مـن تفسير سـورة الطـلاق


12- إقامة الشهادة لله تضمن حقوق الله عز وجل وحقوق الإنسان

{وأشهدوا ذوا عدل   منكم} ثم يقول الله تعالى {وأقيموا الشهادة لله} وهذا أمر إلى الأمة كلها لتحفظ هذا الحق، هذا حق لله عز وجل يجب على الأمة أن تحفظه عن طريق إقامة الشهادة.

فالله تعالى يدعونا إلى إقامة الشهادة بمعنى أن نؤديها على أقوم وجه وأفضل صورة تكفل ضمان حقوق الناس، فمن هو الذي يشهد؟.

الذي يشهد هو الذي له علم بالقضية، علم موضوع الشهادة، يعلم أن فلاناً وقع منه كذا وكذا فهو يشهد بناءاً على ما علم، ثم يؤدي ذلك بغير زيادة ولا نقصان، فإن فعل ذلك وتوقف عند حدود الإشهاد من غير زيادة أو نقصان فذلك هو الأداء الحقيقي للشهادة.

معنى هذا أن الله تعالى  حينما يطالبنا بالإقامة لشيء سواء كان الصلاة {وأقيموا الصلاة} أو الشهادة فالمراد بالإقامة : الإتيان بالصلاة أو الشهادة على أحسن وجه، وعلى وجهها الأقوم والأفضل والأحسن، بأن نزيل عنها كل الشوائب التي تجعلها مشوبة.

فالشاهد إذن لا يتصرف في شهادته، ولا يجوز له أن يتصرف فيها، كان عمر بن الخطاب ] يجادل أحد الصحابة ولعله أبو موسى في قضية رُؤية رجل يقيء خمراً فشهد هذا الصحابي عند عمر بأنه رآه يقيء خمراً ويقذفها من فمه فقال : أرأيته؟! كأنه يَسْأَلُه أَشَرِبَ الخمر؟! قال : لا، رأيتُه يقيء خمراً، وعمر يسأله هل رآه يشرب خمرا ليشهد عليه، قال : لا، إنما رأيته يقيء خمراً، فكأن عمر تعجّل فقال : ما قاءه إلا لأنه قد شربها، وكان عمر يرى أن هذا يكفي في إثبات الشرب عليه ليقام عليه  حد الشرب.

ومع ذلك فقد قال العلماء إن هذه الشهادة على هذا الوجه يمكن أن تضمن حق هذا الشارب، لأن الذي يشهد بأن هذا استقاء خمراً ويقف عند هذه الشهادة لا يجتهد، لأنه قد يكون أُرْغِمَ على شربها فهذا لا يُلزمه الحد، مثلاً نحن نراه قد استقاء خمرا فهذا لا يقام عليه الحد في الحقيقة، لأن الذي يقام عليه الحدُّ هو الذي نعلم أنه شرب الخمر طوعاً بمحض اختياره، وهذا ما لا تفيده هذه الشهادة أي الشهادة بأن الرجل يستقيء خمراً ليس فيها أبداً أنه شرب طوعاً أو كرهاً.

إذن من باب إقامة الشهادة إلغاءُ الاجتهادات، وإلغاء جميع الاعتبارات، فلا نشهد نكايةً في المشهود عليه، ولا نشهد ترضيةً للمشهود له، وهذه قضية مهمة جداً، أن تشهد لله أنك تؤدي فريضة الشهادة كصلاتك وصيامك فقط، لا مدخل للعاطفة في قضية الشهادة، فمن شهد على الإنسان بأنه فعل كذا وكذا وكذا نكايةً لأنه خَصْمٌ له فهذه الشهادة لا تؤدى لله، إنها شهادة توريط، يريد أن يورّطه، وأن يُقحمه، وأن يُفحمه، فلذلك هذه ليست شهادة لله.

ومثل النكاية أن ينبعث الإنسان بالشهادة إرضاءاً لشخص ما ودعماً له، لأنه حبيبه وقريبه، لا لأَنَّ هذا هو الحق، فهذا زُورٌ يبعث عليه فرْطُ حُبِّ الانتصار للقريب، هذه ليست شهادة لله.

إذن الشهادة تكون لله، فلا تكون لعصبيّة، هذا من بني فلان فنحن معه نشهد معه، هؤلاء هم الذين أضلّوا الأمة في الحقيقة، هذا يتعصب لقبيلته، وهذا يتعصب لحزبه، أو يزكيه لأنه من لونه، الألوان كما خلقها الله متساوية ليس للون مزية على لون آخر، إنما تُزَكي من تعلم أنه أهل لأن يُزكَّى فإن رأيتَ أن الرجلَ لا يصلُح لهذا الأمر وتزكِّيه انتصاراً لمذهبك فهذه ليست شهادة لله، وإنما هي انتصار للعصبية، والذي يأخذ الرشوة للشهادة لا يقيم الشهادة لله، ولا ينبغي للقاضي أن يقبل شهادته إذا ثَبت ذلك لديه بالدليل، أما المجهول الحال فإنّ القاضي يسأل عنه الناقد المتيقظ البصير المعروف في المدينة بالفضل، فيزكي القاضي بالسماع الشاهدَ، أو يزكيه بنصب مكَلَّف يستطلع أخبارَ الشاهد حيث يذهب إلى حيه، أو مدينته ليعرف ما يشتغل به، ويعرف أحواله بعد ذلك يطمئن، هل يقبل منه الشهادة  أو لا يقبلها، إذ يكتب عن الشاهد تقريراً عن حالته.

انظروا إلى حقوق الإنسان الحقيقية أين هي؟! إنها في المحافظة على حق الآخر.

إذن فالذي هو مجهول لابد أن نسأل عنه، ثم إن هذا الرجل إذا سُئل عنه إما أن يُعدّل فتُقبل شهادته، وإما أن يُجرّج فتُرفض شهادته.

بم يُجرح هذا الإنسان؟.

يُجرّح الإنسان بمعيار الدّين فليس لنا معيار آخر، ولا مقياس آخر، خارج الدين، فنقول إن هذا الإنسان فعل حراماً، أو ترك واجباً، هذا ما يجرّح به.

فعْلُ الحرام مثل الزنا أو شرب الخمر، أو الكذب، أو السرقة المتورِّط في فظائع، أو يُقرض النّاس بالرّبا أو  كل هذه الحالات لا تجعل الشاهد عدلا، أصحاب الحرام ليسوا عدولاً، ولا يصلحوا أن يكونوا حتى حرّاساً.

هذه هي المحافظة الصارمة على حقوق الإنسان، لا ينبغي أن  نبحث عن الكفاءة فقطولكن الكفاءة مع الأمانة فكم من أناس مخمرين زناة يجب أن يشطبوا من المسؤوليات، فهم الذين فعلوا الخيانات والفضائح، وهم الذين أَخَّروا الأمة، هم الذين رَهَنُوا مستقبل الأمة الإسلامية، هؤلاء الذين ليس لهم إيمان ولا دين وتُوضع بيدهم الآمانات الثقال، طبعا لا يمكنهم أن يأتوا بخير، إذن هؤلاء كلهم ليسوا أهلا لهذا الأمر، وطبعاً الذي يتورع عن هذه المحرمات ويبتعد عنها فهو الذي يصلح للشهادة وتحمُّل الأمانة.

د. مصطفى بنحمزة-رئيس المجلس العلمي بوجدة

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *