صدأ القلوب(3)


نعم.. نتساءل بمرارة ونحن نرى مظاهر افتقاد الحب في علاقاتنا الإنسانية: أين نحن من الحب الذي فاض عن قدوتنا ومثلنا الأعلى محمد ، وسرى نديا في شرايين الأمة؟؟ لِمَ لَمْ نعد نستشعره ونتذوقه ونغترف منه لتليين قلوبنا وترطيب العلاقات بيننا كي تتخللها قيم التسامح والتجاوز والتناصح المؤدية إلى التآلف والتعايش؟؟ ألم  يجعل الله الحب في الله سببا للنجاة من النار ودخول الجنة، ففي الحديث الصحيح المتفق عليه في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله، منهم : >رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه<. ألم يقل  في حديث صحيح عن أبي هريرة ] : “إن من عباد الله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء والشهداء<، قيل : من هم لعلنا نحبهم؟ قال: >هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس<، ثم قرأ: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(يونس:62).

ألم يان للذين آمنوا أن يعلموا أن إيمانهم يفقد عناصر حيوية مسعفة على الإحياء والتوازن حين يهمشون دلالات الحب من حياتهم؟؟. إننا إذا حاولنا إحصاء النصوص الداعية إلى تفعيل معاني  الحب في حياة الإنسان نجدها لا تعد ولا تحصى، بل يمكن أن نجزم أنها تكاد تشمل كل مناحي الحياة ، ولعل هذا الحديث النبوي الشريف يضع معايير شاملة لبناء الإنسان الحضاري الذي يجعل من الحب قضيته الكبرى التي يعيش من أجلها في كل مراحل حياته, ويقف في سبيلها مواقف تصقل مشاعره وتذيقه الطعم الحقيقي للإيمان، يقول  : >ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار<. إن الحبنعمة من الله لا يجب التفريط فيها أو تمييعها أو تحريفها عن مسارها المفضي إلى الله عز وجل، نعمة تتوالد منها نعم كثيرة أبرزها نعم الوحدة والتآلف ابتداء من أصغر وحدة في المجتمع الأسرة مرورا بكل الوحدات الأخرى إلى أن تشمل الإنسانية جمعاء، لتصبح مدار حياة الإنسان  لا تخرج عن دائرتها الربانية، التي تذيق المسلم  طعما إيمانيا ينبع عنه سلوك عملي وأخلاقي يتميز به عن غيره، ويربطه بأصل الانبعاث الإسلامي في قوله  : >إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق<.

إن  الحب في الإسلام يسعى إلى غايات تحتضن الحياة الفردية والاجتماعية جميعاً، سواء من حيث هو تجربة وجدانية إنسانية، أو من حيث هو مفهوم كوني ورحم الله الأستاذ سعيد النورسي حين قال: “المحبة سبب وجود هذه الكائنات، والرابطة لأجزائها، وإنها نور الأكوان وحياتها”(الكلمات.410).

ودون أن ندخل في تجليات الحب المفترضة في حياتنا لأن ذلك يحتاج إلى وقفات وتفاصيل يكفي أن نتساءل : هل يتذكر الزوج أحيانا زوجته بثناء على مجهوداتها في إدارة البيت، أو يقدم لها هدية رمزية وكلمة دافئة تشعرها بحبه وتقديره؟؟ وهل تتذكر الزوجة في ظل ضغوط الحياة أن تمنح زوجها ابتسامة عذبة ولمسة حانية تخفف عنهما تلك الضغوط مهما كانت؟؟ وهل تفهم أن للزوج حقوقا يجب أن تؤديها قبل أن تطالبه بحقوقها لكي يتجدد تدفق نهر الحب بينهما ويعيشا حياة يملؤها الدفء والحنان؟ هل يحاولان نسيان تصيد الأخطاء لبعضهما البعض وتذوق الإنجازات الإيجابية في حياتهما مهما كانت بسيطة؟؟

هل يبني المسلم حياته مع غيره على أساس التعاون والتسامح والنصح والصفح، ويجعل ذلك من ضرورات بناء علاقاته الاجتماعية وتحقيق التوازن في صلاته الإنسانية؟؟ هل يستشعر المؤمن روح الإيمان الحي من المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه حتى إنه ليحيا معهم  وبهم. إن هذه الأسئلة وغيرهاقد تكون ميزانا نقيس به حرارة قلبنا، وحافزا على سلوك سبيل التحولات الإيمانية الكبرى، التي لا يقوى عليها إلاّ أصحاب الأرواح العظيمة المؤرقة، التي يقلقها ثقل المسؤولية التي شرفها الله تعالى بتقليدها. ولنا في رسول الله  أسوة حسنة تعلمنا كيف نعيش الحياة بحب، فهل نفعل؟؟..

دة.أم سلمى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *