سـبل التخلق بمحبة الله تعالى


محبة الله تعالى

أفضل ما يتبع المرء سنن الأنبياء والرسل من قبل، حيث كانوا يسيرون على هدي من الوحي الذي أمرهم الله سبحانه وتعالى بالسير عليه، فكانت محبة الله عندهم أشرف ما في الحياة، لأنها روح الدين وقاعدته العظمى، قال سبحانه وتعالى :{إن الدين عند الله الإسلام}(آل عمران : 19). والإسلام هو الخضوع والانقياد وإسلام النفس والقلب والجوارح لأوامر الدين ونواهيه، ولهذا قال عز وجل : {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن}(النساء : 124). ولا يكون هذا الإخلاص إلا بحب الله تعالى، ولهذا كان سيدنا داوود عليه السلام يقول: >اللهم اجعل حبك وحب من يحبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي وحتى من الماء البارد< وطريق الأنبياء هو أفضل طريق لمحبة الله، قال عبد الله بن مسعود ]. >لا يقبل قول إلا بعمل ولا عمل إلا بنية ولا نية إلا بما جاءت به السنة<. {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}(آل عمران : 31). وهي أفضل طريق لبلوغ هذه الدرجة وبها يتحدد سلوك الفرد إذ هي التي يجب أن تكون وراء قلبه، لأن الأقوال والأعمال وحتى النوايا مصدرها القلب، فإذا كان القلب مرتبطاً بالشرع كان الإنسان بذلك مهتديا هاديا. وبهذا عد أنه محب لله عابد له. وهذا هو الهدف من خلق الإنسان، قال سبحانه : {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات : 56) لأن بالحب تتم الاستكانة إلى الشرع والطمأنينة إليه، ويتم الخضوع والاستسلام والطاعة الكاملة وهذا هو الإسلام. قال عز وجل. {فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسلميا}(النساء : 64). ولا يحدث ذلك إلا بمحبة الله التي هي أساس الإيمان. قال سبحانه وتعالى : {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله}(البقرة : 164). فهذا الحب لله هو غاية الطاعة لأنه سبحانه وتعالى لا يرضى لنا في محبته إلا أن تكون على درجة العبودية، فنحبه حب العبادة الذي لا يترك شيئا في القلب من الحب لغير الله. لأن الإيمان جوهره الحب لله وفي الله. وكمال الإيمان يتحقق بكمال الحب لله يقول عليه الصلاة والسلام : >من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان<(رواه أبو داود في سننه)،

وخلاصة القول في هذا، إن هذا الحب يقترن بالخوف من الله أولا، ومن عقابه وما يؤول إليه الإنسان في آخرته من شقاء وعذاب، وبالرجاء والثواب، رغبة في المنزلة العظمى التي ينالها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

فهذه المحبة تتأرجح بين الرغبة والرهبة وكلاهما منج وموصل إلى حسن الخاتمة والمآل.

سبل التخلق بمحبة الله تعالى

يقول الله سبحانه وتعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}(آل عمران : 31). فطاعة الرسول  هي الطريق الموصلة إلى محبة الله.

إن حب الله تعالى يتمثل في حب رسول الله ، لأنه المبعوث بالهدى، قال تعالى : {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}(الحشر : 7) وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله}(النساء : 79). وقوله سبحانه وتعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا}(النساء : 68). فالله سبحانه وتعالى يغدق العطاء على مطيع الرسول  بإدراجه ضمن الصفوة الممتازة من خلقه. وسنته  تشمل اتباع أقاويله وتقريراته وأفعاله وكل صفاته الخلقية، وهي أساس المعراج إلى محبة الله تعالى.

قال رسول الله  : >من أحب أن يحبه الله ورسوله. فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذي جاره<(حياة الصحابة: ج2، ص: 259). ولما سأل إمبراطور الروم رسوله عن كيفية تعامل أصحابه معه؟ أجاب ما رأيت قط ناسا يحبون نبيهم مثل ما رأيت هؤلاء الناس، وهذا أكبر دليل على تأسي الصحابة برسول الله  والتفاني في محبتهم له، لأنهم على علم يقين بأن ذلك هو الطريق الموصل إلى محبة الله تعالى ودونه لا تحقق هذه الدرجة، وقد ورد في سيرة ابن هشام عن أبي إسحاق أن زيدا بن الدثنة ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، أمية بن خلف، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له، يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي. قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس رحمهالله (السيرة النبوية ص: 43/172).

على قدر الطاعة تكون المحبة

إذا أراد الإنسان أن يشمله الله بالعناية والرعاية ويسلكه في عداد عباده المخلصين ويجعل نفسه ميالة للخير، عازفة عن الشر ويعينه على السمو إلى أقصى الغايات، ويرفع من قدره ويحفظه من كل سوء فما عليه إلا أن يتقرب إليه بما يحبه لأن من أجل ما يكسبه هذه الدرجة أداء الفرائض، لأنها من أفضل القربات إلى الله، إن هي أوتيت على وجهها الحقيقي والأكمل. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضـان<(رواه البخاري ومسلم). فهي أولى الأولويات في التقرب إلى الله وكسب رضاه ومحبته.

فهي التي تجعل الفرد في اتصال دائم ومستمر مع الخالق سبحانه، فهو على هذا في صلاته اليومية، وكذا في صيامه، وفي زكاته التي هي عبادة مالية يرجو بها التقرب إلى الله، وكذا حجه وأداء مناسكه، وجماع هذه العبادات هي الموجبة لمحبة الله ومرضاته،  وإهمالها يؤدي إلى غضب الله ومقته وانتقامه. وإذا ما أراد الإنسان محبة من الله تؤدي به إلى درجة الكرامة فلا ينبغي أن يكتفي بالفرائض، بل عليه أن يواضب على المزيد من طاعة الله، وذلك بالمحافظة على النوافل التي بها تجبر الفرائض وتسيج حتى لا تضيع وتضطرب ويلحقها النقصان والإهمال. فعن أبي هريرة أن رسول الله ، قال : >إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه<(رواه البخاري).

إذن فالمؤمن الصادق المحسن في عمله، المخلص لربه، لا يكتفي من طاعةالله بأداء الواجب والمفروض، ولكن لا بد أن يحرص على زيادة فرص التقرب، ويستغرق فيها دهرا حتى يصير عبدا ربانيا.

وإذا أحب الله عبدا شغله بذكره وطاعته، وحفظه من الشيطان، واستعمل أعضاءه في الطاعة وحبب إليه فعل الخيرات وكره إليه المعاصي، وكان ممن قال الله فيهم: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}(الحجرات : 7).

إن من علامات محبة الله للإنسان أن يوصل الثواب والخير إليه ويعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته ويوجه جوارحه كلها إلى حسن طاعته فلا تسمع أذنه ما يخل بوقار الإيمان، ولا تنظر عينه إلى ما حرم الله، ولا يقول لسانه إلا الحق، ولا تمشي رجلاه إلا إلى طاعة الله. يقول صاحب كتاب فتح الباري “… والمعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله منالإصغاء إلى اللهو بسمعه، والى النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله”.

حب المؤمنين

قال رسول الله  :>والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم<(رواه مسلم).

عن أبي كريمة المقداد بن معدي كرب ] عن النبي  قال: >إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه<(رواه أبو داود في سننه).

وعن أبي هريرة ] قال النبي  : >إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال أريد أخا لي في هذه القرية قال هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى قال: فإني رسول الله إليك، أخبرك بان الله قد أحبك كما أحببته فيه<(رواه مسلم).

وعن أنس ] أن رجلا كان عند النبي ، فمر رجل به فقال: يارسول الله إني أحب هذا. فقال له النبي  “أأعلمته” قال لا. قال: “أعلمه” فلحقه، فقال إني أحبك في الله تعالى فقال: أحبك الله الذي أحببتني له<(رواه أبو داود).

وعن معاذ بن جبل ] أن رسول الله ، أخذه بيده وقال: >يا معاذ، والله إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ: لا تدعن  في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك<(رواه البخاري).

وعن أبي إدريس الخولاني رحمة الله تعالى قال: >دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا وإذا الناس معه، فإذا اختلفنا في شيء، اسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل، هذا معاذ بن جبل ]، فلما كان من الغد، هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرت حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال، ألله؟ قلت لله، فقال: ألله؟ فقلت: لِلَّه، فأخذني بحبوة ردائي، فجذبني إليه، فقال أبشر، فإني سمعترسول الله  يقول: قال الله تعالى: “وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في، والمتباذلين في<(حديث صحيح رواه مالك في الموطأ).

فيتبين من خلال هذه الأحاديث النبوية الشريفة، أن حب المومنين من محبة الله ورسوله .

حب العلماء وأهل الصلاح والتقوى ومجالستهم

مما يزكي جانب المحبة في الله هو مجالسة العلماء وأهل الصلاح والتقوى، فذلك تزكية للنفوس في المحبة والارتقاء بها إلى محبة الله تعالى، لأن الله أثنى على العلماء في الكتاب العزيز فقال: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}(الزمر: 10)، وقال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر: 28)،  وقال  : >من يرد الله به خيرا يهده خليلا صالحا إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه<(أبو داود والترمذي). وقال كذلك: >المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل<(أبو داود). وقد حث الحق سبحانه وتعالى رسوله الكريم على مصاحبة وملازمةالصالحين الأخيار، فقال له: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}(الكهف 28).

ولما كانت هذه المجالسة تطهر النفوس، وتحملها على الميل لفعل الخيرات، والتعلق بأوامر الله ورسوله، كانت هي أفضل الأسباب الموصلة إلى التقرب إلى الله تعالى والسير على نهج حبيبه المصطفى  والعلماء درجاتهم عند الله عظيمة، عنهم يُؤْخذُ العلم وهو ميراث النبوة الأعظم، وبهم تعرف الأحكام، وبؤخذُ جواهر الفنون والعلوم، وبهذا تكون مجالستهم وصحبتهم أفضل معين على تقوية النفوس والقلوب والعقول لمحبة الله تعالى ورسوله الكريم.

من هذا يبدو أن أهم ما يجب شغل النفس الإنسانية به هو بحث الطرق الموصلة إلى محبة الله تعالى ورسوله الكريم.

ذ.مصطفى اشعايب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *