{ومَا النصرُ إلا مِن عند الله إن الله عزِيزٌ حكيم}(الأنفال  : 10)


من الإعجاز القرآني الذي لا يُدَانَى ولا يُضَاهَى إخْبارُه عمَّا تُكِنُّه النفوس الكافِرة من غَيْظ وحِقد على الإسلام والمسلمين في كُل عصر، بَلْ وإخباره عما تكنه النفوس من كُرْهٍ حتى لاسْمِ اللَّه الأعْظم >الله< فهم لا يطيقون سماع اسْمه بَيْن الأسماء، يسْتَمِعُون باهتمام إلى المتحدِّث إذا قال لهم : قال فلان وقال علاّن، وأصْدَر فلانٌ الأمر الفلاني، وجاءت التعليمات الفُلانية بمتابعة المسلمين وتتبُّع خطواتهم في المساجد ودُورِ القرآن وجميع مؤسسات التعليم والتثقيف من هُبِل العالمي.

أمّا إذا قُلت لهم : قال الله تعالى كَذا وكذا، وحرّم كذا وكذا، ونهى الله تعالى عن التجسس على المسلمين وتتبُّع عوراتهم.. أشاحوا بوجوههم وأعْرضوا عنك إعْرَاضَ الحُمُرِ المُسْتنْفَرة، وأضْمَرُوا بَيْن جوانحهم كُرْها كريهاً لك، ولدِينك، وربّ دينك، وشريعة ربّك، وذَهبوا يسْتَرزقون بكتابة التقارير فيك، ويُتاجِرون مع زعماء الكُفر في ذمتك، وعِرْضِك، وغَيْرتِك..

وهذا هو ما أشار إليه قول الله تعالى بإيجاز وإعجاز : {وإذَا ذُكِرَ اللَّه وحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الذِينَ لاَ يُومِنُون بالآخِرة وإذَا ذُكِرَ الذِينَ مِن دُونِه إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون}(الزمر : 42)، وقال تعالى :{ذَلِكُم بِأَنَّه إذَا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإِنْ يُشْركْ بِهِ تُومِنُوا فَالحُكْمُ للَّهِ العَلِيِّ الكَبِير}(غافر : 11) ولا يكرهون مجرَّد ذِكْر الله فقط مِن دُون ذِكْرِ الأزلام البشرية، ولا مجرَّد دُعَاءِ الله تعالى وحْده من دون الخلق جميعاً، بل يكرهون شريعته المنزلة للخلْق مِنْهَاجَ حياة يسيرون على هُدَاهُ ليسعدوا {ذَلِك بأَنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أعْمَالَهُم}(محمد : 10).

فالكُره لله تعالى ذِكْراً، والكره لله تعالى دُعاءً واستغاثة، والكرهُ لله تعالى حاكماً ومشرعا، والكره لله تعالى هاديا وناصراً.. متأصِّلٌ في نفوس الكفار والعلمانيين الملحدين.

وشاء الله تعالى أن يُخْرج حِقْد العلمانيين كالحِمَمِ الهادرة على الإسلام والمسلمين، وربّ الإسلام والمسلمين، وذلك على إثْر الثغْرة العظيمة التي أحْدَثتها المقاومة اللبنانية في جِدار الكُفْر المنتفِش والمستأسد في الساحة العربية والإسلامية لمدة عقود ثقيلة الوَطْأَة.

فإذا كان بعضُ الساسة والقادة والزعماء -المسنُودِين من مراكز الكفر- الذين ابْتَلَى الله تعالى الأمة بوضع مقاليد الأمور في أيديهم.. يُدارُون كُرهَهم للإسلام والمسلمين ويُوارِبون في الإفصاح عن حربهم للإسلام والمسلمين، فإن البعض منهم أسْفَر عن وجْهه الكالح، وصدْره المتعفن، وقلبه المريض، وقال : >إن المقاومة انتصرت، ولكن بالتكنولوجيا، وليس بالتوفيق الرباني، فالنصر نصر تكنولوجي وليس نصراً إلهياً< وكان يُلحُّ هذا الزعيم مراراً وتكراراً أن يُسجَّل له هذا الموقف في كل مناسبة إعلامية، كأنه يُبلغ رسالة كفرية لأسياده الكفرة ليدعِّمُوا توجُّهه المشلول، ويُنفّس في الوقت ذاته عن مكْبُوتات غمومه وهمومه لعله يُقلل من أهمية الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية بجميع المقاييس، وجميع الحسابات، وجميع الاعتبارات، وجميع الاستراتيجيات، وبذلك يستطيع أن يفّت في أعضاد المسلمين الفرحين بنصر الله، الذي تحقق على أيدي جنود الله المخلصين.

فالعلمانيُّ الجحود من فصيلة الماديّين الذين يقولون : >لاً إله والحياةُ مَادَّةٌ< المقبورة في أواخر القرن الماضي، ولكن هذا العلماني يقدِّسُ قَبْرها كما يقدسُه الكثير من العلمانيين الذين يعيشون على أوْهام الفلسفة الدّهريّة التي تنفي وجود الله تعالى، وتُنكر ربوبيته وألوهيته للعالمين، وتقول : >إنْ هِيَ إلاَّ أرْحَامٌ تَدْفَعُ، وأرْضٌ تَبْلَعُ ومَا يُهْلِكُهُمْ إلاَّ الدَّهْرُ<.

وهي فلسفة مهترئة فَنَّدَها الله تعالى على لسان أنبيائه ورسله من قديم الزمان، وما زال التفنيد مُخلَّداً في كتاب الله تعالى الذي وصَمَهم بالجهل الفاضح، والتنكُّر السفيه للحس والعقل، فقال تعالى : {وقَالُوا ما هِي إلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَاو مُا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ ومَا لَهُم بِذَلِك مِنْ عِلْم إنْ هُمْ إلاَّ يظنُّون}(الجاثية : 23).

الله تعالى جعل الفرح بالنصر حقا مشروعا، حتى ولو كان النصر لمن يشْتركون مع المسلمين في الاعتراف بوجود الله تعالى والإقرار بربوبيته فقط، قال تعالى : {ألم غُلِبتِ الرُّوم فِي أدْنَى الأرْضِ وهُم مِن بعْد غَلَبِهم سيَغْلِبون في بِضْعِ سِنِين للّه الأمْرُ من قَبْلُ ومِن بعْدُ ويوْمَئِذٍ يَفْرحُ المومِنُون بنصْر اللّه ينْصُرمن يَشَاءُ وهُو العَزِيز الرّحِيمُ}(الروم : 4) فكيف إذا كان المنتصرون مسلمين مومنين؟! وكيف إذا كان الانتصار على من يريد سلْخ المسلمين عن هُويّتهم ودينهم الذي هو روحهم؟! وكيف إذا كان الانتصار على من يُمثل المشروع الكفري العالمي لإفساد الإنسان ومسخ إنسانيته الكريمة؟

إذا كان العلمانيون الملحدون يحرقون البخور عند أعتاب الأسياد، وعُتَاة الكفر والإلحاد، كلما نزلتْ بهم نازلة، حيث يتزلفون ويتمسّحون ويُقبِّلُون الأقدام وأحذية الأقدام طالبين العون والنجدة… فإن المسلمين ليس لهم إلا ناصِرٌ واحِدٌ هو الله تعالى، هو وكيلُهم ومعتمَدهم وسندُهم، وهو ناصرُهم ومُعِزُّهم، وهو هاديهم ومثبِّتُ أقدامهم في المحَن والشدائد، ألم يقل الله تعالى للمومنين :

> {إنّا لنَنْصُرُ رُسُلَنا والذِين آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لا ينْفَعُ الظّالِمينَ معْذِرَتُهُم ولهُم اللعْنَةُ ولَهُم سُوءُ الدّارِ}(غافر : 52).

وألم يقل لهم :

> {وقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لكُم إنّ الذِين يسْتَكْبِرُون عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُون جَهَنَّم دَاخِرِين}(غافر : 60).

وألم يقل لهم :

> {أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويجْعَلُكُم خُلَفَاءَ الأرْضِ، أَإِلَهٌ مع اللَّهِ؟! قَلِيلاً ما تَذَّكَّرُون}(النمل : 64).

فكيف لا ينْسُبُ المسلمون النّصْرَ لله وهو الذي وعَدَهم بالنّصْر، ووعَدَهم بالاستجابة لدعائهم إذا كانوا في كَرْب شديد، واضطرار خانق أليم؟! بل كيف لا ينسبون النصر لله تعالى وهو الذي قال لهم بالحَصْر المُحْكَم {ومَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ؟!}(الأنفال : 10).

بل كيف لا ينسبون النصر إليه وهو الذي ضمِن لهم الفوزَ المُطْلَق في كِلْتا الحالتين : حالة الفوز بالظهورعلى الأعداء، أو حالة الفوز بالشهادة، فكل ذلك نصر عظيم، وهل هناك أعظم من الانتصار على النفس وتقديمها ثمناً رخيصاً في سبيل سلعة الله الغالية : الجَنة بكل ما فيها مما لا يخْطُر على قلب بشر؟!.

إن الكفار والعلمانيين والملحدين والجاحدين لا يفهمون أن المسلمين منتصرون دائما وأبداً، منتصرون إذا ركعواوسجدوا لله، ومنتصرون إذا صاموا وجاعوا وظمئوا لله، ومنتصرون إذا أسسوا الأسر الصالحة لله، ومنتصرون إذا تعلموا أو علّموا لله، ومنتصرون إذا أعطَوْا بأيْمانهم لله  وأخْفَوْا حتى لا تعلم شمائلهم ما أعطت أيْمانهم، ومنتصرون إذا بكوامن خشية الله في جوف الليل البهيم، ومنتصرون إذا غضوا عيونهم عن محارم الله لله، ومنتصرون إذا ذُكر الله فوجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون.. إن المومنين يعيشون في انتصار دائم، فهُمْ في العمل لله منتصرون، وفي التجارة لله منتصرون، وفي الفلاحة لله منتصرون، فهم لا ينتقلون من انتصار إلا إلى انتصار آخر في كل مجال… فمستقبلهم مضمون مائة في المائة منذ أن قالوا : >لاَ إِلَه إلاَّ اللَّه مُحمّدٌ رَسُولُ اللّه< بألسنتهم وقلوبهم وجوارحهم.. فأنى يُدْركُ الكفار والعلمانيون هذه النعمة؟! وأنى يفقهون حلاوتها ولذادتها؟!.

وللتحسيس بهذه النعمة في كل حين، لقّن الله تعالى المومنين هذا التحدِّيَ المُشَرِّف، فقال لهم {قُلْ هَلْ تَربَّصُون بِنَا إلاّ إحدَى الحُسْنَيَيْن ونحْن نتَرَبَّصُ بِكُمْ أنْ يُصِيبَكُم اللَّه بعَذَابٍ منْ عِنْدِه أوْ بِأَيْدِينا فتَرَبَّصُوا إنّا معَكُمْ مُتَرَبِّصُون}(التوبة : 52) فأين من ربِحَ دنياه وأخراه من الذي خسر دنياه وأخراه؟!.

وأين الذي تلاحقه الرحمات والتبريكات من الذي تطارده اللعنات والشقاوات؟! وأين أصحاب المبادئ من أصحاب المصالح؟

وأين الذي يمشي على نور من ربه من الذي يمشي في ظلام دامس؟!

إن الله تعالى وعد المرسلين والمومنين بالنصر والفوز، والله لا يُخلف الميعاد، وتاريخُ الصراع بين الحق والباطل -على امتداد البشرية- شاهِدٌ على تنزُّل النصر الحاسم على أهل الحق كُلَّما اضطر المومنون للاستغاثة بالله تعالى الناصر.

فهذا نوح عليه السلام دعا ربه فنصره {فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ففَتَحْنَا أبْواب السَّمَاءِ بمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ علَى أمْرٍ قَدْ قُدِر}(القمر : 12) وهود عليه السلام دعا ربه فأرسل الله تعالى على قومه ريحاً صرصراً اقتلعت جذورهم وتركتهم كأعجاز نخل منقعر، وكذلك فعَل الله بقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى الذين كذبوه وآذوه وأخرجوه.

وعندما واجه خاتم الأنبياء محمد عليه السلام قومه المُبطلين في الجولة الأولى مع الكفر، لم يكن أمامه -وهو الضعيف عدة وعتاداً وزاداً ورجالا- إلا الالتجاءُ لله تعالى، قائلا في تضرّع خاشع، وانكسار خاضع >اللَّهُم فنَصْرَك الذِي وعدتَنِي، اللهُمّ إن تَهْلَك هذه العِصَابةُ فإنَّك لا تُعْبَدُ في الأرْض< وقال مبيّنا حالة أتباعه المزرية : >اللَّهُم إنَّهُم جِياعٌ فأَطْعِمْهُم، وعُراةٌ فَاكْسُهُم، وحُفَاةٌ فَاحْمِلْهُم< فكان الجواب السريع : {إذْ تَسْتَغِيثُون ربَّكُم فاسْتَجَابَ لكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ من المَلاَئِكَةِ مُرْدَفِين}(الأنفال : 9) فكان النصر الحاسم، وكانت الحماية التامة، وكان الحنان الشامل، والرعاية الودودة من الله الودود، فماذا تعنى هذه الآيات؟!

> {إذْ يُوحِي ربُّك إلى المَلاَئِكَةِ أنِّي معَكُم فثَبِّتُوا الذِين آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذِين كَفَرُوا الرُّعْبَ…}(الأنفال : 12).

> {ومَارَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّهَ رَمَى….}(الأنفال : 17).

> {فلَمْ تَقْتُلُوهُم ولكِنّ اللَّه قتَلَهُم}(الأنفال : 17).

هل هناك أبْيَنُ وأوضح وأفْصَحُ من هذا البلاغ القرآني الذي يُبَيِّنُ قوة الله تعالى الناصرة للمومنين المخلصين يوم يقفون مجابهين للباطل باعتماد على الله تعالى وحده؟

هل يفهم العلمانيون أن إيمان المومنين سيكون مغشوشا ومزوّراً وكاذبا إذا تجرَّؤا ونسَبُوا النصر لغير الله تعالى، لأنهم سيكونون قد جانبُوا الحقيقة الإيمانية، والحقيقة التاريخية، والحقيقة الفطرية، والحقيقة العقلية، فهذه الحقائق كلها تفقأ عيون الجاحدين وإن أنكَروا وجَحَدُوا وكابروا وعاندوا. أما المومنون فمطمئنون تمام الاطمئنان للدفاع الرباني الذي لا يقف أمامه شيء، وكيف لا يطمئنون والله يقول لأعداءالله وأعدائهم : {ذَلِكُمْ وأنّ اللّه مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكَافِرِين إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهُو خَيرٌ لَكُمْ وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ  ولنْتُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً ولوْ كَثُرَتْ وأنّ اللَّه مَعَ المُومِنين}(الأنفال : 19).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *