مركزية التربية في العمل الإسلامي


> تمهيد:

من الأولويات المهمة في مجال الإصلاح والتغيير العناية ببناء الفرد قبل بناء المجتمع أوبتغيير الأنفس قبل تغيير الواقع والمؤسسات كما قال تعالى : {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد : 11). ولهذا كان كل جهد يبذل لتكوين الإنسان المسلم الحق وتربيته تربية إسلامية كاملة له الأولوية على من سواه لأنه مقدمة ضرورية لكل أنواع البناء والإصلاح والتغيير.

إن بناء الإنسان الفرد الصالح والمصلح هي مهمة الأنبياء الأولى ومهمة خلفاء الأنبياء وورثتهم من بعدهم، قال تعالى: {هوالذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}(الجمعة :2).

ولهذا حفلت حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها بتربية أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين لمدة ثلاثة عشر عاما في مكة في دار الأرقم بن الأرقم، كل عمله وهمه فيها التعليم والتبليغ والدعوة   والتربية، وكان من ثمرة ذلك، بناء جيل قرآني فريد  على معاني الإيمان من صبر وتضحية وجهاد…

إن تزكية النفوس وتربيتها هي المنطلق الصحيح لبناء الإنسان خاصة في هذا الزمن الذي طغت فيه الأهواء والشهوات فلا فلاح ولا استقامة إلا بالتربية الشاملة والمتوازنة {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}(الشمس : 9- 10)

> التربية : الأهمية والتعريف:

يقول عزوجل : {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}(البقرة : 142) {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}(آل عمران : 110).

انطلاقا من الآيتين يتبين أن موقع الأمة الإسلامية من الأمم الأخرى هوموقع شهود وخيرية، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب إعدادا وتأهيلا وتكوينا وبتعبير أدق (تربية شاملة ومتوازنة) تتوجه إلى عمق الذات المسلمة الذات القاعدة الصلبة)(1)، لأن هذه التربية الربانية هي تخلية وتحلية وتغيير لعقلية، وزاد على الطريق الطويل الشاق، وترشيد للعمل، وهي قبل هذا كله حصن منيع للفرد من التساقط الدعوي والتراجع والفتور كما يقول الدكتور صالح عبد الرزاق.

والتربية بهذا المعنى وبهذه الأهمية المقصود بها المعنى الدعوي وليس المعنى الأكاديمي التعليمي، بما هي عملية شاملة شمولية: ” إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام والترقي والنموشيئا فشيئا ” ؟

> أمراض العمل الإسلامي : وهي راجعة بالأساس  إلى الخلل الموجود في المسألة التربوية ذلك بأن أي بناء على أساس غير الأساس التربوي بالدرجة الأولى سيسقط حتما وينهار عاجلا أوآجلا – وكم من دعوات  ماتت بعد أن عمرت وأصبحت في خبر كان وصيحة في واد. وما الآفات التي أصبحت تطفوعلى السطح وصارت سمة لبعض أفراد الحركة الإسلامية من تعصب وأنانية وحزبية وفتور وغرور وكثرة جدل وقلة عمل وضمور لمعاني الطاعة والانضباط والأخوة والجسدية والنصح والتناصح والاستشارة والإنفاق.

ناهيك عن الغيبة والنميمة وسوء الظن وبعض السلوكيات التي تضرب المشروع الإسلامي في العمق وتعصف به من حيث ندري أولا ندري ومن ثم تؤثر على وحدة الصف والعلاقات.

أقول، هذه الأمراض نتيجة طبيعية لتفريطنا في البدء بما ينبغي البدء به والتركيز على ما يجب التركيز عليه. التربية أولا بشكل عملي وتطبيقي الشيء الذي يكشف بوضوح حاجة بعض العاملين في الحقل الإسلامي إلى  إعادة التربية من أجل تدارك ما فات والاستعداد لما هوآت. فدعوتنا دعوة ربانية نبيلة وطاهرة، ومن نبلها وطهرها  تميز أعضائها واستعلاء العاملين فيها عن تلك الأمراض التي أزالت قدسية الدعوة وربما أخرت النصر والتمكين.

إنه لا سبيل إلى إعادة التميز والإخلاص للدعوة إلا بسلوك طريق التربية الطويل ولكنه ثابت ومضمون وكما يقول د.أحمد الراشد : (….صعب طويل بعض المغانم فيه لكنه طريق مأمون ثابت مضمون)(2).

إن الأهم  هوالبناء الرصين القوي المتين المستجيب لسنن الله في التغيير والعبرة هنا ليست بالطول والقصر وإنما بالصواب وبالخطأ، وبتوحيد الرؤية والتصور وبتحديد الأولويات وفق خطة واضحة المعالم يخضع ويلتزم بها الجميع دون استثناء، فلا استغناء لأحد عن التربية، وما أروع وأحكم من قال بأن : أسرع طريق هوأصوبه وإن طال، وأبطأ طريق هوأخطؤه وإن قصُر).

يقول المفكر عزت بيغوفيتش : (إن من أولى مراحل الجهاد وأصعبها، ألا وهي جهاد النفس، إن القيام بتربية الناس أمر صعب، وأصعب منه تربية المرء نفسه)(3). وبطبيعة الحال إذا صلح الفرد صلح المجتمع ومن ههنا فإن الوسيلة الطبيعية لا تتم إلا ببناء النفوس وتربيتها وتزكيتها بالنظر لشمول فعلها وعمق تأثيرها في الكيان الإنساني بكل أبعاده، وإلى هذا يشير أيضا صاحب البيان الإسلامي حيث يقول : (إن إصلاح المجتمع إنما يمكن أن يقوم على أساس الإيمان بالله، والتسليم بحكمه وعن طريق تربية الإنسان، فعلينا أن نسلك هذه السبيل الوحيدة المؤدية إلى الهدى المنشود) (4).

> متطلبات نجاح العمل التربوي:

هذا العمل التربوي الكبير والضخم بحاجة دائمة إلى تقويم وتوجيه مستمر حتى لا تهدر الطاقات والجهود في غير طائل، وحتى نحصل على الثمار اليانعة من هذا العمل الجليل، ومن ينظر نظرة متعمقة في واقع العمل التربوي اليوم يجد أن ثمة ثغرات تتخلل هذا العمل مما أدى ويؤدي إلى توقف بعض الأعمال الدعوية والتربوية وتساقط بعض الشباب وتوقف وفتور بعضهم الآخر.

ونسي هؤلاء أوتناسوا أن:

– التربية عبادة لله عزوجل، فلابد من حسن النية والإخلاص لتحصيل الأجر والثواب وابتغاء مرضاة الله عزوجل : {فمن كان يرجولقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}(الكهف : 111).

– التربية قدوة قبل أن تكون توجيها، وعمل قبل أن تكون قولا.

– والمربي ينبغي أن يربي الناس بفعله قبل قوله لأنه ينظر إليه بعين القدوة من داخل الصف وبعين من الخارج باعتباره واحدا ممن يعمل للإسلام.

– التربية مسؤولية أمام الله عزوجل (ما من عبد يسترعيه الله رعية  يموت يوم يموت  وهوغاش لرعيته إلا  حرم الله عليه الجنة)(صحيح الجامع).

– التربية زاد على الطريق فلابد من تحمل المكاره >حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات<(رواه الترمذي والحاكم). >ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة<(رواه مسلم وأحمد والترمذي). وهذا الزاد لن يكون غير ذلك الإيمان العميق الذي يحرك الوجدان ويستجيب له الجنان، وهوما لن يتم بدون تربية روحية متجددة انسجاما مع الحديث الشريف  >إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما  يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد لكم إيمانكم <(رواه الطبراني والحاكم).

– التربية عملية مستمرة ومشروع عمر وجهاد وترق حتى تبلغ الروح الحلقوم، بحاجة إلى متابعة عملية دائمة لان المتربي نفس بشرية دائمة التقلب متعددة المطالب والاتجاهات في حاجة إلى توجيه. والقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والمتابعة منهج نبوي تصبوإلى تجاوز الواجبات والمفروضات إلى المندوبات والمستحبات والتطوع للارتفاع بالنفوس إلى ذلك المستوى الرفيع من الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر.

– من الخطأ الشائع في نطاق التربية أن يظن أن في إمكان أي إنسان أوتي نصيبا من العلم والثقافة الإسلامية وأوتي مقدرة على الكلام الفصيح والتحدث أن يكون مربيا ناجحا وأن يُعهد إليه بتربية الآخرين…فالعلم وحده لا يكفي والقدرات الكلامية وحدها لا تكفي وصدق على كرم الله وجهه حيث يقول : (من نصب نفسه للناس إماما فيبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ومعلم نفيه ومهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم).

فالمربي هوالذي يعرف كيف يعطي حاجة مربيه من التوجيه كَمًّا ونوعا، يعظهم من حيث يسمعون ويتعلمون، يتابعهم بالموعظة الحسنة والكلمة المؤثرة والزيارة المتكررة. مهمته فيهم ليست مهمة تسميع لما يحفظون أوتفسير لما يجهلون وإنما مهمته غرس الخير في نفوسهم; وصياغتهم على الإسلام تماما كما يصوغ الصائغ من الذهب  الخام الحلي الجميلة المتنوعة (5). وهنا لابد من التنبيه لأمر مهم ونحن نمارس هذا العمل التربوي ونبذل قصارى جهودنا للنجاح والعطاء، أن التوفيق ليس مرده إلى الجهد البشري وحده بل قبل ذلك توفيق الله عزوجل وهذا التوفيق الإلهي له أسباب أعظمها رعاية العبد لحرمة الله، فكم من جهد قليل فيه إخلاص وصواب يثمر كثيرا بإذن وفضل ومن من الله تعالى.

كذلك لابد من الانتباه إلى أن الفعالية التي قد تتوفر في بعض أعضاء الصف لا تكفي وحدها بل لابد للفعالية  من تربية شاملة تصونها من الزلل. ذلك بأن العناصر الفعالة معرضة أكثر منغيرها للآفات التربوية، ولنعلم لوأن الفعالية وحدها كافية لكان الشيطان أولى بالتكريم، لكن فعاليته في الهدم {قال فبم أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين}(الأعراف : 16).

فالدعوة الإسلامية اليوم أحوج من أي وقت مضى لتوجيه فعاليتها نحوالبناء في إطار تصور واحد وخطة واحدة دون القفز على المراحل أوحرقها – من أجل إيجاد (عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله وإن تحرك، فبأمر الله، وإن سكن فمع الله،…فهوبالله ولله ومع الله)(6).

> الانقطاع عن التربية والتزكية تناقض مع الإسلام: فشعور بعض العاملين أنهم أصبحوا فوق التربية وتعهد أنفسهم  بالتزكية والمعالجة الروحية بدعوى الاشتغال بالأعمال الإدارية والاجتماعية والثقافية وغيرها من النشاطاتالتي تقطع الصلة بمنابع الروح والنور يتناقض تماما مع الإسلام ومناهجه التربوية التي تعتبر الإنسان كما يقول الداعية فتحي يكن: (في امتحان دائم مع دعوته، وفي اختبار مستمر مع دينه، والتي تفرض عليه دوام العناية بنفسه والرقابة لربه، والتعهد لسلوكه، والتنمية لإيمانه، فالفتن تُعرض على القلوب كالحصير عودا عودا، والمؤمن يخشى دائما سوء المنقلب ويسأل الله تعالى حُسن الختام…) (7).

الفائز لا يعلمه إلا الله تعالى ولا يتيقن الإنسان من الفوز إلا بعد دخوله الجنة، إذن لابد من تحصين المسلم الداعية -باستمرار- وتكوين المناعة لديه ضد الفتور والفتن، >إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدوللناس وهومن أهل النار<(رواه البخاري ومسلم)، إشارة واضحة للنفاق الذي تعمل التربية تخليص المسلم منه.

> بعض الوسائل للمحافظة على التربية،

من بينها:

– التزود من الأصول ( كتاب، سنة، سيرة) حفظا وفهما وتعليما وتدريسا وتطبيقا.

– التزود بالنماذج الخيرة من الصالحين قديما وحديثا، وخصوصا الأنبياء والصحابة والتابعين والدعاة والعلماء العاملين….

– الاستمرار في تقوية الصلة بالله عزوجل صلاة وصياما وإنفاقا

– ملء الفراغ بالأعمال العلمية والعبادية والاجتماعية والزيارات العلمية والأخوية.

– تكوين جلسة على الأقل محطة للمداومة على الإيمان ساعة: ” تعال نؤمن بربنا ساعة ”

– معاشرة الأخيار

– إصلاح الأسرة

– المحافظة على ورد قرآني راتب وأدعية راتبة

– المواظبة على حضور مجلس القرآن الكريم

– الإكثار من ذكر هادم اللذات ومن زيارة المقابر.

> علاقة الفرد بالدعوة وعلاقة المدعوبالداعية ( المتربي بالمربي )

أ- علاقة الفرد بالدعوة علاقة تربطه بالفكرة الإسلامية الجديدة عبر كلمة اقرأ فالفكرة هي التي تقرأ وليس الشخص، وبناء على هذا التوجيه الرباني الكريم جاء التوجيه النبوي لأصحابه الكرام وأتباعه، واستمرار ذلك التوجيه لدى الدعوة ويجب أن يستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها…فالجميع يحوم حول الفكرة الإسلامية مما يجعل الاهتمام منصبا أولا وأخيرا على الرسالة، ومضمونها، لا على حاملها، على الفكرة والمبدأ، لا على الشخص المبلغ فلا يجب مثلا التعلق بساعي البريد وبشخصه والانشغال عن الرسائل التي يحملها…فالتربية لغاية كبرى هي إقامة دين الله تعالى والتمكين له في الأرض.

ب- علاقة المربي بالمتربي علاقة أخوة أولا {إنما المومنون إخوة }(الحجرات : 10)، ثم علاقة تقدير واحترام واعتراف بالجميل، بل إنه صاحب فضل على من يربي بعد الله سبحانه فقد قال في حقه  : >لان يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس<(رواه البخاري) ولا يجب بأي حال من الأحوال أن يتحول التقدير إلى تقديس، فيقع الخلل فالتقديس يعني التنزيه من الخطأ والله تعالى هوالمقدس والمنزه {سبح اسم ربك الأعلى…}الآية.

ووجب أن يأخذ شكلين ليس إلا: شكل الطاعة في المعروف وشكل النصيحة بالمعروف.

وختاما،

لابد من التأكيد والحرص على الشمول والتوازن التربوي الذي لا يغفل أبواب التربية المختلفة كالتربية الروحية والعلمية  والثقافية والسياسية، والتربية الخلقية الاجتماعية…مع مراعاة الفروقات الفردية التي يتمايز بها الأشخاص، فالتنوع والتخصص بين الخلق من سنن الله تعالى في الكون…

إن نجاح المشروع الدعوي التغييري رهين بدرجة كبيرة بنجاحنا في بناء قاعدته الصلبة ووسيلته الأساسية المتمثلة في الإنسان المغير، ونجاحنا في بناء الانسان رهين بنجاحنا في تخريجه وفق – رؤية تربوية راشدة- قوامها مصدرية الكتاب والسنة ومرجعية غيرهما من أفهام الرجال.

وتحقيق النقلة النوعية على كافة الأصعدة، النقلة في التصور والاعتقاد والنقلة في السلوك والأخلاق، والنقلة في الالتزام، والنقلة المعرفية {اقرأ باسم ربك الذي خلق}(العلق : 1) وهدفها صياغة الفرد المسلم العابد العامل، الواعي، المؤثر، القائم بالقسط والآمر بالمعروف،  والناهي عن المنكر.

لذا أقول قد آن الأوان أن تؤتى البيوت من أبوابها ليعطي هذا الإتيان أكله وثمرته المرجوة بإذن من الله وتوفيق وتسديد منه…، وإن باب الدعوة الكبير والأصيل هوالتربية فيها يحصل كل شيء وبدونها لا يحصل أي شيء.

——-

1- منهج التربية لمحمد قطب ( بتصرف يسير).

2- المنطلق لأحمد محمد الراشد ص:249.

3-  البيان الإسلامي لعزت بيغوفيتش- رحمه الله ص:49.

4- البيان الإسلامي بتصرف يسير، ص: 27 n 28.

5- مشكلات الدعوة والداعية لفتحي يكن، ص: 166.

6- مدارج السالكين لابن القيم الجوزية ج 3/16.

7- مشكلات الدعوة والداعية ص: 53.

ذ.محمد يعقوبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *