{إن الله يأمر بالعدل والإحسان}(النحل : 90)


ورد في تفسير القرطبي، عند تفسيره للآية 90 من سورة النحل : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}.

قال ابن مسعود : “هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب”.

فما هو العدل؟ وما هو الإحسان؟ قال علي بن أبي طالب ] : “العدل هو الإنصاف والإحسان هو التفضل” وقيل : العدل الفرض، والإحسان النافلة، وقال ابن عطية : “العدل هو كل مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم، وإعطاء الحق، والإحسان هو فعل كل مندوب إليه”. وقال ابن العربي : “العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى، على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، أما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها، وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل وكثر والإنصاف لهم بكل وجه” (القرطبي ج 10 ص : 165- 166).

والإحسان وضحه الرسول[ في حديث جبريل المشهور بقوله : “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”(مسلم). والله تعالى يقول : {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}(الشعراء : 217- 218).

والإحسان كذلك هو إتقان العمل أو العبادة وأداؤها على أكمل وجه، وهو أيضا طهارةٌ للقلب، وتزكيةٌ للنفس وخضوعٌ وطاعةٌ لله عز وجل في السر والعلن. وديننا الحنيف حينما يأمر بالعدل والإحسان، فإنما يرد الشيء إلى أصله، ويعود بحقوق الإنسان الطبيعية إلى  ما فيه خير مجتمعنا وثباته وبقاؤه، فالدين الإسلامي يؤكد بهذه الآية الكريمة وبآيات أخرى  كثيرة حق الإنسان في الحياة الحرة العادلة. وقد آن للعدل الحق أن تقام موازينه، ويحل الإنصاف محل الغبن والاستغلال، وبهذه الروح السمحة المنصفة : روح الإسلام المنزل من عند الله، وجب علينا أن ندرك أن الثواب والعقاب في الدين، هو فرصة متكافئة لكل إنسان. وأن كل إنسان يبدأ حياته أمام خالقه بصفحة بيضاء، يخط فيها أعماله باختياره الحر، وأن ديننا الحنيف  لا يرضى بطبقية تورث عقاب الفقر والجهل والمرض لغالبية الناس، وتحتكر ثواب الخير لقلة منهم. إن الإسلام عاصم بتشريعاته وتوصياته وأوامره بكل ما فيه من خير للفرد ورفاهيته، فالفرد الجاهل لا يكون صالحا ولا مصلحا وهو جاهل وكذلك الفرد المريض والفقير فإننا لا نجعلهما في عداد الصالحين والمصلحين أيضا إذا غاب عندهما الإيمان واستحوذ عليهما الشيطان،  والرسول  يقول : “اللهم إني أعوذ بك من الفقر، وأعوذ بك من القلة والذلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أُظلم”(النسائي). وعن علي ] قال : “لو كان الفقر رجلا لقتلته” فالفقر حقل خصب للشيطان، والحاجة تولد النقمة، وبها تبدأ حلقات الجريمة تحيط بالمجتمع إحاطة يائسة لا سبيل لعلاجها، أو التغلب عليها، ما لم ترد الأمور إلى طبيعتها، ونقرر ونفرض طريق العدل والكفاية، ومجتمعنا الذي يعاني من ذلك كله لم يعد له مكان بين أمم الأرض اليوم  إلا بإقرار العدل والكفاية، لأن الكفاية هي إنصاف أهل الحاجة والفقر، والعدل هو حق مقدس لكل مواطن فرد في هذه الأمة.

لا بد لإقرار أوامر الله تعالى، بما أنزل علينا رحمة بنا، أن نعود لقوله تعالى : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} فأوامره جل شأنه، واضحة قاطعة حاسمة. جاء العدل في الآية مسبوقا بأن الله أمر به، والمأمور به هنا لا يعني إلا الطاعة من المخلوق، بقدر طاقته في تنفيذ وترسيخ العدل، بقدر ما ينعم به المجتمع من استقرار ورغد وعيش.

لكن العدل في مدلوله الحديث تعقدت مفاهيمه وتشعبت، وقد ظهرت في مجتمعنا طائفتان : أولاهما من يؤرقهم الشوق إلى العدل، وثانيهما من يحرقهم الخوف من العدل، فكان لزاما أن تنبعث من أعماق فطرتنا المسلمة المؤمنة، نداءات تنقض أنقاض الظلم لتبدأ في تشييد ميزانوقواعد جديدة للعدل، لنسف أصنام الظلم، حيث أمر الله تعالى بالعدل والإحسان لا ولن يتأتى ـ وقد طغت أقلية ميسر لها على أكثرية ساحقة مسحوقة ـ إلا بإيجاد من يفرض التكافل والعدل بين الناس، لا فرق بين زيد وعمرو، الكل سواسية قال تعالى : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات : 13). وهذا نداء من الله تعالى  لكل مسلم مؤمن بأن مبدأ المساواة منشئ للقيم، وباعث للمثل، وتقويم العلاقات، وتهدف مثل هذه الآية إلى وضع وإرساء القواعد الثابتة لإقامة روح العدل، وإذابة الفوارق الطبقية في المجتمع، والمجتمع إذا استقام أمره بوحي من شريعة الله وسنة رسوله، طهرت جوانبه من جذور الظلم والفساد، فعلى  علماء الأمة الربانيين أن يعملوا على بعث النهضة في نفوس الناس، لأن الجهل فُرض على الأغلبية العظمى  من الشعب تحت ضغط الفقر والحاجة وانعدام العدل.

جاء الإسلام من أجل سعادة الفرد والجماعة، سعادة الفرد باعتباره لبنة في بناء المجتمع، وسعادة المجتمع باعتباره مجموعة أفراد، فكل ما يؤدي إلى سعادة الفرد واستقراره أو إلى إصلاح الجماعة وتقدمها دعا إليه الدين الإسلامي وحث عليه. فالإسلام ليس غريبا على العدل، والعدل ليس غريبا على  الإسلام.

ومن تدبر الاسلام ورعى تشريعه، يَجِد أنه وضع من المبادئ والأسس ما يحقق تطبيق العدل تطبيقا تاما في إطار الإسلام. والله تعالى جعل إقرار العدل بين الناس هو الهدف من بعث الرسل وإنزال الشرائع والأحكام. قال تعالى : {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}(الحديد : 24)، وأمر بالعدل المسؤولين {وإذَا حكمتُم بين النّاس أن تَحْكُموا بالعدل}(النساء : 57) كما أمر بمراعاة قواعد العدل حتى مع الأعداء {ولا يَجْرمنّكم شنئانُ قوم علَى ألاّ تعدلوا، اعدِلُوا هو أقرب للتقوى}(المائدة : 9).

ولسائل أن يسأل : إذا كان الإسلام مشتملاً على المبادئ والأحكام التي تدعم الفرد والجماعة وتقوِّيهما، وتضمن لهما العدل، وتصل بهما إلى السمو والازدهار، فلماذا نجد معظم البلاد الإسلامية قد أصابها الضعف والوهن؟.

أقول لهذا السائل : إن الضعف والوهن اللذين أصابا البلاد الإسلامية، ليسا من الإسلام نفسه، وإنما من انحراف المسلمين في تطبيق مبادئ الإسلام وأحكامه، وهذا لا ينقص أبداً من ذاتية الإسلام ومبادئه، وإنما يلحق ذلك من قاموا بالتطبيق.

يقرر الاسلام أن الناس جميعاً متساوون في تطبيق العدل عليهم وبينهم، وأنه لا فضل بينهم إلا على أساس كفاءاتهم، وما يقدمه كل منهم لخالقه ونفسه ووطنه من قربة وخير، فلا تفاضل بين الناس تبعاً لاختلاف الأنساب والأحساب التي لا تصلح معياراً للتفاضل، قال  : >أيها الناس إن ربكم واحد، وإن آباكم واحد، كلكم لآدموآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم<(رواه مسلم).

فالتقوى وحدها مقياس المفاضلة، وقد أراح الإسلام الناس من متاعب التفريق بين الطبقات، ذلك أن التقوى التي هي أساس المفاضلة بين الناس، تشمل كل شؤون الحياة وفي مقدمتها العدل بينهم، وقد ظهرت آثار التقوى في حياة الرسول ، وحياة صحابته والتابعين من بعده، فصلحت بذلك أمورهم بينهم. إن صلاح أمور الناس وتقدمها، لا يكون إلا بتحري العدل وإحقاقه، ووضع الأمور في مكانها، دون محاباة لأحد، لا للغني خوفاً منه، ولا للفقيررحمة به. وبهذا يتم التعاون بين الناس، ويعم العدل والإحسان والألفة والمحبة بينهم، ويسود الجميع الهدوء والاستقرار، ويقبل كل على عمله بنفس راضية بيومها، مطمئنة لغدها، والمجتمع الآخذ بذلك خير مجتمع وأفضله، لأنه يحقق العدل والإحسان بين أبنائه، ويضمن لهم حياة كريمة قائمة على العزة والكرامة والعدل {ذلك الدّين القيّم ولكن أكْثر الناس لا يعلمون}(الروم : 29).

ذ. أحمد حُسْني عاشور

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *