من المقاصد التربوية والحضارية لنظام صف الصلاة


من القواعد التي تحظى بإجماع أهل العلم؛ أن أحكام الشرع الحنيف منزهة عن العبث، وأنه ما من حكم من أحكام الشرع إلا وراءه من المصالح والمقاصد ما يحقق سعادة الإنسان في العاجل والآجل، وإنما اختلف العلماء في مدى قدرة العقل البشري على إدراك تلك الحكم، وعلى الوقوف على تلك المقاصد والأسرار، خصوصا في مجال ما لم يرد فيه نص.

وقد يكون للتشريع الواحد مقصد كلي عام يجمع عناصره وتصب فيه أركانه وواجباته وسننه، كما يكون له -في الآن ذاته- مقاصد جزئية خاصة تتعلق بكل ركن من أركانه أو بكل واجب أو سنة من واجباته أو سننه.

هذه الخاصية تنطبق على الصلاة، التي هي عماد الدين وأعظم العبادات، فإن لها مقصدا كليا عاما هو المذكور في قوله تعالى : {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}(العنكبوت : 45)، كما أن لكل فعل من أفعالها وكل قول من أقوالها مقاصد وأسرار أخرى.

على أن من أعظم أفعال الصلاة التي لا تتم إلا بها، أن تكون في جماعة، وأن تكون الجماعة فيها على شكل صفوف منتظمة متراصة، وقد أفاض العلماء في بيان مقاصد الجماعة في الصلاة، وفي ذكر ما يترتب عليها من حكم ومصالح، لكن أحداً منهم -حسب علمي- لم يفرد مقاصد الصف بالحديث، وهو ما نروم تسليط الضوء عليه في هذا المقال.

صورة  مصغرة للجماعة المسلمة

ولعل من أظهر مقاصد نظام الصف في الصلاة، أنه من أجلى الشعائر وأوضح المظاهر، التي تعكس صورة الجماعة المسلمة الموحدة، المتماسكة، والمنظمة الجماعة التي شبهها الرسول الكريم  بالجسد الواحد، وبالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ومن شأن هذا المشهد المهيب والمنظم والجذاب أن يمثل رسالة داخلية إلى المسلمين المصلين أنفسهم، يعرفهم بحقيقة الجماعة التي ينتمون إليها وينتظمون في عقدها، فيزدادون استمساكا بها وإقبالا عليها، كما يزدادون اقتناعا بصواب نهجها، وبسلامة مسلكها، واستقامة صراطها، كما يمثل رسالة خارجية إلى غير المنتمين إلى الجماعة المسلمة، يقدمها إليهم في صورتها الطبيعية الأصلية الرائعة، خالية من أي تنميق أو تزويق، فيعجبون بها ويسعون إلى الدخول فيها والانضمام إليها.

التحرير من الذاتية

وتنمية الحس الاجتماعي

ومن أهم مقاصد نظام الصف في الصلاة إضافة إلى المقصد الرمزي الشعائري الذي أتينا على ذكره، تحرير الإنسان المسلم من فردانيته، ومن تمركزه وتقوقعه حول ذاته، وتنمية حسه الاجتماعي، وذلك بتربيته على عقلية الجماعة، وعلى روح الانتماء إلى الجماعة، حتى يكون فردا اجتماعيا سويا يحس بمن حوله وما حوله، ويتفاعل مع محيطه ومجتمعه تفاعلا إيجابيا بناءا. ومن شأن هذا المقصد -إن هو فهم وتحقق- أن يخرج المسلم الاجتماعي الصالح، الذي يعي دوره في المجتمع، ويقوم به خير قيام، والذي يعرف أن انتماءهإلى الجماعة هو نوع من التعاقد مع الغير، تترتب عنه حقوق وواجبات، فيحرص على أداء ما عليه بقدر حرصه على أخذ ما هو له.

التربية على ثقافة الوحدة

وإذا كان المقصدان الفارطان من طبيعة تربوية فإن هناك مقصدا ثالثا لا يقل عنهما أهمية -وإن كان ذا طابع حضاري- ألا وهو تربية الأمة المسلمة على ثقافة الوحدة وعلى عقلية الانتظام والتماسك. ومعلوم أن الاتحاد والنظام شرطان ضروريان لأي نهضة أو تقدم، لأنهما يعبران عن أن المجتمع يسير سيرا واحدا منتظما في اتجاه هدف واحد وقبلة واحدة، بحيث يستحق هذا المجتمع أن يطلق عليه اسم “الأمة” باعتبارها في معناها الإسلامي العام : كل جماعة يجمعهم أمر يجعل منهم مجتمعا موحد القبلة والاتجاه(1). والأمة المسلمة التي يجمعها الاسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، ليس أمامها من خيار إلا أن تكون في موقع الخيرية والصدارة والوسط، الذي يجعلها في مستوى الشهادة علىالناس برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وإدراكا من أجيال الأمة الأولى لتلك المقاصد والأسرار، كان لهم حرص خاص واهتمام بالغ بإقامة وتسوية صفوف الصلاة، حتى أُثِرَ عن الفاروق عمر ] أنه كان إذا أَمَّ الناس في الصلاة، لم يكبر  تكبيرة الإحرام حتى يطوف بين الصفوف، للتأكد من أنها مستقيمة لا عوج فيها. وكان ] لا يتردد في استعمال عصاه في معاقبة كل  رِجْلٍ خرقت مبدأ إقامة الصف، وكانت سببا في تكوين صف أعوج. وليس في هذا الحرص الشديد من الإمام الفاروق دلالة على توانٍ أو تهاونٍ من مأموميه -رضي الله عنهم- في إقامة الصفوف، وإنما هو حرص الإمام المسؤول عن الجماعة، ينضاف إلى حرص المأمومين المسؤول كل منهم عن نفسه، فينشأ عن الحِرْصَيْنِ صفوف قيمة متراصة، تعكس صورة الجماعة المسلمة المنظمة والمتماسكة في أجلى وأجمل صورها.

أما اليوم، وقد اتسعت الهوة بين الأمة ودينها، وأظلمت صورةالإسلام الصحيح في عيون المسلمين، فقد بات ينظر إلى إقامة الصفوف على أنها مسألة ثانوية أو زائدة، لذلك لايجد المصلي حرجا في أن يقطع الصف، أو يتقدمه، أو يتخلف عنه، بل وصل الأمر عند البعض إلى حد الوقوف بعيدا عن الصف بعدة أمتار، أو الوقوف وحيدا خلف الصفوف جاهلا أو متجاهلا الوعيد الشديد الوارد في الحديث الصحيح : >ومن قطع صفا قطعه الله<(رواه أبو داود في سننه). والأدهى من ذلك أن ينظر إلى الحرص على إقامة الصفوف على أنها تزمت أو تشدد، وإلى من يفعل ذلك على أنه متشدد أو متزمت، ولا يخفى أن هذا جهل بأحكام الدين ومقاصده ما بعده جهل، وأمية ما بعدها أمية.

وختاماً، فإن الصلاة إذا كانت -عموما- هي مدرسة التقوى، فإن نظام الصف فيها خصوصا -هو مدرسة الوحدة- خاصة وأن جزءا مهما من أزماتنا الحضارية الشاملة يرجع فيما يرجع إليه إلى ما نعانيه من فرقة وشقاق على كل مستوى وصعيد.

ولن يقام لناصف سياسي، ولا صف اقتصادي، ولا صف اجتماعي، ولا صف فكري، ولا صف حضاري، ولا صف من أي نوع، مالم نتعلم نظام الصف في مدرسة الصلاة.

ولن تقام لنا وحدة سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو فكرية، أوحضارية، مالم نترب على عقلية الوحدة، وثقافة الوحدة، ونفسية الوحدة، في مدرسة الوحدة، التي يمثل صف الصلاة فصلا من أهم فصولها.

———

(1) من أطروحة مرقونة بعنوان : “مفهوم الأمة في القرآن الكريم والحديث الشريف” نلنا بها شهادة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الانسانية -جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس -المغرب.

د. عبد الكبير حميدي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *