أمـثـلـة من نظام تربيته وتعليمه (3)


هـ- الـكـرم والإيـثار

لم يكن ذلك المجتمع يفكر في شيء عدا مصلحته ومنفعته، حتى في موضوع الكرم الذي أصبح عندهم وسيلة للتفاخر والشهرة وليس من أجل إغاثة الملهوف. أما الإيثار فلم يكن معروفاً بينهم. وكما غيرت رسالة النبي  أموراً كثيرة في هذا المجتمع فقد غيرت هذه الناحية أيضا، فطاردت البخل وتبنت خصلة الكرم والإيثار وجعلهما -ككل شيئ- في سبيل الله ورجاء ابتغاء مرضاته فقط.

عن أبي هريرة ]: جاء رجل إلى رسول الله  فقال: إني مجهود(15) فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: >من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟< فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: فعلِّلِيهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأَطفئِي السراج وأريه أنّا نأكل. فإذا أهوى لياكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي  فقال: >قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة.< ونزلت آية: {ويُؤْثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (الحشر: 9) في حق هذا الصحابي وإثر حادثة هذا الإيثار.(16)

وهكذا ربى النبي  أصحابه وأمته على خصلة الإيثار< فقد علمهم أن الإيمان يستوجب التسليم والتسليم يستوجب التوكل، والتوكل يستوجب سعادة الدنيا والآخرة… أجل، فإن كنت مؤمنا فيجب أن تسلم أمرك لله وتتوكل عليه وتثق به وتستند إليه، عند ذلك ستصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.

و- بـطـولة الخـنسـاء

أبكت الخَـنْساء الناس كلهم بأبيات رثائها لأخيها صخر… كان ذلك في الجاهلية إذ لم تكن قد عرفت الرسول  بعد، ولا تعرفت على تعاليمه ولا سمعت شيئاً عن بيان القرآن الكريم ولا تفتحت نفسها وقلبها عليه. فلما عرفت القرآن وسمعت به وأشرب به قلبها تغيرت فجأة… تغيرت إلى درجة أن هذه المرأة التي قالت عشرات الأبيات في رثاء أخيها في الجاهلية تحملت بصبر خارق استشهاد أربعة من أولادها في معركة القادسية واحداً إثر واحد… كانت تحس بقلب الأم الملهمة باستشهاد كل ابن لها، وتتلوى في مكانها من الألم ولكنها كفكفت دموعها وقالت بعد أن استشهدوا كلهم: …الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.î(17)

هاكم نوعية التغيير ومدى هذا التغيير الذي أحدثه النبي … إنه كمن أخرج النور من الظلمات… وأكرر مرة أخرى وأسأل: إن لم يكن معجزةً تغيير الناس هذا التغيير المذهل في مدة قصيرة فما هي المعجزة؟

ز- الـراكـب الـمهاجر

بعد فتح مكة فر عكرمة، وبعد مشقة كبيرة استطاعت زوجته إقناعه بالرجوع… كان من ألد أعداء الرسول ، ولكنه عندما رجع ودخل على رسول الله  قام إليه النبي  ورحب به قائلاً له: >مرحباً بالراكب المهاجر.<(18) فتح هذا الترحيب قلبه فعاهد الرسول  أن يجاهد في سبيل الله. وعندما كان ينتظر الاستشهاد في معركة اليرموك أخبروه باستشهاد ابنه الوحيد …عامرî ومن يدري فقد يكون عكرمة تمثل وجه رسول الله  ليقول له: ألم أعاهدك على الجهاد؟ فهل وفى الراكب المهاجر بوعده؟

وكيف يمكن أن يكون ابن أبي جهل مهاجراً وهو الذي صرف حياته كلها في عداء الرسول  ومحاولة قتله..؟(19) وهل يمكن أن يكون عنوان الشر مثالاً للخير..؟ أجل، هذا هو ماحدث فعلاً.

لقد كان في الجاهلية رجلاً غنياً وقويا، يسحق الضعفاء ويظلمهم، ولم يكن للضعفاء من يحميهم ولاسيما النساء إذ لم يكن لهن حتى حق الحياة، لقد كان الأطفال يُقتلون دون سبب.. نعم، كانت هناك بعض القوانين وبعض الأعراف ولكنها كانت تستعمل ضد الضعفاء.. ولا تزال تستعمل هكذاحتى يومنا هذا. من هذا المجتمع البدائي والمتوحش والذي ضاع فيه الحق والعدل استطاع الرسول  أن يربي جيلاً يمثل أرقى مستويات العدل.

———-

(15) أي أصابني الجهد وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع. (المترجم)

(16) البخاري، تفسير سورة (59) 6< مسلم، الأشربة، 172، 173

(17) >أسد الغابة< لابن الأثير 7/89-90< >الإصابة< لابن حجر 4/287-288

(18) الترمذي، الاستئذان، 34< >المستدرك< للحاكم 3/241-242< >الإصابة< لابن حجر 2/496< >مجمع الزوائد< للهيثمي 9/385

(19) انظر: >كنز العمال< للهندي 13/541< >السنن الكبرى< للبيهقي 9/44

(20) >كنز العمال< للهندي 5/80ح

محمد فتح الله كولن

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *