من معاني الفرحة بالعيد


إن شهر رمضان يقترب من النهاية، وإننا سنودع هذا الشهر، وقد يسّر الله لعباده المؤمنين صيامه فضلا منه وإحسانا، وأعانهم على قيامه وإحياء لياليه اقتداء بسنة الحبيب المصطفى ، وطمعا في رحمة الله عز وجل ومغفرته، نسأل الله عز وجل أن يكتب اسمنا عنده سبحانه في سجل الفائزين وأن يحشرنا وإياكم في زمرة من أعتق الله رقابهم من النيران، وأدخلهم الجنة من باب الريان.

إننا إذ نستعد لتوديع هذا الشهر الكريم، لابد أن نتلمس مدى ما تركه في نفوسنا من معاني العبودية لله تعالى، وما خلفه في علاقاتنا ومعاملاتنا الاجتماعية فهل صمنا وتركنا الطعام والشراب وسائر ر الشهوات من أجل الله تعالى وامتثالا لأوامر ه فتحقق فينا قوله سبحانه : {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} وهل تحقق الانتصار الفعلي على النفس والهوى والشيطان وهل نحن الآن مستعدون لمواصلة السير على صراط الحق المبين وعلى نفس الطريقة وبنفس الوتيرة التي عشناها في هذا الشهر الكريم؟

وإذا كان الصوم يهيئ المؤمن إلى بلوغ النضج الاجتماعي حيث يدرك الصائم بصومه أن سعادته شديدة الارتباط بسعادة غيره من الناس، لأنه تعلم من الرسول  أنه لا يؤمن إلا إذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه وأدرك من سيرة المصطفى  أنه كان أجود الناس، وأن جوده كان يزيد في رمضان، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : >كان رسول الله  أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله  حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة<. وفي خضم الاستعداد للاحتفال بعيد الفطر، كم نحن في حاجة إلى أن نهتم بصنف من المؤمنين، نمد إليهم يد المساعدة، وندخل الفرحة على قلوب أطفال أبرياء، من حقهم أن يحسُّوا بفرحة العيد، وأن يلبسوا الجديد من الثياب كما يلبس أبناؤنا وأن يأكلوا ويشربوا اللذيد من الطعام والشراب من جنس المأكولات والمشروبات التي نزين بها موائدنا ونملأ بها بطوننا. قال رسول الله  : >من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه<.

إن شعوب العالم الإسلامي يعيشون اليوم مجموعة من الفوارق الاجتماعية، فيها الضعيف وفيها القوي، فيها الغني وفيها الفقير، فيها العالم، وفيها الجاهل، فيها الموسر، وفيها المعسر، فيها المهموم وفيها المكروب، فيها اليتيم وفيها الأرملة والمطلقة، وفيها من الحالات الاجتماعية ما تنقبض لذكرها النفوس، وتضيق لسماعها الصدور، وإن من معاني الاحتفال بيوم العيد أن تعم الفرحة جميع الناس على اختلاف أشكالهم، وتعدد أحوالهم، وأن يدخلالسرور كلّ البيوت وأن تهنأ كل الأسر وأن تسعد كل العائلات، وأن تتقلص الفوارق الاجتماعية وأن تسود الأخوة الإيمانية وأن يكون المؤمن للمؤمن كالبينان مصداقا لقول الله تعالى : {إنما المؤمنون إخوة} وقوله  : >المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشد بعضه بعضا<.

ولهذا كان من حسن ختام الصائم أن يختم صوعه لله بالتصدق لله فلهذا فرضت زكاة الفطر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : >فرض رسول الله  زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة متقبلة ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات<.

إن من المعاني السامية التي ينبغي أن تتحقق بفرحة العيد، هو أن يشعر الموسرون الأثرياء أن السعادة ليست في أكل سمين، وفراش وثير، وحلل فاخرة، بل إن السعادة كل السعادة في تفريج كرب المكروبين، وتنفيس همِّ المهمومين وإطعام الجائعين، وكسوة العارين وإعانة المحرومين.

إنمن المعاني السامية التي ينبغي أن تتحقق بفرحة العيد، أن يشعر الأباء والأمهات، أن الأبوة والأمومة الحقيقيتين تتمثلان في النظر إلى اليتيم الباكي فنمسح دمعته ونظهر فرحته مثلما ظهرت فرحة أبنائنا وبناتنا.

إن من المعاني السامية التي ينبغي أن تتحقق بفرحة العيد هو أن يشعر الفتيان والفتيات والشباب والشابات والرجال والنساء أن لباس الجديد من الثياب تعبير صادق على طهارة القلوب وتزكية النفوس، وأنه كما نعتني بتنقية الأجسام والأبدان، فإننا كذلك ينبغي أن نعتني بتخلية القلوب من الأحقاد والضغائن وتطهير النفوس والأرواح من الذنوب والآثام.

وأخيراً فإن فرحة العيد السعيد هي استعداد للفرحة الكبرى في الدنيا، فرحة استرجاع عز الأمة ومجدها التليد، وهي تهييء للفرحة الكبرى في الدار الأخرى فرحة الفوز بالرضا والرضوان عند الوقوف بين يدي الرحمان.

ذ.ادريس أبو سعد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *