{ومن يتوكَّل على الله فَهُو حَسْبُهُ}(الطلاق : 3)


 

حقيقة التوكل : إسْنَادُ الامور كُلِّها إلى مَنْ يُوثَقُ به ثقة  تامة لا شك فيها ولا ارتِيَاب، فالإنسان محتاج بَعْد نِعْمةِ الإيجاد إلى نعمة الإمْداد، من حياةٍ، ورزق وعِلم، وهداية وأمن، ورعاية، وتكليف بمسؤولية، وحساب عليها، وتَثْبيتٍ في المحن والشدائد، ونَصْر على المناوئين، إلى غير ذلك من أنواع نِعم الإمداد.

والذي يتكفل بكل الأمور الخفية والظاهرة، ويَسْتَقِلُّ بالقيام بها وحْده يُسَمَّى : “الوكيل” أي الكفيل، والوليّ، والمحامي، والمدافع، والناصر، والحافظ، والمثبِّت، والمؤمِّن من الفزع، والرَّاعي الامين الساهر باستمرار على توفير نِعَمَ الإمْداد بالنِّعم التي لا انقطاعَ لها في الحياتيْن.

وكيلٌ بهذه القدرة والإحاطة لا يمكن أن يكون من المخلوقات القاصرة علما وقدرة، والعاجزة علما وإدْراكاً وإحاطة،.. وإنما الوكيل الحقيقي هو الذي خَلَق الخلْق، لأن الذي خلق هو الذي يعلم احتياجات مخلوقاتِه ومقوماتِهم وحُسن مآلاتهم وعواقب أمورهم كلها.

والوَكَالَةُ بهذه المثابة لا يستحقُّها إلا “اللَّهُ” تعالى القادر على كل شيء.

1- لأنه سبحانه وتعالى بيده الملك كله وهو على كل شيء قدير {رَبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْه وَكِيلا}(المزمل : 8) {ولِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ ومَا في الأرض وكَفَى باللّهِ وكيلاً}(النساء : 131).

2- لأنه سبحانه وتعالى أحاط بكل شيء علما، يعلم الظواهر والخفايا ويعلم الماضي والحاضر والمستقبل {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطيف الخَبيرُ}(الملك)،  {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَاْ}(الأعراف : 89).

3- لأنه سبحانه وتعالى حيٌّ قيُّوم لا تعتريه شيخوخة ولا هَرَمٌ لا خَطَأٌ ولا نِسْيَان ولا مَرَض ولا عجْزٌ ولا  تعَبٌ، ولا إعياءٌ، ولا يَلْحَقُهُ عَدَمٌ أو فناءٌ {وتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الذي لاَ يَمُوتُ وسَبِّحْ بحَمْدِهِ وكَفَى بِه بِذُنوبِ عبَادِه خَبيراً}(الفرقان : 58)

4- لأنه سبحانه وتعالى هو الهادي وحْدَه لِطُرق الخير بالكتب والرسل، وبالتوفيق والسَّداد {ومَا لَناَ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَناَ}(إبراهيم : 12)  {وَمَا تَوْفيقِي إِلاَّ باللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنيبُ}(هود : 88).

5- لأنه سبحانه وتعالى الذي يتخَيَّرُ للإنسان -إذا استخاره- حُسْن المصير، وحُسْنَ العاقبة وحُسْنَ الإِبْرَامِ لكل المواثيق والعهود والاختيارات السياسية {فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحبُّ المتَوكِّلينَ}(آل عمران : 159).

6- لأنه سبحانه وتعالى أوجَبَ على نفسه نُصْرةَ من جَعَلَهُ وَكيلاً، {وكَانَ حَقاًّ عَلَيْنَا نَصْرُ المُومِنينَ}(الروم :9) {وإنَّ جُنْدَناَ لَهُم الغَالِبون}(الصافات : 173). {إِنْ يَنصُرْكُم اللَّهُ فَلاَ غَالبَ لَكُم وإنْ يَخْذُلْكُم فَمَنْ ذا الذِي يَنْصُرُكُم مِن بَعْده وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُومنُون}(آل عمران : 160) {ولَوْ قَاتَلَكُم الذين كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ ثمَّ لا َ يَجِدُونَ وَلِياًّ ولاَ نَصِيراً}(الفتح : 22)

7- لأنه سبحانه وتعالى الحافظ لعباده من كل تسلط إنساني أو شيطاني، والحامي لعباده من كل تآمر أو مَكْرٍ داخلي أو خارجي، محلي أو عالمي، مادّيٍّ أو معنويٍّ، سياسي او حضاري… {إِنَّ عبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ  سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وكيلاً}(الإسراء : 65)  {إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضعيفاً}(النساء : 76)  {وَ إِنْ تَصْبِرُوا وتتَّقُوا لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلونَ مُحيط}(آل عمران : 120).

هذه مجرد نماذج قليلة من نعم الله التي توجب على المومنين بالله تعالى خالقاً ورازقا وهاديا ومُحْيياً ومُميتاً أن يَجْعَلُوه ـ أيضا ـ وكيلهم وَوَلِيَّهُم، عن جدارة واستحقاق، وعن علم ودراية، وعن بصيرة ويقين. حتى لا يظن بعض العابثين بمصيرهم ومصائر العُمْي المغفَّلين من الناس، أن المسلمين سُذَّجٌ، أو بُلْهٌ، أو مُخَرِّفون، عندما يرونَهم يَجُوعون لتحيا مبادئهم، ويَموتون لتعيش رسالتهم، ويَفْنَوْن جسديا لتُخلَّدَ أرواحُهم!!!

إنهم عندما يفعلون ذلك، أو كُلَّ ذلك، أو بعض ذلك، إنما يفعلونه عن بينة وبصيرة، لأن مصلحتَهم الحقيقيَّةَ هي في الإيمان بالله، وهي في عبادة الله، وهي في طاعة الله، وهي في اتباع شرع الله، وهي في دعوة الناس إلى منهج الله الذي لا اعوجاج فيه ولا مَيَلان، كما يومنون بأن مصلحة الإنسان ـ كله ـ هي في هذا المنهج المستقيم الرحيم.

ويفعلون ذلك ـ أيضا ـ لأنهم يومنون إيمانا يقينيا بأن غير الله تعالى هو الهَوىَ البشريُّ المؤلَّه الذي لا يستقيم مع عقل أو بُرهان، وإنما هو تقلُّبٌ مع الأمزجة العبثيَّة يمينا أو يساراً، شرقا أو غرباً، وإنما هو تَفَلُّتٌ من الرقابة الربانية ذات الموازين الدَّقيقة الصحيحة التي تُخْرِسُ المتطاولين، وتُخْزي المعاندين.

فأي عقل يستطيع أن يهضم  مثل هذه المقولات؟! :

1- أن المرأة المتعرية مُطْلَقَة الحرية في العبث بجسمها والعبث بشهوات الآخرين ونوازعهم، أما المتستِّرة فلا حق لها لا في تغْطية رأسها، ولا في ستر مفاتن جسمها، ولا في تعلّم أو تعليم، أو توظُّف أو ترشح لأي منصب انتخابي أو استشاري أو إصلاحي ما دامت متمسكة بلباس العفاف والتقوى؟!

2- وأي عقل يستطيع أن يهضم أنَّ الديمقراطية للديمقراطيين الكافرين، أما المسلمون فلا حق لهم في الديمقراطية، لأنهم ـ على مذهب العبثيين ـ أعداء الديمقراطية، فإذا قدَّر الله ونجحوا في انتخاب ما، قامت الدنيا ولم تقعد.

3- وأي عقل يستطيع أن يَهْضمَ ان الأحزاب الكفرية معترَفٌ بها  بدون مناقشة ولا  مراجعة، أما من انْتمى للإسلام فلا حق له  لا في تأسيس حزب، ولا في تنظيم معارضة، ولا في الجهر بدعوة، ولا في مشاركة سياسية فعالة.

4- وأي عقل يستطيع أن يفهم ما يُطلق على المسلمين بأنهم يتخذون الدين وسيلة للوصول إلى الحكم، فمن أعطى الحقًَّ للكفر ليحتكر الحكم والسلطان؟! أي شرع، وأي قانون، وأي عُرْف يكرِّسُ السيادة والإشراف على التسيير والسياسة والحُكم لصنْفِ من الناس دون صنف آخر؟ هل هذه هي المساواة الحداثية؟ هل هذه هي الديمقراطية الحداثية؟ هل هذه هي حقوق الإنسان الحداثية؟ من أين استمدت الحداثة هذا الاحتكار؟! من هو رسول الحداثة وكتابُها المنزل من السماء الذي يُلزمُ الناس بهذا الحيف وهذا الاعوجاج؟!

5- من يصدِّق أن الشعوب الإسلامية التي تعمرُ المساجد عن طواعية واختيار؟! وتصوم رمضان عن طواعية واختيار؟! وتغض طرفها عن محارم الله عن طواعية واختيار؟! وتبكي لسماع القرآن والمواعظ، وتتهجد عن طواعية واختيار؟! وتهجر الفواحش عن طواعية واختيار؟! وتكره الكفر عن طواعية واختيار؟! من يُصَدِّق أن هذه الشعوب تخاف من إسلامها ودينها؟! لماذا؟  لأنه يحرم الاختلاط العاري؟! والسُّكر العلني الفاحش؟! والعُهر العلني المتوحش؟!

6- من يصدّق أن الخونة والعملاء الذين يضعون  أيديهم في أيدي الاستعمار لجلب الخراب والدمار للأوطان الإسلامية هم الوطنيون المخلصون، بينما المقاومون للاستعمار والدخلاء والخبثاء هم الأنذال الإرهابيون؟! وهم الأوغاد السفاحون؟ أما السفهاء المفسدون حقا فهم الأبرار الأطهار؟! من يقول هذا؟! ومن يصدق هذا؟! لا يصدق هذا إلا من يصدق أن الأرض فوقنا والسماء من تحتِنا، وأن الماء يَحْرق والنار تُرْوي؟.

7- من يصدِّقأن الإسلام بارتباطه بالله البر الرحيم، وارتباطه بالشريعة التي لم تأمر بشيء تمنى العقل أو الفطرة لو نهى عنه، ولم تَنْه عن شيء تمنَّى العقل أو الفطرة لو أمر به، هو سببُ التأخر؟!

من يصدق أن الإسلام بارتباطه بالمبادئ السامية التي تعتبر غاية في العدل والإحسان، وغاية في إحسان العلاقات الأخوية الداخلية، وغاية في التعايش بكرامة مع كل الأصناف، وغاية في الحث على فعل المعروف، والمسارعة إلى الكمال الإنساني… لا خوفا من أحد، ولا تزلفا لأحد، ولكن طلبا للأجر من عند الله الذي يوفِّي المحسنين أجورهم يوم يلقونه في الحياة الأخرى. من يصدق أن هذه المبادئ سبب التأخر؟

من يصدق أن الإسلام بهذا الكمال في السمو، وهذا الكمال في الطموح؟ وهذا الكمال في الكرامة هو سبب تخلف المسلمين؟ والكفر الذي هو اساسُ الرذيلة والظلم والفحش والبخل والجشع… هو سبب تقدم المسلمين؟!

فهل تعجز امرأةٌ مومنةٌٌ تقول لربها {ابْنِ لِي عِندكَ بَيْتاً في الجَنَّةِ ونجِّنِي من فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي من القَوْمِ الظّالِمِين}(التحريم : 11) عن أن تبْنِيَ أسرة مسلمة تُخْرِج الأبطال الذين يعمرون الأوطان بكل صنوف البناءات والعمارات والخيرات؟!

وهل تعجز الجماعةُ المومِنة التي تنشُدُ أثْناء بِناءِ مسجد المدينة :

>اللَّهُم لا عَيْشَ إلاَّ عَيْشُ الآخِرة

فَارْحَمْ اللَّهُمّ الأنْصَارَ والمُهَاجِرةْ

أو تنشد :

لَئِنْ قَعَدْنَا والنّبِيُّ يعْمَلُ

فَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ<

هل تعجز أمثال هذه الهِمَم عن بناءِ السدود والقناطر والمصانع والمعامل؟! ودور العجزةِ والأيتام؟!، ودُور العِلْم ومؤسسات البحث والابتكار؟! هل تعجز عن ذلك إذا وَجَدَتْ القائد الزاهد الأول؟! والعادل الأول؟! والمجتهد الأول؟! والتّقيَ الأول؟! والخائف الأول؟! والحريص الأول على المصلحة العامة؟!.

إن الذين نَالُوا شهادةالاستحقاق من رب العزة والرحمة والهداية، حيث قال لهم : {وألْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وكَانُوا أحَقَّ بِهَا وأهْلَها}(الفتح : 26)  ونَالُوا شَهَادَةَ التقدير ووِسَامَ الـــرضا من العزيز الحكيم حيث قال لهم : {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عنِ المُومِنين إذْ يُبَايِعُونَك تحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ علَيْهِمْ وأثَابَهُمْ فتْحاً قَرىباً ومَغَانِمَ كَثِيرةً ياخُذُونَها وكَان اللّه عزِيزاً حكيماً}(الفتح : 19) إن هؤلاء هم الذين علموا الدنيا معنى العزة؟! ومعنى الكرامة؟! ومعنى الحرية؟! ومعنى المساواة؟! ومعنى العدل؟! ومعنى التعايش والتحاور؟! ومعنى الحضارة الحقيقية؟! يوم كانوا متكلين على الله حق التوكل، ومُفَوِّضين الأمر كله لله، فكانوا بالتوكّل الفريد، والتصميم العنيد يُشْبهون مُومِن آل فرعون الناصح المخلص لنفسه ولقومه الذي قال لهم كلمة مدوية في مسمع التاريخ ومسمع الزمان ومضى لربه راضيا مرضيا {فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أمْرِيَ إلى اللَّهِ إنّ اللَّه بَصِيرٌ بالعِبَادْ} فماذا قال لهم؟ قال : {ويَا قَوْمِ مَالِيَ أدْعُوكُمُ إلى النّجَاةِ وتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ}(غافر : 41) فالخلاصة الملخّصة أن الإسلام يدعو للجنة والمغفرة والكفر يدعو للنار والشقاء.

والدعوة للجنة والمغفرة هي أمَلُ المستقبل، وضمان التقدم، لو تحرَّرَ قومُنا من الأنانية وعبادة الذات!! {ولَو أنَّ أهْلُ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِن السَّمَاءِ والأَرْض}(الأعراف : 95).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *