تفسير سورة الطلاق


9-  الشروط الضرورية في الشاهد العدْل

الشرط الأول هو العدالة : أي أن يكون الإنسان على مستوى معيّن من الصلاح، هناك من يصلح لشيء وهناك من لا يصلح، الإمتحان أو المباراة ليست هي المقياس، المقياس هو وجود وصف العدالة.

ماهي العدالة؟.

العدالة على العموم هي حالة من التديّن ودرجة من التديّن تجعل الإنسان متحرّزاً ومُتحفّظاً من الوقوع في المعاصي بكيفية عامة مع الابتعاد عن جميع البدَع المخرجة من الملة هذا هو الأمر الأول.

الأمر الثاني في العدالة : أنها تمنع صاحبها أو تحجزُه عمَّا يشين عرفاً. وتمنع صاحبها من الكبائر والمعاصي التي هي كبائر، والتي هي ذنوب واضحة نهى عنها الكتاب والسنة فالعدل لا يُقاربها، ولا تقع منه، فإن وقعت مرّة ربّما تاب إلى الله وأناب ولا يستمر عليها، ويجتنب في الغالب ويتحرّز في الغالب من الصغائر، إذن فالعدل يتورّع عن الكبائر ويتحرّز منالصغائر.

والصغائر لا ترفع عنه صفة العدالة إلا إذا كانت صغائر خِسَّة فهي مُلحقَة بالكبائر، قد يكون الذنب صغيراً ولكنه ليس ذنباً عاديا وإن كان من الصغائر ولكن فيه الخِسَّة والدّناءة فهو أيضاً وإن كان صغيراً لكنه يُلحق بالكبائر.

مثَّلوا لهذا بسرقة اللّقمة : رجل يدخل بيتاً لم يُؤذن له في دخوله أو لم يُؤذن له في التجوّل والتحرك فيه، فليس سارقا لأنه لم يسرق شيئا ذا قيمة وذا ثمن، لا، ذهب إلى الطعام وجد الطعام موجوداً فأخذ منه لُقمة واحدة فأكلها بلا إذن أصحابها هذه صغيرة، هذا ذنب صغيراً ولكنه مُلحق بالكبيرة لأن فيه دنَاءة، لأنه يُجرِّّئ الإنسان على السّرقة فهذه وإن كانت صغيرة لكنها من الصنف الكبير أيضاً، والصغيرة تصير كبيرة مع المُداومة والاستمرار، الذنب الصغير الذي يُسمى صغير إذا فعله الإنسان مرة بعد مرّة، أما إذا واظب عليه واستمر عليه فإنه ينقلب من الصغيرة إلى الكبيرة، إذن العدل يَجْتَنِب البدع ولا يتورّط فيها يجتنب الكبائر ولا يُجافِيها، ويجتنب في الغالب الصغائر، والصغيرة لا تسلُبه العدالة إلا إذا كانت صغائر ذات خِسّة، أمّا صغائر الخِسّة فهي مُلحقة بالكبائر، هذا سياج، ثم يُلحق بهذا أمور أخرى ليست من قبيل المحرّمات ولكنها من قبيل ما ينزل بالإنسان عُرفاً، أي يجعله غير ذي مُرُوءة وهناك صفة أيها الإخوة تسمّى المُروءة، المروءة هي درجة من الفضل ومن الإحسان يتصف بها الإنسان، وعلى الإنسان أن يحرص عليها مادام مربًّى تربية إسلامية، فهذه زيادةُ فضل، وزيادةُ ثِقْل ووزن وتمكُّن من أخلاق الإسلام، هذا يسمى مُروءة.

وما هي هذه المروءة؟!.

لا نكاد نحصرها في باب معيّن الفقهاء القدماء كانوا يتحدثون عن قضية معينة هي قضية الأكل في الشوارع، كانوا يرون أن الذي يمشي في الشوارع ويأكل خارج البيت والناس ينظرون، هذا ليس حراماً ولكنه مُخِلٌّ بمروءة الإنسان.

وكذلك كان الإنسان يتحرّج أن يُدخل الخُضر والفواكه واللحم.. إلى بيته والناس ينظرون، وخصوصا في زمن الغلاء حيث يمرّ بمجموعة من الناس والجيران لا يستطيعون شراء ذلك، فهو وإن كان يريد أن يمتّع أبناءه بذلك لكنه يُخفيه ولا يجعل ذلك سببا إلى إثارة الشّوق إلى هذا وهم ربما لا تصل إليه أيديهم.

هذا نوع من الأخلاق الإسلامية التي غابتْ، الكل يشتري ما يشاء والآخرون ينظرون إليه فإن لم يستطيعوا ذلك فليموتوا.

هذا نوع من الفضيلة -طبعا-  لانتجرّأ ولا نقول إن الذي فعل هذا فعل حراماً ولكنه فعل شيئا أقلَّ مِمَّا يجبُ أن يكون عليه المسلم.

ومن هذا القبيل الذي يضيّع وقته ويجلس في المقاهي صباح مساء، هذا ليس له مروءة، يمكن للإنسان أن يجلس مرّة في المقهى لسبب من الأسباب، ولكن هذا يخرج من عمله وبيته فيجدونه في المقهى، إذا احتاجه أهْلُ البيت يسألون عنه في المقهى، وهناك بعض من يموت في المقهى، لأنهم عاشوا في المقهى ولم يموتوا في المسجد لأنه عاش في المقهى.

هذه أيضاً فيها انعدام مروءة قد يرتاد الإنسان المقهى لبعض الحاجات متخفّفا ويزور وينصرف ولكن أن يصير الإنسان جليس مقهى، له مكان معروف ويقضي سحابة يومه وبعض سواد ليله في المقهى، فطبعاً هذا مُخلٌّ بمروءته.

ومن هذا القبيل أيضا من  يلبس جَاكيطاً مكتوباً عليها بالانجليزية أشياء لا يفهمها ويقف في الصلاة وهو حامل لبطاقة في ظهره، مكتوب فيها إشهار، ربما يكون للخمر وهو لا يعرف، وربما يتقدم للصلاة بالناس، وهو يُشْهر للخمر وهو لا يعرف أن هذا لا يصلح له، فلابد أن يمضي الإنسان مع توجّهه مع نظرته إلى الحياة، مع سنِه، مع أشياء كثيرة تُناسِب أحواله ومُجتمعه، وكان رسول الله  ينظر في هذه الأشياء ويُوجّه الناس إليها، فحينما كان يأتيه الرجل باللون الفاقع، يأتي رجل بلون أحمر مُزعج ومثير للانتباه كان النبي  ينهاه عن ذلك، كان ينهي الصحابي أن يلبس الأحمر القاني  اللاّفِت للنظر، وأشار أن الرجل إن لبس الأحمر فإنه يلبسه ممزوجاً بلون آخر حتى لا يكون هو الملحوظ في محلته أو في مدينته.

إذن ففي جميع الممارسات هناك أشياء مُخِلة بالمروءة، هذا الهَدر الذي نرى عليه بعض الناس، والعِراك والخصومات في الشوارع هذه أشياء تدل على أن الإنسان خفيف في عقله، ليس مكينا في تديّنه، فهذه عُموماً نجمعها في باب خوارِم المرُوءة، فالعدْلُ إذن مُجتنبٌ للبدع، مجتنبٌ للكبائر، غير مصِرّ على الصغائر، تارك لخوارم المروءة أو ما عبّر عنه ابن الحاجب بقوله : >ما يشينه عُرفاً< العُرف الإسلامي يجب أن يُعتبر، ويجب أن يلاحظ في أشياء كثيرة العرف الإسلامي، يعني مسايرته وعدم الخروج عليه، إذن فهذه هي الصفات أو المقومات لحقيقية للعدالة.

ثم تأتي بعد ذلك صفة أخرى هي صفة التيقُّظ : الشاهد يجب أن يكون  متيقِّظاً ونبيها وفاطنا لأنه سوف يُؤدي إلى إحقاق حق، فيجب ألا يكون غبيّاً، لأن البليد الذي لا يفهم، وليس له عقل يُحرّكه كما يقول الفقهاء ولا يُفكّر فهذا لا نُشهده، ولا يُمكن أن يدخل في الشهادة لأنه إنسان لا يعرف ما يقال وما يقول ولا نعتمد قوله، إذا اعتمدنا قوله ربّما ورّطنا أصحاب الحقوق هذه واحدة.

الأمر الثاني قد لا يكون بليداً وإنما يكون غَبِيّاً بمعنى أن له عقلاً ولكن له مع ذلك نوع من السّذاجة والبساطة ويُدخل فيه الفقهاء كذلك الذين تغلب عليهم النظرة الحسنة والأمانة المُفرطة، معنى هذا أن هناك أناساً ينظرون إلى الناس على أنهم أُمناء، أنهم أخيار، أنهم فُضلاء، أنهم عدول، فيهم نوع من السذاجة والبساطة والسّطحية فهم أناس فضلاء يتصورون كُلَّ الناس صالحين تنطلي عليهم الخُدع والحِيل فهؤلاء يجمعون عند علماء الفقه مع البلداء والأغنياء فلا تُقبل شهادتهم ولو كانوا من العلماء. وللعلماء كتب كثيرة مؤلفة في المغفلين من العلماء فهؤلاء المغفلون يشهدون في القضايا التي لا تلابسها الحيل كأن يشهد بأنه رأى هذا يضرب هذا فقط لا يزيد، ولكن كل الشهادات التي فيها خفايا وألاعيب نقول له أنت لا تصلح أن تشهد، لأن هناك أموراً جديدة تطرأ، مثلا أحد الناس يتفرّج في صندوق الانتخابات وهو جالس مغفّل بينما الناس غيّروا الدّنيا وهو يقول : هذا الشيء هو الصحيح، ويقول : أشهد لكم بالله بأن هذا الشيء هو الصحيح، هذا مُغَفّل لا يصلح لهذا لأن هذا محلّ اللعب، المنهج الحقيقي عند العلماء المسلمين أنهم كانوا لا يخلطون بين الحقوق، هذا رجل فاضل لا نتّهمه في الكذب ولكنه يشهد هنا ولا يشهد هنا لأنه لا يعرف، كان الإمام مالك رضي الله عنه يقول : >إنه أدرك أناساً لو أقسم أحدهم على الله لأبرّه< الإمام مالك أدرك رجالا من أهل الفضل والخِيَرة لو أقسم أحدهم على الله لأبرّه لو أقسم علىأن يُحول له هذه الأسطوانة إلى ذَهَب لفعل من فضله وكرامته على الله، لكنني لم آخذ عنه الحديث وهو في نهاية الفضل، لأنه لم يكن من أهل هذا الشأن لأنه مُغفّل. ولأنه يُحسن الظن بالجميع، ولأنه يثق بالجميع، فيمكن أن يقبل أحاديث يُلقيها إِلَيه الزنادقة.

انظروا بم وصل هذا الدين، وصل بالعقلاء، العقلاء الذين يصفهم الناس بأنهم مُتحجّرون وبأنهم متزمُّتون هؤلاء هم الذين حفظوا الدين ليبقى الإسلام إلى هذه اللحظة. هذا الدين لم يحمه من البداية إلى النهاية إلا العلماء ولم يحمه الآخرون، العلماء كانوا هم السباقين وهم الذين يحترقون (في المواجهات) من أجل أن لا يلعب الآخرون بالدين، يجب التثبيت والتشدد في هذا.

إن هناك فرقاً بين ما ترونه من انحراف في الشوارع وبين انحراف العقيدة، لأن انحراف العقيدة خطير جداً، بل الإنسان إذا أصَّلَ لك شيئا فيصعب أن تمنع منه ذلك، قلت لكم بأن الإمام مالكاً أدرك أناساً فضلاء أخياراً ولم يأخذ عنهم ليسلم هذا الدين، لتصل الكلمة إلى هذا البشر، ليهتدي بها نظيفة صافية مجلُوّة، كانوا يخافون على الدين من أي شيء من التحريف، من الضلال، من البدع، وصل الدين إلينا في هذه الصورة فهل يجوز أن نتساهل نحن فيه؟.

أنا لا أجد رجلاً من علماء الحديث يتكلم هذا الكلام ولا من علماء الأصول لأنه يعرف ما هو الجهد الذي يُبذل لتقول حديثا صحيحاً في الإسلام ، يجب أن تعرف أن أربعين سنة والإمام مالك يشتغل بالموطأ وهو يُنقِّح فيه. ست عشر سنة والإمام البخاري برجله ونعاله يدور في الأطراف والأقاليم ليأخذ الحديث الصحيح.

نحن الآن نفاخر بمنهاج  المحدّثين، ليس هناك أمة عندها منهج قوي وقويم ومتين وشديد مثل الأمة الإسلامية، لا توجد أبداً، إذن قلت إذا كان الرجل من هذا القبيل مُغفّلاً، أو ساذجا، أو بسيطا، أو مما تنطلي عليه الحيل، إنما يشهد فيما هو مادي فقط. والمسائل الأخرى يبتعد عنها،.

والشرط الثالث هو الحرية : لأن الحر هو الذي يستطيع أن يستجيب لقول الله تعالى : {ولاَ يَابَ الشّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا} يعني إذا دُعُوا فليأتوا للإدلاء بالشهادة ولا شك أن العبد لا يملك هذه الحرية ليأتي متى دُعي .

ومن باب الحرية : حُريّة التعبير، فكتاب التاريخ -مثلا- لا يستطيعون أن يكتبوا تاريخ الحكام المستبدين وهم مازالوا قابضين على أعناق الشعوب، بل التاريخ الموثوق به هو الذي كُتب في عصر الحرية.

هذه الشهادة أو هذه المواصفات حينما تجتمع يصير الإنسان عدلا، ويصير صالحاً، لأن يدلي بالشهادة ويُعطينا ذلك اقتناعاً بأن الشهادة ليس فيها تحريف، وليس فيها افتراء، وليس فيها تغيير للأشياء، هذا الشاهد إذا جاء القاضي إما أن يكون معروفاً عند القاضي بالعدالة والمروءة والفضل، فهذا يقبله القاضي ابتداء بناء على الشيوع، أي شاع وعُرف عند الناس بأنه فاضل يقبله القاضي إطلاقاً هذا واحد.

وهناك رجل يعرف القاضي بعلمه وبمحض تجربته أو بسماعه المتكرر عنه أنه رجل مجروح مطعون فيه، هذا لا يقبل منه القاضي شهادة أبداً، وإن عدّله أناس لم يقبل تعديلهم، لأن علم القاضي هنا أسبق من تعديلهم هم، هو يعْلَمُه رجُلَ سوء، وهؤلاء جاءوا يشهدون بأنه رجُلُ فضل وخير، فهم يشهدون على جوانب علموها، ولكن القاضي له علم سابق بأن الرجل لا يصلح، فهل يترك القاضي عِلْمه من أجل عِلْم الآخرين ويعتمده؟ ، لا، ولا يرجِع إلى عِلمهم إلا إذا استطاع هؤلاء أن يأتوا بشهادة من شأنها أن تُثبت تغَيُّره عمّا يعلمه عنه القاضي إلى حالة جديدة، إذا شهدوا : نعم بأن هذا الرجل رجل فضل، لا سلفاً، وإنما يقولون هذا رجلُ فَضْلٍ تاب إلى الله منذ ثلاث سنوات، وقد حَسُنت أحوالُه ولاَزَم المسجد، وصار يَصْدُق في الأقوال وكذا وكذا.

بهذه الشهادة يمكن أن يعتمده القاضي لأنها فيالحقيقة تفيد أن الرجل تحوّل مما كان يعلمه القاضي، لأن القاضي كان يعلمه على سوء مجروحاً، لكن هؤلاء لا يشهدون بإطلاق، وإنما يشهدون بالتحوّل فيقبله.

هذه درجة ثانية، الدرجة الثالثة التي يتقدم بها الشاهد هو أن يكون الإنسان مجهولاً غير معروف لا بخير ولا بشر، لا هو مُجرَّح، ولا هو مقبول، ولا هو مُبرّز، فهذا الذي ليست له حالة، حالته مجهولة، هذا يجب على القاضي إذاً أن يبحث عنه حتى يُعدّله أو يجرّحه.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *