مرحلة الجهر بالدعوة


1- محاولة الالتفاف على الدعوة

بدء الجهر بالدّعوة العلنية العامة

قال ابن إسحاق : ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتُحدِّث به، ثم إن الله عزَّ وجلَّ أمر رسولَه  أن يصدع بما جاءه منه، وأن يباديَ الناسَ بأمره، وأن يدعوَ إليه؛ وكان بين ما أخفى رسولُ الله  أمرَه واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاثُ سنين -فيما بلغني- من مَبْعثه؛ ثم قال الله تعالى له : {فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ، وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}(الحجر : 94). وقال تعالى {وأَنْذِرْ عَشِيرتَكَ الأَقْرَبِينَ. واخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَبَعَكَ مِنَ المُومِنِين}(الشعراء : 214)، {واخْفِضْ جَنَاحَكَ للمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنّي أنَا النَّذِيرُ المُبِينُ}(الحجر:89).

فحاولت قريش الالتفاف على الدعوة :

أ- عن طريق المفاوضة :

قال ابن إسحاق : فلما بادى رسولُ الله  قَومه بالإسلام وصدَع به كما أمره الله، لم يبعد منه قُومه، ولم يردوا عليه -فيما بلغني- حتى ذكر آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا؛ فلمَّا فعل ذلك أعْظَمُوهُ ونَاكَرُوهُ، وأجمعوا خِلافَه وعداوتَه، إلا مَنْ عَصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليلٌ مستخفُون، وحَدِب على رسول الله  عمُّه أبو طالب، ومَنَعَهُ وقام دونه، ومضى رسولُ الله  مظهراً لأمره لا يرده عنه شيء. فلما رأت قريش أن رسول الله  لا يُعْتبهم مِنْ شيء أنكروه عليه، مِن فراقهم وعَيْب آلهتهم، ورأوا أن عمَّه أبا طالب قد حَدِب عليه، وقام دونه، فلم يُسْلمه لهم، مَشَى رجالٌ من أشراف قُريش إلى أبي طالب : عتبةُ وشَيْبة ابنا ربيعة بن عبد شَمْس، وأبو سفيان بن حَرْب، وأبو البَخْتَرَى، والأسْوَدُ بْنُ المطَّلب، وأبو جَهْلٍ، والوليدُ بْنُ المغيرة، ونَبِيهٌ ومنبِّهٌ ابنا الحَجَّاج، والعاصُ بْنُ وائِلٍ.

ب-  المفاوضة المبطّنة بالتهديد :

اجتَمعَ مَنْ مشى من الوَفدْ بأبي طالب. فقالوا : يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلَّل آباءنا؛ فإمَّا أن تَكفَّه عنَّا، وإما أن تخلِّي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نَحْنُ عليه من خِلاَفِهِ، فنَكْفِيكَهُ فقال لهم أبو طالب قَوْلاً رَفِيقاً، وردَّهُمْ ردّاً جميلا، فانصرفوا عنه.

استمرار رسول الله  في الدعوة،

واستمرار المفاوضة :

ومضى رسول الله  عَلَى مَا هُوَ عليه، يُظهر دين الله، ويدعو إليه، ثم شرى(1) الأمرُ بينه وبينهم حتى تباعَدَ الرجالُ وتضاغَنُوا، وأكثرت قُرَيشٌ ذِكْرَ رسولِ الله  بَيْنَهَا، فَتَذَامَرُوا(2) فِيهِ، وحضَّ بعضُهم بعضاً عليه، ثم إنهم مَشَوْا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا له : يا أبا طالب، إن لك سنَّا وشرفا ومَنْزِلَةً فِينا، وإنا قد اسْتَنْهَيْنَاكَ(3) من ابن أخيك فلم  تَنْهه عنَّا، وإنا والله لا نَصبر على هذا مِنْ شَتْم آبائنا، وتَسْفِيه أَحْلاَمِنَا، وعَيْب آلهتنا، حتى تكفَّه عنا، أو نُنازِلَهُ وإيَّاكَ في ذلك، حتى يَهْلك أحدُ الفريقين، -أوكما قالوا له- ثم انْصَرَفُوا عنه، فعَظُمَ عَلَى أبي طالب فراقُ قومه وعَداوتُهُمْ، ولم يَطِبْ نَفْساً بإِسْلاَمِ رسول الله  لَهُمْ ولا خِذْلانِهِ.

ضعف أبى طالب أمام الضغوط وثبات الرسول  على الدعوة :

قال ابن إسحاق : بسنده : إنّ قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة، بَعَثَ إلى رسول الله ، فقال له : يا ابن أخي، إن قَوْمَكَ قد جاءوني فقالوا لي كَذَا وكذا، لِلذِي كانوا قَالُوا لَهُ، فأبْقِ عليّ وعَلَى نَفْسِكَ، ولا تُحَمِّلني من الأمر ما لا أطيق؛ فظنّ رسول الله  أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيه بَدَاءٌ،(4) وأَنَّهُ خَاذِلُهُ ومُسْلِمُهُ، وأنهقد ضعُف عن نُصْرَتِهِ والقيامِ معه. فقال رسول الله  : يا عَمِّ، واللَّه لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ في يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَو أَهْلَكَ فيه، ما تركتُه. ثم استعْبَر رسول الله ، فبَكَى ثُمَّ قَامَ؛ فلما وَلَّى ناداه أبو طالب، فقال أقْبِل يا ابن أخي؛ فأقبل عليه رسولُ الله ، فقال : اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببتَ، فوالله لا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أبداً.

جـ- المفاوضة على الإتيان بالبدل عن الرسول  :

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبَى خذلان رسولِ الله  وإسْلاَمَهُ، وإِجْمَاعَهُ لفِراقِهم في ذلك وعَدَاوَتِهِمْ، مشَوْا إليه بعُمارة بن الوليد بن المُغيرة، فقالوا له -فيما بلغني- يا أبا طَالِبِ، هذا عُمارة ابن الوليد، أَنْهَدُ فَتىً في قريش وأجْمَلُهُ، فخُذْه فَلَكَ عَقْلُهوَنصْرُه، واتَّخِذْهُ وَلَداً فَهُوَ لَكَ، وأسْلِمْ إلينا ابنَ أخيك هذا، الذي قد خالف دينَك وَدِينَ آبائك، وفرّق جماعةَ قومك، وسفَّه أحلامَهُمْ، فَنَقْتُله، فانما هو رَجُلٌ بِرجُلٍ؛ فقال : والله لبئس ما تَسُومُونَنِي! أتُعطُونَنِي ابنَكُمْ أَغْذُوه لكُم، وأُعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبداً. فقال المُطْعم بن عديّ : والله يا أبا طالب لَقَدْ أنصَفَكَ قَوْمُك، وجهِدُوا على التَّخَلُّصِ مما تَكْرَهُهُ، فما أراك تريدُ أن تَقْبَلَ مِنْهُمْ شيئا؛ فقال أبو طالب للمُطعم : والله ما أنْصَفُوني، ولكنَّك قد أجمعتَ خِذْلاني ومُظاهَرَةَ القوم عليَّ، فاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ -أو كما قال- فحقبَ الأمر -اشتد- وحمِيَت الحربُ، وتَنَابَذَ القومُ وبَادَى بعضُهم بعضاً.

—–

1- شرى : كثر واشتَدَّ.

2- فتذامروا فيه : حض بعضهم بعضا على المعاداة.

3- استنهيناك : طلبنا منك أن تنهى ابن اخيك.

4- البَدَاءُ : الرأى الذي يظهر بعد ما كان خافيا.

تعقيبات وتوضيحات

1) عن ابن عباس ] قال : لما نزلت {وأنْذِرْ عَشِيرتَكَ الأقْرَبِين}(الشعراء : 214) صعد النبي على الصفا فجعل ينادي : يا بَني فهر، يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا.. فقال : أرأيتم لو أخْبرتُكم أن خيلا بالوادي تريد الإغارة عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟! قالوا : نعم. ما جرَّبْنا عليك إلا صِدْقا. قال : >فإِنّي نذيرٌ لكم بَيْن يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدِ< فقال أبو لهب : تبّاً لك سائر اليوم ألِهَذَا جَمَعْتنا؟! فنزلت : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ مَا أغْنَى عَنْهُ مَالُهُ ومَا كَسَبَ..}<(رواه مسلم).

وفي رواية للبخاري : نادَاهُمْ -قريشا- بطنا بطنا، وكان يقول لكل بطن : >أنْقِذُوا أنْفُسَكُم من النّار<  وكان يذكُر بعض الأفراد : >يَا صَفِيّة عَمّة مُحمّد أنْقِذِي نفْسَك من النّار، فإنِّي لاَ أمْلِكُ لكُم من اللَّه شَيْئاً<.

2) وفي رواية أخرى لما نزل قول الله تعالى {وأنْذِرْ عَشِيرَتَك} مكَث  في بيته نحو شهر حتّى ظنت عماتُه أنه مَرِيض فدخَلْن عليه يَعُدْنه، فقال لهن : >ما اشْتَكيتُ شيئاً لكنَّ اللّه أمَرَنِي بقوله : {وأنْذِرْ عَشِيرتك..} فأريدُ أن أجمع بني عبد المطلب لأدْعُوهُم إلى الله، فقُلْن له : ادْعُهُمْ، ولا تجعل عَبْدَ العُزى فيهم، يقصِدْن عمَّه أبا لهب. فجمعهم في دار أبي طالب، وكانوا نحو خمسة وأربعين فصنع لهم طعاما، شاةً مع مُدٍّ من البُرِّ وصَاعٍ من اللَّبَن، وعندما قُدِّمَتْ لهم الجَفْنَةُ، قال : >كُلُوا باسْمِ اللَّه< فأكَلُوا حتَّى شبعُوا، وشربوا حتّى نَهَلُوا وارتَوَوْا، وبقِي الطعام كما هُو، واللبَن كما هو، وكان الرجُل الواحِدُ منهم يأكُل الجدَعَة ويَشْرب العُسَّ من اللبن في مقعد واحِدٍ، فلما رأوا كفاية ذلك الطعام القليل، والشرابِ لهم بُهِتُوا وقهرَتْهم المعجزة.

وعندما أراد أن يتكلَّم بَدَأه أبو لهب بالكلام، فقال : ما رأينا سِحْراً كَسِحْر اليوم، تبّاً لك ألهذا جمعتنا؟! ما رأيْتُ أحداً جاء بَنِي أبيه وقومَه بأشَرَّ مما جئتهم به، فسكت رسول الله  ولم يتكلم في ذلك المجلس.

فلما كان الغد صنع لهم الطعام ودعاهم مرة أخرى، ثم قال : >إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبُن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحساناً، وبالسوء سواءًا، وإنّها لجَنَّةٌ أبداً، أوْ لنَارُ أبداً< فتكلم القوم كلاماً ليّنا، غير أبي لهب، فقالت له أُخْتُه صفية رضي الله عنها -أم الزبير بن العوم- : يا أخي، أيَحْسنُ بك خِذْلان ابن أخيك؟! فوالله مازال العلماء يُخبرون أنه يخْرُج مِنْ ضِئْضِئ -أصْل- بني عبد المطلب نبيٌّ، فهُو هُو، فقال أبو لهب : هذا والله الباطلُ والأماني وكلامُ النساءِ في الحِجَال -بيوت النوم- السيرة النبوية لأحمد بن زيني دحلان 197/1 – 200.

الــفــوائــد

1- البدء بالدعوة الخاصة ضروري لتكوين القواعد : لقد بدأ  الدّعْوة للإسلام بدعْوة مَنْ يثق بعقله وفطرته السليمة حتى لا يُوَاجَه بالجدال، أو الرفض من أوّل مرّة من لن  أصحاب النفوس المريضة.

وبالسرّيّة واختيار العقول النيّرة يَضْمن الداعيةُ الحكيم تكوين القواعد من الرجال الأعْلام المشهورين والمشهود لهم برجَاحة العقل وسلامة السلوك، حتى إذا ما جَهر  للعموم يكون هؤلاء السابقون دليلاً ماديّا محسوساً على عَدَم غرابة الدّعوة إلى الإسلام، بل هي دعْوة يقبَلُها العَقْلُ، ويستطيع الإنسانُ القابِلُ لها أن يُكيِّف سُلوكَه وفْقَها بدون صعوبة، هذا من جهة، ومن جِهة أخرى تضمن القواعِدُ الصُّلْبة حمايةَ الدّعوة مِن تطاوُل الفِكر السفيه عليها بالدّحْض والتشويه المُتَحامِل الذي يُولِّد التردُّد والارتياب.

2- الجهرُ بالدّعوة توضيحٌ للحق وإقامةٌ للحُجة : حيث إن الجهرُ بالدّعوة يكْفُل :

أ- توْضيحَ الحق للمقتنعين بالإسلام حتى يثبتوا عليه في كل الأحوال، أما الرافضون فتقامُ الحجَّة عليهم، حتى لا يجدوا عُذْراً أمام الله تعالى، يوم يقول لهم {يَاأَيُّها الذِين كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَومَ إنَّمَا تُجْزَوْنَ ما كُنْتُم تَعْمَلُون}(التحريم : 7) فالدّعوة في الحقيقة لا تتعدَّى تحْميل الإنسان مسؤوليّتَه بنفْسه ليختَار أيّ السّبِيلَيْن شاء، ولهذا كان  يُنادي على الأفراد والأقوام، ويقولُ لهم شيئا واحداً >لاَ أُغْنِي عنكم من اللَّهِ شَيْئاً، أنْقِذُوا أنْفُسَكُم من النّار، فَإِنِّي لا أمْلِكُ لكُم ضَرّاً ولا نَفْعاَ< وذلك هو التكريمُ الحقيقيُّ للإنسان حيثُ يُدْعَى إلى اخْتيار مستقبله ومصيره بنفسه، حتى لا يُلقي التّبِعة على أحَدٍ.

ب- كما يكفل الجهرُ بالدّعوة تسفيه الباطل : لأن طبيعة الإسلام إظهارُ الحق، والحق هو عبادة الله عز وجل بدون شريك، ولا يمكن التكلم عن الشريك حجراً أو بشراً بدون إظهار عجز الشريك، وإظهار سفاهة من يومن بالشريك العاجز. وهذا هو الذي كان يُثِير عصبيتهم لمعبوداتهم الباطلة، ومن هنا نشأ الصدام.

3- الإكرامُ وتقديمُ الطعام يفتح القلوب لتقبُّل الدّعوة :  ولذلك نجده  يصنع الطعام لعشيرته الأقربين قبل أن يفاتحهم بشأن الدّعوة لأن ذلك أدْعَي للأُلْفَة والقَبُول، أو التكفُّل بالنصرة والحماية على الأقل.

4- رفض المعاندين لا يدل على نقصان في كمال الإسلام ولكن يدل على سفاهة عقولهم : ولذلك كان رفض أبي لهب للإسلام من أول مرة يدُل على السفاهة التي كان معروفا بها وسط العشيرة، وأمثال هؤلاءِ السفهاء لا يُعْتد بآرائهم وعقولهم، لأن عقولهم محجوبةٌ بالهوى عن معرفة الحق والاهتداء به، ولذلك كان هؤلاء هم سبب الخراب والتدمير للعمران الإنساني في كل العصور.

ذ. المفضل فلواتي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *