المشكل ليس في الحجاب أو اللحية وإنما في الكفاءة والأخلاق


رحم الله شهداءنا الأبرار الذين واجهوا الاستعمار قبل سقوط الأندلس وبعده ورحم أبطالنا الذين لم يستشهدوا في ميدان الجهاد إلا من أجل أن يعيشوا أحرارا في بلادهم، فلولا هؤلاء ما استقل المغرب ولا تحرر.. وقد كانوا يضحون بأنفسهم وبما يملكون ويتعرضون للأخطار دفاعا عن وطنهم وأمتهم ودينهم..

إن قادة جهادنا كان جلهم فقهاء وعلماء وأشرافا وآخر هؤلاء الشريف أمزيان والفقيه عبد العزيز أقضاض الرحموني، وقبلهم كان الفقيه محمد بن عبد الكريم الخطابي وعمه العظيم الفقيه سيدي عبد السلام الخطابي، والفقيه بو لحية الوكيلي، والفقيه القاضي بوداغية والفقيه الطالب الشاوني والطالب المفضل البناينو والشهيد الفقيه محمد مهدي الزياني والفقيه المجلاوي والشريف الخراز والشريف المكي الوزاني … وقد ضحى هؤلاء بالغالي والنفيس وعانوا ما عانوا في سبيل تحرير بلادهم في حين كان هناك خونة وعملاء يتآمرون على وطنهم ويمهدون للاستعمار حتى ينقض على بلادهم..

وما كان يجاهد أولئك إلا من أجل كرامة بلادهم وحفظ دينهم ولغتهم وأخلاقهم وحضارتهم.

حتى جاءت بعض الأجيال التي تنكرت لآمال هؤلاء الأبطال فأصبحوا يحاربون هذا الدين فحاصروا العلوم الإسلامية وقوضوا جامع القرويين التي بها كان يفتخر المغرب، وحاصروا العربية وفرنسوا الإدارة..

وقد أسندت لبعض المدخنين مسؤوليات تربوية وثقافية وتعليمية فحسبوا أن التقدم أن نكتب باليسار ونتكلم بالأعجمية وتعري المرأة جسدها ويتحرر الشباب من حيائهم ونتعامل بالربا وندخل الجحر الذي دخلوه. وها هي سبقتنا في التفرنج وابتعدت عن دينها ولغتها وتنكرت لتاريخها وأمجادها فلم تزدد في التخلف إلا انحطاطا حتى أصبحنا أضحوكة العالم بل نالنا من الذل والهوان والصغار ما لا يتحمله إلا من تمرس على العبودية واستمرأ حياة التبعية وفقد الشعور بإنسانيته وكرامته.

انظروا إلى الهند فرئيس وزرائهم بعمامة كبيرة اعتزازا بسيخيته ولكنه ممن وضع بلده على سكة التقدم والنهضة.. وانظروا إلى أولئك الذين يلبسون اللباس الفرنجي أحسن من الإفرنج أنفسهم ويتكلمون بلغتهم أبلغ منهم وشعوبهم لا تزداد إلا تأخرا وبلادهم تسجل كل يوم رقما مذهلا في التخلف وفي شتى مناحي حياتها..

إن الأمر يتعلق بتصور صحيح وسليم للنهضة وإيمان صادق وإدارة مؤهلة وذات كفاءة عالية وجدية في العمل وصبر عليه ونقاوة ضمير وطهارة يد واعتزاز بالوطن وبتاريخه وتقاليده الصالحة والتزام بإقامة عدالة صارمة ورحمة بالضعفاء واسعة واشتداد على الفساد والمفسدين ..

وعندما يوسد الأمر لأهله تختفي مظاهر التحزبات المقيتة والانحيازات للهوى الدنيء والتقليد الأعمى للنماذج الفاسدة وتخلو الساحة من القوارض السياسية وتتطهر الأرض ممن يمشي على بطنه وينساق بفرجهويفكر بمصرانه الغليظ ويزن الأمور بجهله ويظُنُّ التقدم في رطانة لسانه ونزع خرقة من رأس امرأة وتعرية صدرها وسيقانها وإغلاق مسجد وفتح مخمرة وحلق لحية وأكل بيسار ونهب بيمين وصل اللهم على سيدنا محمد الذي قال: >إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة<.

وبعد؛ ألا تتشام من مستقبل أي بلد ما يزال بعض قاداته يمشون على رؤوسهم ويفكرون بتفكير رجعي متخلف وما يزالون يعتقدون أن النهضة من السهولة بمكان فلا تحتاج إلا إلى تغيير لباس أو تقليد سطحي أو رطانة لسان أو تكديس سلع من الخارج أو تغيير شكلي خارجي أو حمل شهادات هي أشبه بلافتات أو مرقعات أو حروز لا تعبر إلا عن خواء في الروح وتعقيد في النفس وضحالة في الفكر.

أما آن الأوان أن تُجربوا الأيدي الموضئة والكفاءات العلمية المشهود لها والمستويات الإدارية الرفيعة وذوي الأنفس الأبية والتربية الوطنية الصادقة فإن لنا ثروات كبيرة من القيادات العظيمة لكنهم إما في بلاد الآخرين وإما في بلادهم على الهامش لا يؤبه بهم ولا يلتفت إلى كفاءاتهم بل إن الكثير منهم يكاد يموتون لما يشاهدون من مآسي وطامات في ميدان الإدارة والبحث العلمي والمناهج التربوية والإعلام والثقافة وآفاق التنمية . . .

إن مجرد ما أحرزناه من رتب في التنمية والفساد والتدبير الإداري وغير ذلك كان كافيا لحملنا على التغيير الجدي الهادف . .

إن الدنيا تتغير حولنا على الأحسن ونحن ما نزال جامدين معاندين مصرين إلى سلوك الطريق الخاطئ والتيه المدمر والتغيير المستمر لكن إلى الوراء والتقدم الحديث ولكن نحو الهاوية.

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *