الأصول الحاكمة للتجارة الرابحة في الإسلام


لقد سخر الله للإنسان كل شيء، وكرمه بالعقل وزوده بالعلم اللازم، وجعله مستخلفا في الأرض مكلفا بإعمارها وإصلاحها، قال تعالى : {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض}(فاطر : 39)، وقال عز وجل : {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين}(الأعراف : 84). وإذا كان الله عز وجل قد جعل التقوى أساس سعة الرزق كما في قوله تعالى : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب}(الطلاق : 2- 3)، فقد حث على الكسب  الحلال والضرب في الأرض من أجل استباق الخيرات وتحصيل المنافع وتيسير سبل العيش والابتغاء من فضله تعالى. قال عز وجل : {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}(الجمعة : 10)، وقال جل جلاله : {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..}(المزمل : 18).

وأحل بذلك الأرباح في التجارة بالبيع والشراء وحرم الربا، قال تعالى : {وأحل الله البيع وحرم الربا}(البقرة : 274). وحث الرسول  على عمل الرجل بيده وتشجيع الدخل الخاص، فعن أبي هريرة ] قال : قال النبي  : “لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير أن يسأل أحدا، فيعطيه أو يمنعه”(1)، وجعل أفضل الكسب كسب التجار، قال   : “إن أفضل الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا”(2).

ومن هذا المنطلق أحاط الإسلام التجارة والخروج إلى الأسواق بسياج متين من الأخلاق، ووضع له مجموعة من القيود انطلاقا من أصول عدة، فالتراضي أساس العقود عملا بقوله تعالى : {يا ايها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم…)(النساء : 29)، والوفاء عمودها الفقري استنادا إلى قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)(المائدة : 1)، وذروة سنامها الصدق والأمانة عملا بالحديث الشريف : “التاجر الصدوق الأمين مع النبيئين والصديقين والشهداء”(3)، وقد نص الفقهاء على أهمية البيع وحددوا الشروط الواجب توفرها في كل من البائع والمشتري، والثمن والمثمن، ونبهوا بالخصوص على الأحكام والشروط العامة التي يجب أن تتوفر في الشخص الذي يجلس في السوق من أجل التجارة، فقد نقل التسولي وغيره عن القباب قـــوله : “لا يجوز لإنسان ان يجلس في السوق حتى يتعلم أحكام البيع والشراء، فإن علم ذلك حينئذ فرض واجب عليه”.

وقد عالجت بعض كتب الأخلاق والآداب موضوع حسن التعامل بين الناس في السوق انطلاقا من حث القرآن الكريم على ابتغاء الرزق، ومن الأحاديث النبوية التي تحبذ التجارة بل والاقتداء بالرسول الكريم الذي كان مثالا للتاجر الصدوق الأمين(4)، الذي هم إلى إنشاء سوق إسلامية يتحرر فيها البائع والمشتري من قيود الاستغلال والاحتكار والربا والمعاملات المالية غير المشروعة.

والتجارة الرابحة في الاسلام تقوم على أسس متينة مستمدة من أصول ثابتة، ولتحقيق هذا الغرض لا بد من التحلي بصفات مميزة، والتخلي عن أخرى، وهذه بعض من أمثلة عدة لما يحث عليه الإسلام أو ينهى عنه وما قدمه للتجارة والتبادل والاسواق من قواعد إسلامية هي في أساسها قيم وقواعد أخلاقية مربحة لتجارة رابحة :

أولا : وجوب التسامح في البيع والشراء، ومبدأ التسامح قد يتخذ صورا متعددة سواء في المكان أو الزمان أو الأسلوب المتعامل به عن طريق البيع أو القبض أو التسليم أو التسلم، وهذا مبدأ مستمد من قوله  : “رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى”(5)، وعندك أفضل نموذج لتطبيق هذا المبدأ من خلال الرفق بالمدين المعسر عملا بالحديث الشريف عن أبي هريرة ] عن النبي  قال : “كان تاجر يداينالناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه : تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه”(6).

ثانيا : الابتعاد عن أساليب الإشهار والإعلانات التجارية المدلسة، والدعايات الكاذبة، والالتزام بالصدق والتبيين والتوضيح الحقيقي للسلعة من حيث الجودة والأثمنة والإقبال عليها في السوق، فالكذب والتدليس على المشتري ممنوع شرعا، عن أبي هريرة ] سمعت رسول الله  يقول : “الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة”(7).

ثالثا : البيان والتبيين : وأقصد بذلك الدقة في توفير المعلومات الصادقة من أجل حماية المستهلك، فنعم السلعة المبينة والرسول  يقول : “..فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما”(8). وعدم استغلال جهل المشتري بالأسعار وأحوال السوق والبيع بسعر أعلى أو سعر خيالي لما فيه من ضرر وغبن، وهـــذا منهي عنه بقوله  : “غبن المسترسل ربا”(9).

رابعا : عدم المغالاةفي أسعار السلع أو العكس لدرجة إغراق السوق أو إغراق الأسواق المحلية بمنتوجات أجنبية بسعر أقل من السعر المحلي وبمواصفات جد مغرية، ومن هذا بيع النجش وهو منهي عنه بحديث : عن ابن عمر ] قال : “نهى رسول الله  عن النجش”(10)، وقد ورد الأثر عن مثل هذا التعامل عن عمر بن الخطاب ] وذلك أن حاطبا بن أبي بلتعة كان يبيع زبيبا في السوق بثمن أقل من جميع التجار حتى ينسحبوا من السوق فقال له عمر بن الخطاب : “إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا”(11).

خامسا : عدم الترويج للسلع المسروقة أو المهربة، لما في ذلك من ضرر على المشتري وعلى الاقتصاد الوطني، فقد ورد النهي عن مثل هذا التصرف بما رواه أبو هريرة عن النبي  قال : “من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد أشرك في عارها إثمها”(12).

سادسا : ضبط المقاييس والمكاييل والأوزان، فالوفاء في تسليم الصفقة كاملة على حسب الاتفاق وبالمعايير الشرعية أساس التعامل الصحيح امتثالا للأمر الإلاهي : {و أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم}(هود : 84).

سابعا : الحرص على احترام بيع وشراء الآخر، وعدم التعرض له بأي شكل من الأشكال أو الاستحواذ على سلعة في طور البيع من أجل إعادة بيعها بثمن آخر، وقد ورد النهي عن بيع الرجل على  بيع أخيه، فعن عبد الله بن عمر ] أن رسول الله  قال : “لا يبع بعضكم على بيع أخيه”(13)، ومن هذا الباب الترويج لمنتوج على حساب منتوج آخر أو أن منتوجات شركة كذا مدة صلاحيتها تدوم أكثر من منتوجات شركة أخرى، أو القول صراحة اشتر سلعتي مع المدح المبالغ فيه واعرض عن بضاعة فلان مع تعداد عيوبها.

ثامنا : الابتعاد عن الغش، والغش في التجارة من أكثر أصناف الغش رواجا وتداولا، طرقه متعددة وحيله متشعبة، وقد ورد النهي عن الغش وأعطي الخيار للمشتري في الرد بصريح الحديث : عن أبي هريرة ]  عن النبي  قال : “لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها فإن شاء  أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر”(14)، والغاش منبوذ عملا بقوله  : >من غشنا فليس منا<(15). وقد طرح عمر بن الخطاب ] في الأرض لبنا غش أدبا لصاحبه، لأن إجازة شرائه إجازة لغشه وإفساد لأسواق المسلمين(16).

تاسعا : عدم احتكار السلعة رصدا للأسواق وانتظار ارتفاع الأثمان من أجل التحكم أو التلاعب بأسعارها، وهذا فيه ضرر كبير على الاقتصاد، والاحتكار ممنوع، والرسول  يقول : “لا يحتكر إلا خاطئ”(17)، وضرورة فتح الباب أمام المنافسة التجارية الشريفة ليعم الخير الافراد والجماعات على حد سواء، ويعم الرخاء البلاد والعباد، وإعمال القاعدة الشرعية “لاضرر ولا ضرار”(18) كأهم القواعد التي تحكم معيار الأخلاق والعقيدة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مجال استثمار المال في الإسلام.

عاشرا : عدم المتاجرة في الممنوعات والمحرمات، كالخمرمثلا، وقد ورد النهي صراحة عن هذا في أحاديث عدة منها حديث عائشة ] قالت : لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها خرج النبي  فقال : “حرمت التجارة في الخمر”(19)، وحديث جابر بن عبد الله ] أنه سمع رسول الله  يقول عام الفتح وهو بمكة : “إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة…”(20). وقس على الخمر غير ذلك وكل ذلك.

حادي عشر : احترام الزمان المخصص للتجارة امتثالا للأمر الإلاهي : {فإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا لذكر الله وذروا البيع..}(الجمعة : 10)، وكذلك احترام وقت الدخول إلى الأسواق لعرض السلع عملا بــــــالأمر النبوي  : “لاتكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا  آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان ولها ينصب رايته”(21).

ثاني عشر : الحرص على بيع وشراء الآخر باحترام وصول السلع إلى المركز المتعارف عليه مكانا للبيع والشراء وعدم تلقيهاحتى تنزل الأسواق مراعاة لنفع البائع وانتفاع أهل السوق، وقد ورد النهي عن تلقي الركبان بحديث ابن عباس ] قال : قال رسول الله  “لا تلقوا الركبان، ولايبع حاضر لباد…”(22)، وعن عبد الله بن عمر ] أن رسول اللهقــال : “لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا  تلقوا السلع حتى يهبط بها على السوق”(23).

ثالث عشر : احترام معايير الجودة المعمول بها، وترك الخداع في مواصفات السلعة من أجل التدليس على المشتري، لأن ذلك من قبيل بيع الغرر المبطل للصفقة، وبيع الغرر منهي عنه.

رابع عشر : التنزيه عن الاقتراض بالربا، والربا لا يحل قليله ولا كثيره، ولا  ضرورة تبيحه، قال تعالى : {وأحل الله البيع وحرم الربا}(البقرة : 274).

خامس عشر : إخراج الزكاة عن المال وعن عروض التجارة وأداء حقوق الله تعالى المتعلقة بها، وهذه هي الغاية المنشودة وأساس الربح وسبيل نماء الأموال وخاتمة التجارة الرابحة في الإسلام : “ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها من نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين الف سنة”(24).

وأمر الجماعات والشركات نظير الأفراد في جميع ما ذكر، وما ينطبق على هؤلاء ينطبق على أولئك.

وأخيرا نرجو أن نكون ممن يصدق فيهم قول الله تعالى : {رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}(النور : 37)، لا ممن يصدق فيهم قوله تعالى : {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما}(الجمعة : 11)، وإن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلامن اتقى الله وبر وصدق(25).

——

1- أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب : كسب الرجل وعمله بيده، رقم 2074.

2- الترغيب والترهيب، للمنذري، كتاب البيوع، باب : ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف، 2/582 ط دار الفكر.

3- أخرجه الترميذي، كتاب البيوع، باب : ما جاء في التجار وتسميته إياهم، رقم : 1213.

4- والدليل على هذا ما رواه ابن هشام في سيرته أن خديجة بنت خويلد كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا وتعطيه  أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام (السيرة النبوية، لابن هشام، قدم لها وعلق عليها : طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، ط 1975, 1/171-172

5- اخرجه البخاري، كتا البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع.. رقم : 2076

6- أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب :من أنظر معسرا.. رقم : 2078

7- أخرجه البخاري، كتاب البيوع،باب : يمحق الله الربا.. رقم : 2087

وأخرجه مسلم، كتاب البيوع، باب : النهي عن الحلف في البيع، رقم 1606. بلفظ : “الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح”

8- أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب : ما يمحق الكذب والكتمان في البيع، رقم 2082

9- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، عن مالك عن الزهري عن أنس بن مالك، كتاب البيوع، باب : ما ورد في غبن المسترسل

10- أخرجه البخاري : كتاب البيوع، باب : النجش ومن قال لا يجوز ذلك البيع، رقم : 2035

11- أورده الإمام مالك في الموطأ، كتاب البيوع باب : الحكرة والتربص، رقم 57، ص : 505

12- أخرجه الحاكم في امستدرك 2/35 وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب البيوع، باب : كراهية مبايعة ماله من الربا أوثمن المحرم.

13- أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب : لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن أو يترك، رقم 2139

14- أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب : النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة، رقم : 2148

15- رواه مسلم في كتاب الأيمان، باب : قوله  من غشنا فليس منا، رقم : 2101

16- المدونة الكبرى، كتاب الصرف، باب الدراهم الجياد بالدراهم الرديئة، 3/1501، ط، دار الفكر، 1419 هـ ـ 1998م

17- أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، باب ـ تحريم الاحتكار في الأقوات، رقم 160.

18- هذه القاعدة أصلها حديث شريف أخرجه ابن ماجة في كتاب الأحكام، باب : من بنى في حقه ما يضر بجاره، رقم : 2340.

19- اخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب : تحريم التجارة في الخمر رقم 2226

20- جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب : بيع الميتة والأصنام، رقم 223

21- أخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب فضائل أم سلمة أم المؤمنين رقم 4489

22- أخرجه البخاري، كتاب البيوع  باب : هل يبيع حاضر لباد بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه، رقم : 2158 وأخرجه مسلم، كتاب البيوع باب : تحريم بيع الحاضر للباد، رقم : 1521

23- اخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب : النهي عن تلقي الركبان، رقم 2165

24- أخرجه مسلم كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم 987

25- أخرجه ابن ماجة، كتاب التجارات، باب التوقي في التجارة، رقم : 2146

والترميذي، كتاب البيوع، باب : ماجاء في التجار وتسمية النبي إياهم، رقم 121، وقال حديث حسن صحيح.

ذة.نجية أقجوج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *