دَارْفُور وفلسطين والمكيال بمكيالين


الذي يتابع الأحداث التي تقع في فلسطين، لا يحتاج إلى جهد لكي يتأكّد بأن الشعب الفلسطيني يئن يوميا بالجراح المتخنة تحْت البيوت المدمرة والأشلاء الممزقة، وتحْت حِصَارٍ محكم عمّر شهوراً، بل وسنوات نتج عنه الجوع والأمراض والتشريد وغير ذلك من الويلات مما لا يعيشه أي شعب على الأرض في القرن الواحد والعشرين الميلادي، باستثناء الشعب العراقي..

ومنذ زمَنٍ بعيد وقيادات الشعب الفلسطيني تنادي بضرورة استقدام قوات دولية لحمياية الشعب الفلسطيني من بطش الاسرائليين، ولقد كان الرئيس الفلسطيني الراحل يلح كثيراً على هذا المطلب حتى بحَّ صوته، إلى أن انتقل إلى جوار ربه بعد حصار طويل توِّج بتسميمه للتخلُّص منه، ثم خفتت بعد ذلك هذه الدعوات، بعد أن أغلق المجتمع الدولي، وخاصة كُبَراءَه، آذانه عنها، رغم اعتراف هؤلاء الكبراء بتلك القيادات الفلسطينية واستقبالهم لها في المحافل الرسيمة.

وفي مقابل فلسطين يعيش السودان بأقاليمه الشاسعة المشتعلة وفي مقدمتها إقليم دارفور مآسي من نوع آخر، أقل ما يقال عنها إنها تحريض، وتشجيع على الفتنة الداخلية، وإذكاء لنار العصبية بين العرق العربي والعرق الافريقي وبين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى. وكل ذلك يجري ويصنع بأعين الكبراء إلى أن أُحْكِمَ الإخراج، فنَادَوا بأجمعهم بضرورة تدخل القوات الدولية باسم رَفْعِ المعاناة عن أهالي دارفور.

وللسائل أن يسأل هل معاناة أهل دارفور أكثر من معاناة الشعب الفلسطيني، هل تهدم منازل أهل دارفور، أو تحرق خيامهم، أو يُقْصَفون بالأسلحة المحرمة، والقنابل العنقودية، وهل قطعت أرزاقهم وحرموا من رواتبهم، وهل منعوا من السفر إلى الخارج والتنقل من مكان إلى مكان إلا بإذن مسبق؟! بالتأكيد لا، ومع ذلك يصر أكابر المجتمع الدولي على ضرورة استقدام القوات الدولية، رغم أن السودان يقول بملء فيه : لا، لا نحتاج إلى هذه القوات!!

إنه الكيل بمكيالين؛ ففي الوقت الذي بحّت فيه أصوات شعب بأكمله بضرورة حمايته من بطشش الصهاينتة لا نجد من يحرك ساكنا، نرى شعبا آخر يقول نحن باستطاعتنا أن نسير أمورنا بأيدينا، لكن كبراء القوم يقولون لهم : لا. نحن نضبط أمنكم ونحن نقوم اعوجاجكم، ونحن القادرين على حماية أقلياتكم، فياله من حيف ما بعده حيف.

د. عبد الرحيم بلحاج

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *