الاتباع دليل الحب وطريق القرب :


{قُل انْ كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}

إن الناظر اليوم في حال العمل الدعوي الإسلامي يلحظ طول الأمد الذي حل بأهله، حيث بدأ خرق الوهن يتسع ويمتلك شغاف الأفئدة، وظهرت أعراض ذلك بادية في مناحي عديدة من حياتنا الإسلامية، فلا العبادات آمنة من مكر القلوب وتقلباتها، ولا المعاملات بريئة من حظوظ النفوس وأطماعها.. وكل ذلك ينذر بحالات من القلق الوجداني الذي لا يدع التوهج الإيماني يبسط جناحيه في فضاء دواخلنا ومشاعرها.

وإذا كان الإخلاص يصحح اتجاهات القلب، ويضمن تجرده من الأهواء الصغيرة، وكان الإحسان ينير جنباته بفاعلية المراقبة لله عز وجل، فالمحبة هي وقود ذلك كله. بها يتحقق انجذاب القلب إلى مولاه تألها ورغبة ورهبة في كل المطالب، فيطمئن بذكره وبها يتحقق اللهج بدعائه والرجوع إليه في الأمور الدينية والدنيوية الجليلة والحقيرة.. لأن من كان قلبه منيبا إلى الله فهو محب لله تعالى.

وحب الله عز وجل هو عمدة الحب لما سواه، مصداقا لقوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}(آل عمران: 31).

وهذه آية صادقة من كتاب الله يفتح الله علينا فيها باب حبه، ويرسم لنا فيها طريق قربه، ويرشدنا فيها إلى أسباب السعادة في الدنيا حيث الأمن والأمان، والسرور والاستقرار، والطمئنينة والهناء، كما يرشدنا فيها إلى أسباب السعادة في الآخرة حيث المغفرة التامة والرحمة الواسعة والفوز الدائم والرضوان العظيم.

إنها نعمة كبرى مفتاحها اتباع رسول الله والعمل بسنته، والاهتداء بهديه والسير على منهجه القويم. كيف لا يكون كذلك وقد عصمه الله من الخطأ والغلط، وحماه من الزيغ والشطط، ونزهه عن ارتكاب الذنوب والآثام، وجعله لأمته قائدا وإماما وزعيما ورائدا أمينا. يبصرها بالحق ويهديها إلى الرشد ويأخذ بيدها إلى مدارج العزة والكرامة، وطرق النجاة والسلامة، وقد تكفل الله تعالى بذلك كله لأصحاب رسوله وأحبائه وأنصاره ومتبعيه، قال عز وجل: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة والذين هم بآياتنا يومنون، الذين يتبعون الرسول النبيء الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون}(الأعراف:156- 157)

ويوم نَتبع رسولنا ونفهم كتابنا ونفقه ديننا، وننهج نهج أسلافنا الصالحين، يوم نكون كذلك، يوم يمنحنا الله تعالى قربه وينفحنا حبه، ويعطينا نصره ويولينا عونه ويذيقنا فضله ويهبنا توفيقه، ويكتب لنا تأييده ويسخر لنا جنده ويقينا غضبه ويبعد عنا شر الخصوم ومكايد الأعداء.

لقد وصف القرآن الكريم المؤمنين الحقيقيين بأوصاف كثيرة ونعتهم بنعوت عديدة، ما أبعدنا نحن اليوم عنها. وكان في مقدمة هذه الأوصاف وفي طليعة هذه النعوت أن المؤمنين إخوة أشقاء وأعزاء نبلاء وكرام أمجاد، يتعاونون في السراء والضراء، ويتآزرون في الشدة والرخاء، ويتحدون في النوازل والملمات… وصفهم بأنهم رحماء فيما بينهم، يقتسمون النعمة ويستبقون الخير ويتبادلون العواطف والأحاسيس. وصفهم بأنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وخشعت نفوسهم، واهتزت مشاعرهم وبكت عيونهم وخروا سجدا لله عز وجل وهم ضارعون… وصفهم بأنهم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهم مصدقون بأجره وجزائه وواثقون بخلفه وعوضه موقنون بما وعدهم الله به في الآخرة من جنات ونعيم.. وصفهم بأنهم يقومون الليل وإن كان طويلا، ويكابدون الصيام وإن كان ثقيلا، ويستغفرون الله بالأسحار وهم نادمون ويخرجون من أموالهم حقوق الفقراء والمساكين ابتغاء مرضاة الله تعالى. وصفهم بأنهم يمشون على الأرض هونا ولا يعبأون بجهل الجاهلين، ولا بإلحاد الملحدين ولا بجحود الكافرين المعاندين، ولا بمكر المنافقين لأنهم في سرهم وعلانيتهم مع الله. وصفهم بأنهم إذا أنفقوا لم يسرفوا، وإن تصدقوا لم يُعرفوا وإن أحسنوا لم يمنوا وإن جاهدوا لم يلتفتوا، وإن آثروا على أنفسهم لا يجدون لذلك غضاضة ولا إيلاما. وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور ولا يعرفون الفجور ولا يأتون المنكر ولا يفعلون القبيح. وصفهم بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويتلون في خشوع وخضوع كتاب الله ويقدرون في خوف وفزع لقاء الله عز وجل. وصفهم بأنهم لا تشغلهم الحياة الدنيا عن الآخرة، ولا تلهيهم الشهوات عن العبادة ولا يضلهم الهوى عن الحق، ولا يغرهم بالله الغرور. وصفهم بأنهم يعملون جهدهم على أن يصلوا أنفسهم بالله. فهو وحده غايتهم وقربه أملهم ورضاه مطلبهم، ورسوله إمامهم وكتابه دستورهم وبيته قبلتهم وأولياؤه قدوتهم ودينه منهجهم، وأعداؤه خصومهم، وصراطه المستقيم سبيلهم لا تزيغ عنه قلوبهم ولا تنحرف عنه نفوسهم ولا تزل عنه أقدامهم مهما كانت الفتن والمحن، ومهما كانت العواصف والقواصف.

كل هذه أوصاف كريمة للمؤمنين الحقيقيين جملهم بها الله تعالى وحلاهم بها الرسول  وزينهم بها الإسلام، وهذه الأوصاف وإن تعددت فإنها ترجع في جملتها إلى شيء واحد، هو حب الله تعالى والعمل على مرضاته والتضحية في سبيله حتى ولو بذل الإنسان في سبيل ذلك نفسه وجسمه وماله، وولده وأهله وذويه. فكل شيء ما عداه يهون والكل منه وإليه وله الحكم وإليه ترجعون.

فمحبة الله تعالى إذن هي المحور الذي يرتكز عليه الإسلام.. فهي مصدره الحقيقي، وينبوعه الرئيس، فإذا وجدت محبة الله تعالى وجد كل شيء، لا تؤلم معه طاعة وإن كانت عظيمة ولا توجع تضحية وإن كانت جسيمة، ولا يزعج تكليف وإنكان ثقيلا، فبقدر محبة الإنسان لله تكون طاعته له، وبقدر حب الإنسان لله تكون عبادته إياه.

فإذا جاء القرآن الكريم في ضوء هذه المحبة، ونادى بأعلى صوته عن الله المحبوب: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}(الأنفال: 24) فقد بذر بذوره في أرض سليمة خصبة، وخاطب أذنا سميعة مصغية، وكلف قلوبا عامرة بالإيمان، وسخر أعضاء أَشرق عليها نور الإسلام، فلا تجد في تكليفه غضاضة ولا تلمس في أمره مرارة، ولا ترى في طلبه عنفا ولا إعناتا. وهذا هو شأن المحبة وقانونها الطبيعي لكل زمان ومكان.

فمحبة الله عز وجل هي مبعث الحرارة، ومولد الشوق في قلب الإنسان. وهذا الوتر الرنان هو الذي ضربت عليه جميع الكتب السماوية، وحركه في قلب الإنسان جميع الأنبياء والمرسلين، ولولاه ما نجح نبي في دعوته ولا رسول في رسالته. أما من ادعى محبة الله بلسانه وفِعلُه فِعلُ العاصين المخالفين،فِعلُ الآثمين المذنبين.. فقد أحل بنفسه عذاب الله وسخطه وغضبه وانتقامه. وكان في الدنيا من الأشقياء التعساء، وفي الآخرة من الملعونين الخاسرين {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}(الكهف: 99) فمن شاء أن يحب الله حبا صادقا، ومن شاء أن يكون عند الله عز وجل بمنزلة الأولياء والصديقين فلينظر إلى ما كان عليه الرسول  في قوله وفعله، في كرمه وسخائه، في صدقه ووفائه، في زهده وقناعته، في مروءته وشجاعته… ثم ينهج نهجه في كل صفاته الحميدة، ويتصف بكل فضائله الرشيدة، ويسلك طريقه في فعل الخير واصطناع المعروف.. ومتى تخلق الإنسان بأخلاق رسول الله  ونهج نهجه فقد صدق في حبه لله تعالى. وحينئذ فليبشر بحب الله له وليبشر بتكفير سيئاته وليبشر بمضاعفة حسناته ورفع درجاته إلى منازل الأولياء والأصفياء، لأن من أحب قوما حشر معهم، والحبيب جار حبيبه في الجنة إن شاء الله تعالى، وهذا هو ما يفهم من قوله تعالى : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}.

فلا وصول إلى الله إلا باتباع الرسول، ولا نجاة لنا إلا باتباع سنته مهما كان في ذلك من تعب ومشقة، ومهما كان في ذلك من جهد وعناء. ومن أحب الورد تحمل مرارة شوكه، ومن اشتهى العسل صبر على وخزات نحله، ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر.

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله

لن تبلغ المجد حتى تلعق الصَّبِرا

فعلامة المحب التحملُ في سبيل الوصول إلى محبوبه والصبر حتى يصل إلى قربه ورضاه. ولقد روي عن آسية امرأة فرعون أنها كانت تكتم إيمانها بالله خوفا من فرعون… فلما اطلع على ذلك راودها أن تكفر بالله فأبت. وقالت: لا أرجع عن ذلك ولو بذلت لي ملكك بما فيه. فهددها بالعذاب، فقالت له: لا أرجع ولو كان دون ذلك الموت والسيوف، فشد وثاقها وآلم جسمها ووضع عليها الحجارة المحماة فقالت له: إنك قد غلبتني على نفسي أما قلبي فهو في عصمة ربي فمر عليها موسى وهي في أشد العذاب. وقال لها: ألك في حاجة يا آسية ؟ فقالت: يا موسى. أرضي ربي أم لا يزال غضبانا؟ فقال لها: يا آسية، ملائكة السماء في انتظارك، وهم أشد ما يكونون شوقا إليك، والله يباهي بك الملائكة في السماء، فسلي حاجتك من الله، فقالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله}(التحريم: 11).

وعندما يشعر المرء بوجود الله في كل شيء ويعيش في جو من أسمائه الحسنى، ويتابع نعمه الهامية في كل أفق، ويرى آثار عظمته على امتداد الأرض والسماء فهو محب لله تعالى. وعندما يرمق البشر في ضوء هذه العلاقة ويحس بقرابة نفسية وفكرية تشده إلى المؤمنين وتبغضه في الظلمة والمجانين فهو يحب في الله ويكره لله.

فالناس تقارب بينهم أو تباعد أسباب كثيرة مادية وأدبية، ومنازلهم عند الله بقدر حبهم له، وحبهم فيه. عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله قال: “دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا، وإذا الناس معه- فكأنه تساءل عنه- فقيل هذا معاذ بن جبل ] فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: ألِلَّه؟ فقلت: لله، فقال مرة أخرى: ألِلَّه؟ فقلت: لله، يريد أن يستيقن من أن الله سبحانه محورُ هذه العاطفة، قال أبو إدريس فأخذني بحبوة ردائي فجذبني إليه، فقال: أبشر فإني سمعت رسول الله  يقول: قال الله تعالى: >وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في<.

والله تبارك اسمه لا يمنح محبته إلا لأناس عرفوه حق معرفته وآثروه على كل منفعة، وتعاونوا على نصرة اسمه وإعلاء كلمته وإعزاز دينه وتقديم حقه على كل حق.

فلا يوجد أخس ولا أوضع من رجل يتملق لآخر لدنيا يصيبها أو يبتسم له لمصلحة يرجوها. فهذه صفقات رخيصة لا ثمن لها ولا وزن. أما الذين يهشُّون لرؤية مؤمن مجاهد ويتعصبون له إذا انفض النفعيون عنه، فهم المؤمنون حقا، الجديرون بحب الله ومثوبته. ولذلك قال الرسول  في وصف الأنصار >لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضبهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه<.

وجاء في الحديث القدسي قال الله تعالى : >المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء<(رواه الترمذي عن معاذ).

والحق أن الإسلام في نهضته الأولى قام على هذه العاطفة الشريفة الطهور، فلم تعرف الأرض أخوة أوثق ولا أعرق مما قام بين أصحاب رسول الله . ولم تعرف تآخيا في الله تعالى، وإعزازا للحق وتضحية في سبيله مثلما عُرف عن أصحاب محمد . وتأمل في قوله : >ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار<(متفق عليه).

فعندما يكون حب الله والحب فيه أساس السلوك فلن تنهزم عقيدة أو تخذل فضيلة أو تسقط للحق راية، ولكن عندما يكون حب الله آخر ما يفكر المرء فيه، فسيعربد الباطل في الأرض ولا يخشى شيئا. ولذلك قال الله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}(التوبة:24). إن الحُرَّاص على الحياة يفقدونها. ومن ثم قيل: اطلب الموت توهب لك الحياة.

وجسد الجماعة المؤمنة يكسب مناعته الصحية والحيوية، بهذا الحب الذي يؤلف بين الأرواح ويجمع القلوب. “فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”، والحرص على هذا الحب وعلى تنميته يزيد الجسد صلابة وقوة، وقد عرف عن النبي  أنه كان ينمي عاطفة الحب في الله، ويصل بين أطرافها لترسخ وتبقى.. فعن أنس ] أن رجلا كان جالسا عنده، فمر رجل آخر، فقال الرجل : يا رسول الله، إني أحب هذا، فقال له النبي  : “أأعلمته؟ قال: لا! قال: أعلمه! فلحقه فقال: إني أحبك في الله. فرد عليه قائلا: أحبك الذي أحببتني له”.

والحمد لله رب العالمين

د.عبد الحفيظ الهاشمي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *