قضايا المرأة بين الشرع والعقل


11- شـهـادة الـمـرأة

 

أما عن شهادة المرأة التي قررت الشريعة أنها على النصف من شهادة الرجل عملا بقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}(البقرة: 282) فإن الأمر لا يتعلق بأنوثتها كما قد يتوهم، وإنما بأهليتها واستعداداتها النفسية لموضوع الشهادة، ذلك أن هناك مسائل وقضايا لا علاقة وطيدة للمرأة بها غالبا كالشؤون المالية والتجارية والأسواق والجنايات، فعلى الرغم من أن مثل هذه الأمور قد تشارك المرأة فيها الرجل إلا أن علاقتها بها من حيث فطرتها وأهليتها وممارساتها لا تبلغ مستوى الرجل، حيث يصعب عليها فيها الإلمام الكامل بتفاصيلها وملابساتها حتى تكون شهادتها مستوفية للشروط التي تترتب عنها أحكام وتبعات، وهذا عكس القضايا التي تكون فيها المرأة كاملة الأهلية لصلتها بها وقربها منها كمسائل الرضاع والحضانة والنسب مما يغلب فيه أن تطلع عليه المرأة إطلاعا وثيقا حيث تكون شهادتها في مثل هذه الحالات أوثق من شهادة الرجل وتقبل قبولا تاما، بل تكون شهادتها وحدها نافذة ومقبولة تغني عن شهادة الرجال.

فإذا أضفنا إلى ما سبق عاطفية المرأة وتكوينها البيولوجي وما تمر به أحيانا من فترات وظروف ملازمة لأنوثتها وفطرتها وخاصة أثناء عادتها الشهرية حيث تكون شبه مريضة وقد ينحرف مزاجها وتضطرب أجهزتها وتصاب ببعض الارتباك مما قد يؤثر في شهادتها، تأكدنا بأن الآية الكريمة التي قررت حكما شرعيا له مبرراته، مازالت ولن تزال قائمة.

نعم إذا بدأ النساء يمارسن بعضا من الأعمال التي كانت مقصورة على الرجال وأصبحن يمتهنها بما يجعلهن ملمات بظروفها وملابساتها فإنه يمكن قبول شهادتها كالرجل إذ العبرة بالأهلية والمعايشة والقدرة على الإفادة والضبط بما يخدم عدالة القضايا.

وهذا الذي قلناه من أن الإسلام جعل شهادة المرأة على نصف شهادة الرجل مع توضيح أن العبرة في الشهادة هي الخبرة والأهلية والاستعدادات لا جنس الشاهد، وأن الأمر ليس جبلة ولا طبعا في كل النساء ولا أنه حتمي في كل الشهادات- إذا حملنا معنى قوله تعالى:”فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان” على الشهادة من حيث هي، أما إذا دققنا النظر في الأمر فإننا “سنجد أن ما تتحدث عنه آية سورة البقرة هو الإشهاد” الذي يقوم به صاحب الدين، للاستيثاق من الحفاظ على دينه، وليس عن “الشهادة” التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين… فالآية موجهة لصاحب الحق في الدين، وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع…بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كــــل صاحب حق -دين- ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدين.. وإنما توجهت بالنصح والإرشاد- فقط النصح والإرشاد- إلى دائن خاص، وفي حالات خاصة من الديون، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية.. فهو دين إلى أجل مسمى، ولابد من كتابته.. ولابد من عدالة الكتاب، ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة. ولا بد من إملاء الذي عليه الحق…وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل… والإشهاد لابد أن يكون من رجلين من المؤمنين .. أو رجل وامرأتين من المؤمنات.. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة.. ولا يصح امتناع الشهود عن الشهادة.. وليست هذه الشروط بمطلوبة في التجارة الحاضرة.. ولا في المبايعات”.

ولقد فقه هذه الحقيقة، حقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن “الإشهاد” في دين خاص، وليس عن “الشهادة”.. وأنها نصيحة وإرشاد لصاحب الدين ذي المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعا موجها إلى القاضي-الحاكم- في المنازعات، فقه ذلك العلماء المجتهدون.

ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة، وفصلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية (661-728هـ/1263-1328م) وتلميذه العلامة ابن القيم (691-751هـ/1292-1350م) من القدماء.

وقد أورد ابن القيم تفصيل ابن تيمية هذا تحت عنوان ( الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه).. فقال: “إن القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه، فقال تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يَاب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء}(البقرة: 282).. فأمرهم سبحانه، بحفظ حقوقهم بالكتاب، وأمر من عليه الحق أن يملي الكاتب، فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه، ثم أمر من له الحق أن يُشْهد على حقه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتان، ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها إذا طلبوا لذلك، ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة ألا يكتبوها، ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع، ثم أمرهم إذا كانوا على سفر، ولم يجدوا كاتبا، أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة”.

قلت -أي ابن القيم- : وليس في القرآن ما يقتضي أنه لا يحكم إلا بشاهدين، أو شاهد وامرأتين، فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلا عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول، واليمين المردودة، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات، لارجل معهن(1).

————

1 -التحرير الإسلامي بتصرف “د محمد عمارة- المسلم المعاصر: العدد 110- السنة 28.

ذ. عبد الحي عمور

رئيس المجلس العلمي بفاس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *