتلبس ما يشبه الكفن، الرجل : قطعة لأعلاه وقطعة لأسفله ولعل في هذا التجرد من المحيط والمخيط رمزا إلى الاستعداد للقبر، وإن جاز لنا أن نضيف نقول أيضا : التجرد من الشهوات والعادات التي اعتدتها في بيتك، وتجنب المألوفات التي كنت تتوسع فيها من أكل وشرب ولباس ورفاهية وتسلية، ثم تجريد النفس للطاعة، والامتثال والعبادة. وتفريغها لتجارة واحدة : تجارة تنجيك من العذاب الأليم {ياأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم}.

> التربية على الصبر والتحمل :

وجب على الحاج أن يتحلى بكامل الصبر : صبراً تاما كاملا شاملا، صبراً على أحوال الطقس، وعلى الازدحام، وعلى الاصطدام، وعلى تحمل الأذى، {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} فهذه العبادة من مقاصدها أنها تربي المسلم على زيادة تحمل الصبر، وتحمل الاحتساب، وتحمل الخدمة، خدمة أشخاص منهم المريض، ومنهم العاجز، ومنهم من لا يعرف شيئا، لذلك هيئ نفسك لخدمتهم ومساعدتهم في جود وسخاء، ومن مقاصد هذه العبادة أنها تزيد المسلم قوة في التحمل وصبراً على الطاعات والعبادات احتسابا لله عز وجل، فمن عرف أن الصلاة في بيت الله الحرام بمائة ألف صلاة لن يبالي بحرارة الشمس وبعد المسافة ولن يُضيع الفرصة للصلاة بجوار الكعبة، إلا إذا لم تكن له القدرة.

ومن مظاهر الصبر المطلوب أن تصبر على حالك وأنت أشعث أغبر، حيث يطلب من الحجاج أن يكونوا أمام الله عز وجل في حال السكينة، والتذلل، والافتقار.

ومن مظاهر الصبر المطلوب : أن تصبر على السفر البعيد، والغياب الطويل عن المألوفات، وهذا مقصد وتربية، فحينما نتوجه إلى الله نزهد في كل من سواه.

> الحج فرصة للقاء الأجناس والشعوب :

يلتقي الأجناس على اختلاف الألسن والألوان والأعمار.

هذا بلباس أفغاني، وهذا تركي، وهذا أوربي، وهذا افريقي، هذا قصير وهذا طويل، هذا نحيف وهذا سمين، وتسمع مختلف اللغات، قليلا ما تسمع اللغة العربية الفصحى، تصبح غربية في وطنها وبين أهلها، وقد تلقى من عمره مائة سنة ومن عمره لا يزيد عن أربع أو خمس سنوات مع آبائهم يطوفون بهم.

> التأثر لحال التائبين :

أنت الآن تتمنى أن تنظر لأحد يبكي بصدق وتأثر شديد، يرتعش بكاء وخوفا. لكن هناك سترى حالات كثيرة، سترى التائبين، البكائين، الخاشعين، ستراهم في الحطيم : وفي الركن، وفي الصفا، وفي عرفات، وحيث كنت، ستجد من يتشبت بالجدار، وقد تعدى المائة، وهو يدعو بلغته، وأنت لا تشعر حتى تقول : آمين، لا تعرفه بماذا يدعو، ولكنك عرفته يدعو، يدعو بلغته ويؤثر فيك حتى يلين قلبك فتبكي، وهذه من آيات الله.

> الاقتداء بالمنفقين :

يكثر المنفقون في سبيل الله حيث ستجد شاحنات كبيرة، وكثيرة، هذه تحمل ثمورا، وهذه تحمل حليبا، وهذه تحمل خبزاً… يوميا في مكة وفي عرفة، وفي منى، تمنح في سبيل الله. وهي فرصة لتعرف مرتبة جودك وكرمك بين هذه المراتب من الجود والكرم، وهي أيضا مقصد لأن الله تعالى أراد منا أن نسافر من أجل أن نشاهد هذه الأخلاق، وهذه الآداب ونقتدي بها.

> الوقوف على بعض المشاهد والمواقع التاريخية :

مما يدخل في قوله عز وجل {فيه آيات بيّنات} مشاهد تاريخية، حينما يقال لك : هنا ولد رسول الله ، هنا كانت دار فلان، هناك موقعة الأحزاب، هنا كانت الخندق، لولاأن أولئك القوم غيروا المعالم ولا ندري لماذا… فتحس إحساسا عجيبا وتقول : الآن أقف حيث كان رسول الله  يقف، أنا أقف حيث كان عمر واقفاً، وأبو بكر، ومصعب بن عمير، والزبير، وطلحة، رضي الله عنهم، مشاهد تاريخية تكاد تنطق، تكلمك، تقول لك : تأدّب، غضّ الطرف، استغفر ،تُبْ، إنك في مقام النبوة، وإنك في مقام الصحابة، وإنك في مقام التابعين، فتشعر بقشعريرة تنتابك حينما تقول : ربما مر من هنا علي بن أبي طالب، وأنا أيضا أمر من هنا، إذن أنا سعيد، أنا محظوظ حيث يسَّر الله لي أن أجلس حيث جلس فلان، أو أقف، ولعلك تحاول أن تشم رائحة من قبر الرسول  أو أبي بكر… أو الصحابة، هكذا الشوق، واللهفة، تدفعك إلى أمور لعل من رآك يحسبك مصاباً.. مشاهد تاريخية تذكر بمواقف المؤمنين، وأخرى تذكر بمواقف أبي جهل، والوليد بن المغيرة، وعتبة، وأمثال هؤلاء، وسترى بقية من أخلاق هؤلاء، سترى بقية من أخلاق بعض المكيين، وسترى بقية من أخلاق الصحابة في كثير من المدنيين.

> ماء زمزم آية ومعجزة :

أي عين يمكن أن نسقي بها 3 أو 4 ملايين حاج وكل يملأ ما شاء، ولم نسمع يوما أن زمزم نشفت أو نقصت أو أن الحجاج لم يجدوا ما يكفيهم من زمزم، هذه معجزة باقية إلى يوم القيامة.

> تجبى إلىه ثمرات كل شيء :

ومعجزة أخرى ستشاهدها ومما يدخل في قوله تعالى : {في آيات بينات} إنك الآن يمكن أن تجد هناك العنب والتين وأنواع مشمس طازجة وليست جافة، تجد هناك كل الصناعات، حتى لو سمح بالصناعات الثقيلة لوجدتها هناك، وهذا تحقيق لقول الله تعالى {تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} لكن يؤسفك أن تجد أغلب المنتوجات والمصنوعات أو كلها من صناعة غير المسلمين.

> كل الحجاج سواسية :

فأيام الحج لا تستطيع أن تقول هذا بطل رياضي، هذا مطرب، هذا فلاح، هذا صانع، هذا تاجر، الكل سواسية، ولا تستطيع أن تميز بين هذا وذاك. وهذه من آيات الله، فقد شاء الله عز وجل أن يتساوى الناس في الحج.

> كل الكون يعبد الله :

تحضرك وأحاسيس وخواطر حينما تنظر فوق الكعبة إلى السماء فتجد لون السماء لم يسبق لك أن رأيته في جهة أخرى، تنظر إلى الطيور فلا تجد طائراً ولا حمامة تقف على سطح الكعبة، وهذا شيء غريب، كأن هناك من يطوف في السماء، وهناك من يطوف في الأرض، تجد طيوراً حتى في الليل تطوف في السماء، تنظر إلى الأرض فتجد أمامك الأفواج والأمواج من الناس والكل يدعو بما شاء ويسأل ما شاء، حتى الجن المؤمن يطوف، والملائكة تطوف.

> استشعار عظمة الله وقدرته في إعطاء السائلين ودعوة الداعين :

كل يسأل مسألته ويطلب حاجته وهنا تبدو لك عظمة الله : أنت إذا جاءك شخصان ينطقان في وقت واحد ويطلبان منك شيئا فإنك ستطلب منهما أن يتكلم واحد تلو الآخر، أما هناك 3 ملايين حاج يدعون في وقت واحد، كل له طلبه، منهم من يطلب الشفاء من المرض، ومنهم من يطلب الولد، ومنهم من يطلب العلم، ومنهم من يطلب نصرة المسلمين، ومنهم من يدعو على الظالمين، والمرجو منكم أن تقدموا الدعاء للأمة قبل الدعاء لأنفسكم، نقول : هؤلاء 2 أو 4 ملايين كلهم بلسان واحد يلهجون، ويسألون الله عز وجل في وقت واحد ويعرف كل واحد منهم ماذا يطلب، الكون كله، بالنباتات، والحيوانات، بالجن، كلها تسأل الله، ولا تختلط عليه الأمور، سبحانه وتعالى.

> استحضار صفات الله العليا من جود وكرم وغنى :

أكبر غني في العالم، لا يقدر أن يطعم 4 ملايين شهرا كاملا وكل واحد يأكل ما يريد لكن الله يطعم كل هؤلاء {وهو يطعم ولا يطعم}، {قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين}، {ياأيها الناس أنتم الفقراء والله هو الغني..}.

> استحضار مواقف يوم القيامة :

مشاهد تذكرك بموقف يوم القيامة، حينما تكون في منى ترى كل واقف يسأل الله شبه الموقف يوم القيامة، هذا قصد عظيم يشاء الله عز وجل أن يجمع إليه مئات الآلاف والملايين في صعيد واحد، في لباس واحد، في يوم عرفة، إلا النساء اللواتي يبقون في لباسهن العادي، أما الرجال كل في اللباس الأبيض، في لباس الإحرام، ثم تنتقل من هذا المشهد إذا طلعت إلى جبل الرحمة ونظرت الآفاق تكاد تغيب عنك بالبشر، اسأل نفسك : إذا كان الله سبحانه سيحاسب فقط هؤلاء الناس الموجودين هنا فمتى سيأتي الدور على آخرهم خصوصا وأن الناس سيحاسبون فرادى، وحاول أن تكبر الصورة من آدم إلى يوم القيامة، ثم اقرأ معها {إن الله سريع الحساب} ولكن اقرأ أيضا {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}.

> عوامل التقارب والتعارف ومظاهر الوحدة والتكامل :

أيضا من مقاصد هذه العبادة عوامل التعارف والتقارب ومظاهر الوحدة والتكامل، تقول هذا أفغاني، هذا مغربي، هذا هندي.. هذا من إيرلندا… كيف سيتوحدون؟ عوامل الوحدة كثيرة : ربكم واحد، قبلتكم واحدة،نبيكم واحد، العبادة واحدة، الحج واحد، زكاة واحدة، هَمٌّ واحد، إذن لم تبق سوى اللغة مختلفة؟ وهذا ليس بمشكل {ومن آياته اختلاف ألسنتكم…} وسبحان الله، لا نفكر سوى في عوامل التفرقة، وهي قليلة بالمقارنة مع عوامل التقارب والتوحيد والتكامل، انظر إلى هذا الذي أتى من جنوب إفريقا، أو من أوربا، أو من الشرق، ربي وربه واحد، نبي ونبيه واحد، قبلتي وقبلته واحدة، وهذه العبادات التي نشترك فيها تؤدى بنفس الكيفية، هو ينادي ربه وأنا أنادي ربي، وربنا واحد، هو رب الناس جميعا، لا نطلب إلا الله، ولا نخاف إلا من غضب الله ومقته. إذن هذه عوامل التوحيد، لو كنا نعمل لحسابها، ونفكر فيها، ونستفيد منها، ونستغلها عوامل توحيد لكان المسلمون أمة قوية متينة.

> أسرار تعجز اللسان عن وصفها :

هناك أسرار أعجز عن وصفها وتوضيحها، إنكم ستذوقون في الحج حلاوة لا تستطيعون التعبير عنها، سوف تحسون بحلاوة وخشوع، وسوف تحسون بها كما تشعرون بالبرد، أو الدفئ في أبدانكم وعقولكم وأعصابكم، هذه الأحاسيس، وهذه المشاعر، وهذه الأحوال التي يصعب علي التعبير عنها أريد أن تنعكس آثاراً طيبة على حياتك هناك، وحينما ترجع إلى وطنك، حيث كان وطنك، لا تتركها هناك، أحضر معك الخيرات والبركات لكي يتمتع بها أولادك والجيران. هذه إخواني بعض المقاصد التي تتحقق هناك، في هذه العبادة، في تلك المواطن، سواء في مكة بيت الله الحرام، أو في منى، أو في عرفة، وكذلك في مسجد رسول الله ، وفي غير هذه المواقع، نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بهذه المقاصد وهذه الأهداف وهذه الغايات حتى نحرص على تحصيلها والانتفاع بها ثم حملها من أجل أن ننفع بها وننير بها ونهتدي بها وأستغفر الله.

د. محمد أبياط

أعدها للنشر : ذ. ادريس اليوبي

كلمة شارك بها د. محمد أبياط في ندوة علمية نظمتها جمعية العمل الا جتماعي والثقافي -فرع فاس الولاية بعنوان : “مقاصد الحج وآدابه” يوم السبت 2 دجنبر 2006 بدار القرآن عبد الله بن مسعود التابعة للجمعية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *