اللهم انصرنا بما نصرتهم


قبل أيام قليلة استقبلنا شهر رمضان المبارك، وإن أيامه الكريمة لتنقضي بسرعة. وكما كان استعدادنا لاستقباله بشوق ولهفة فإننا نَعُد أيامه ونتحسر على فراقه ونرجو من الله الجائزة يوم العيد، ولكن قبل أن يفارقنا هذا الضيف الكريم وجب أن نتوقف قليلا لنتأمل في النتائج التي كنا نرجو أن نحققها بانخراطنا في أسلاك هذه المدرسة الربانية التي يتخرج منها المتقون مصداقا لقول الرحمن الرحيم {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة : 183).

من خلال الآية الكريمة يتبين أن التقوى سبيلها الصيام وإذا طرحنا سؤالا حول معنى التقوى فإننا لن نجد خيرا من جواب سيدنا علي بن أبي طالب ] الذي فسرها بالخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل. إن المتأمل في هذا التعريف المختصر المفيد يستيقن أن التقوى تورثالخشية من الله عز وجل وتوقظ في الانسان آدميته وتنهاه عن ارتكاب المحرمات وعن الوقوع في أحاديث الإفك والتجني والافتراء وشهادة الزور والكذب.

كلما هل هلال رمضان إلا وتمنى المخلصون في كل بلاد المسلمين أن يكتسب صناع القرار والمسؤولون عن مصالح العباد تلك الصفات التي رسمها رابع الخلفاء الراشدين وأن يتحلوا بها حتى بعد رمضان إلى أن يشاء الله تعالى وذلك حتى تصفو حياتنا وتصبح نظيفة نقية تغري غير المسلمين باعتناق مبادئ الإسلام ومن ثم نكون قدوة لهم حتى يخرجوا من الظلمات إلى النور بفضل أخلاقنا وحتى لا نكون فتنة للذين كفروا بصدهم عن الدخول في دين الله بسوء أخلاق بعض المسلمين وابتعادهم عن الصواب. قال تعالى : {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا}.

ونحن إذ نتأمل النتائج لا بد أن نلقي إطلالة على قطاع هام جدا كان الكثيرون كذلك يأملون أن يتزود المشتغلون به على الخصوص بصفات التقوى والصلاح وهم يصومون في رمضان وأن يتحلوا بها مدى الحياة. هذا القطاع هو قطاع الإعلام على شتى أنواعه المسموع والمرئي والمكتوب المحلي والدولي.

تمنى المسلمون في أن مشارق الأرض ومغاربها ويتمنون كل عام يأتي رمضان وقد صلح حاله وحال المشتغلين به لكي يكون قويا أمينا ونظيفا صادقا فالإعلاميون على ثغر عظيم وأمام أمانة ثقيلة وعظيمة والإعلامي راع وهو مسؤول عن رعيته فالكلمة التي يروجها أو يروج لها إما أن ترفعه إلى درجات الصديقين والشهداء وإما أن تهوي به سبعين خريفا في النار. قال  : ” وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا تهوي به سبعين خريفا في النار” فكيف بالذي يصنع الكلمات ويتعمدها لهدم الدين وتدمير الأعراف وتمييع الأخلاق.

وأدعو جميع القراء والمتتبعين أن يستعرضوا كثيرا مما يعرض على القنوات والإذاعات وما ينشر على صفحات المجلات والجرائد مما تخطه أيدي أبناء المسلمين، إذا فعلوا ذلك وتتبعوه بالعين الفاحصة والنافذة على معيار التقوى المتوخاة من الصيام وعلى ميزان المسؤولية الملقاة على عاتقهم لإرشاد الرأي العام وتنويره لفشلت جل المنابر في هذا الامتحان إلا ما رحم ربي بل لن يكون لها نصيب من الاحترام والتقدير لأنها حادت عن الصراط المستقيم وسلكت سبلا تعتمد تحريف الحقائق وبث الفتنة وتأليب السلطات والأفراد بل والمجتمعات وتعتمد تزيين المنكر والدعوة إليه وفي المقابل مهاجمة الحق والفضيلة والتحريض على المخلصين. لقد وجهوا همهم للنيل من المقدسات الدينية لإرضاء الأعداء والمتربصين بالإسلام الدوائر.

إن الإعلام أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة فهل يعي هذا الأمر المشتغلون بالإعلام وهم يصومون رمضان بل وهم في العشر الأواخر  إنها فرصة كل التائهين والغافلين للتوبة فإن آخره عتق من النار وإن آخره فرصة ثمينة للتوبة النصوح التي تعيد للإعلام صورته الحقيقية.

إن الانسان العاقل يحسن استثمار الفرص المتاحة وينتهز اللحظات السريعة في حياته العادية فكيف وأمة الإسلام محاطة بالأخطار التي ليس لها من دون الله كاشفة وليس لأهل الإسلام اليوم من خلاص إلا أوبتهم إلى ربهم ووقوفهم ببابه في هذه العشر الأواخر. وخصوصا أصحاب الإعلام الذين أساؤوا للمسلمين بذلك الكم الهائل من الانتاجات والاصدارات التي لا تمت إلى ثقافة المسلمين وهويتهم بصلة والتي أكسبتهم أوزارا وذنوبا لا يغفرها إلا عمل صالح وتوبة نصوح في أيام كهذه.

إنه شهر القرآن والله تعالى يقول {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(الإسراء : 9) فالفرصة مواتية لإعادة الاعتبار للقرآن المغيب وجعله يتصدر البرامج التلفزية والإذاعية وجعله مضمارا للمدارسات والاستنباطات على صفحات الجرائد والمجلات. فإذا كان الناس قد ضلوا فإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، إنه كلام الله تعالى.

أما إذاكان الناس قد مات فيهم كل ما يربطهم بهذا الدين العظيم، فإن الله تعالى يقول : {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس}(الأنعام : 122) وهذه فرصة الحياة.

وإذا كانت الهزيمة قد تسربت إلى بعض قياداتنا وحكوماتنا، فرمضان من خلال القرآن الكريم يعلمنا كيف نحقق النصر وكيف يتأتى الفتح على أيدي الصائمين والقائمين وتاريخ المسلمين في رمضان يعلمنا كيف صان المخلصون جوارح إخوانهم وحقوقهم وديارهم. والله تعالى يقول : {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}(محمد : 7).

> لقد انتصر المسلمون وصلح حالهم عندما طلبوا التقوى في مدرسة الصيام وطلبوا الهداية في كتاب ربهم وجعلوه منبعاً للحياة ونصروا ربهم فنصرهم على أهوائهم أولا وعلى أعدائهم ثانيا. وانتصر المسلمون يوم تمسكوا بهويتهم وبالهدف الذي وجدوا على الأرض من أجله فاستقاموا وثبتوا في وجه المحن وقاتلوا وجاهدوا حتى انتصروا.

> انتصر المسلمون باستعصائهم على الباطل وببيعهم أنفسهم لمقاومة الباطل وإعدادهم وتأهبهم وبتجهيز السلاح الذي لا يقاوم إنه سلاح رمضان، سلاح قيام الليل، سلاح الجود والكرم، سلاح المحبة بين المؤمنين.

ونحن أهل هذاالزمان نعيش هذه الحياة فيشتد بنا الشوق والحنين إلى المورد العذب والصافي وتتطلع أشواقنا لتحقيق تلك الانتصارات وتكرارها عاماً بعد آخر، ولنسترجع ذكريات الفتوحات فتجدد عزائمنا وتشحذ هممنا في رمضان ذلك الشهر العظيم والضيف الكريم.

ونحن نتأمل النتائج المرجوة من شهر التوبة والغفران علينا أن نحاسب أنفسنا ما الذي فعلناه لانقاذ أنفسنا من النار؟ وما الذي فعلناه حتى تستيقظ أمتنا من سباتها العميق؟ وماذا فعلنا حتى نخرج أمتنا من أزمتها؟ وماذا فعلنا حتى نعيد لها عزها المسلوب؟. وقد تهدمت جل أركانها وهوت أعمدتها وحصل ما أخبر به الرسول الكريم  فتداعى الأكلة على قصعة الأمة. علينا أن نحاسب أنفسنا أفراداً وجماعات زعامات وأتباعاً قيادات وأجناداً أين نحن من تطبيق الشريعة الإسلامية؟ وأين نحن من العمل لتوحيد الأمة وجمع كلمتها؟

إن تحكيم الشرع والحرص على أداء الفرائض ومحاربة المنهيات والمحرمات وتعاون الدعاة وحملة الدين وتآخي المسلمين واجتماعهم وإجماعهم على كلمة سواء هو السبيل إلى النصر، أسوتهم في ذلك سلفهم من الصحابة رضوان الله عليهم عندما طلب منهم رسول الله  أن يشيروا عليه وهو قائدهم الأعلى حين عزموا على مقاتلة المشركين في غزوة بدر الكبرى فكانت الاستجابة وكان الإجماع مهاجرين وأنصاراً >امض يا رسول الله لما أمرك الله، فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غذاً، إنا لصبرٌ في الحرب صُدُق في اللقاء لعل الله يُريك منا ما تقر به عينك<. بهذه الروح تحققت انتصارات المسلمين في بدر الكبرى في رمضان، وبهذا الاستعلاء وبهذه العزة انتصر أجدادنا في عدة مواقع في رمضان على الخصوص، بل وفي غيره من الشهور :

فاسألوا التاريخ عنا      كيف كنا يوم كنا.

هذه أيام رمضان ولياليه تنادينا وترغبنا إلى العودة والتوبة إلى الله عز وجل والسمو على الشهوات التي تجد بنا إلى الأرض.

هذه ليالي رمضان وأيامه توفر لنا سبل جمع الشمل والتوحد في الصف، وسبل النصر على الأعداء.

هذه ليالي رمضان وأيامه توفر لنا سبل العودة إلى المكانة اللائقة بين الأمم.

فمتى نستجيب ويستجيب أولئك المتخاذلون؟

لتكن العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم، شهر الجهاد، شهر البراءة مما يفعَل أعداء الأمة والتوبة النصوح إلى الله والبذل والجود بكل ما تملك النفس من أجل قضايا الأمة ونصرة المستضعفين.

اللهم ارزقنا التقوى وحسن القول والعمل دائماً وجنبنا القول الفاحش وشهادة الزور فيما نقول ونكتب واهدمن سلكوا طريق الغواية والترويج للفواحش والمنكرات إلى طريق الحق والصواب.

عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *