الصيــام والقــرآن


خطبة منبرية

أما بعد :

إخوة الإيمان : كلما دخل علينا شهر رمضان المبارك تجد الناس مقبلين على قراءة كتاب الله عز وجل أكثر من أي وقت مضى، وحُقَّ لهم أن يفعلوا ذلك، لأن هذا الشهر اقترن دائما بالقرآن، فهو الشهر الذي أنزل فيه ذلك الكتاب العظيم، وهو الشهر الذي كان ينزل فيه جبريل عليه السلام على رسول الله  لمدارسة القرآن.

واقتران رمضان بالقرآن له صلة بفرض الصيام فيه، فالصوم من أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية الحاجبة عن رؤية الأنوار الإلهية المبثوثة، والمنتشرة في القرآن، ولهذا فإن المناسبة والصلة بين الصوم وبين نزول القرآن عظيمة والآيات تشعر بأن من أعظم مقاصد الصوم تصفية الفكر لأجل فهم القرآن فبعد الحديث عن فرضية الصيام {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} جاء بعدها مباشرة الحديث عن تنزل القرآن في رمضان {شهررمضان الذي أنزل فيه القرآن} ليكون شهر رمضان مخصصا بالصيام لأجل القرآن، ومن هنا كان رمضان، وكان الصيام لأجل القرآن، فلا عجب بعد ذلك أن يقال عن رمضان شهر القرآن ، وقد فهم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم هذا المعنى جيدا، ووعوه وعلموا أن وظيفة رمضان الكبرى هي الاعتناء بالقرآن والقيام بالقرآن حفظا وفهما وتطبيقا، وعلموا أن وظيفة رمضان الكبرى هي الاعتناء بالقرآن، إلا أن بعض الناس في  هذا الزمان عكسوه فجعلوا وظيفة رمضان تتجسد في أنواع من الشهوات الحلال منها والحرام، جعلوا شهر رمضان مضمارا للسباق إلى كل ما يرضي الشيطان، ويغضب الرحمان، فالمآكل والمشارب تتنوع حتى أصيب الناس بالتخمة، وحفلات المهازل والغناء والرقص والتمثيل تزداد شراسة في رمضان ويتبارى أصدقاء الشيطان وأولياؤه في جلب أكبر عدد من الناس إلى مصايدهم وحبائلهم وحولوا شهر القرآن والصيام إلى شهر الفكاهة والضحك والمزاح.

لقد قال العلماء : ينبغي أن يكون قلب الصائم بعد الإفطار وأثناء الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء، إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين، أو يرد عليه فهو من الممقوتين! وليكن كذلك في أخر كل عبادة يفرغ منها، وقد رُوي عن الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال : إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف قوم فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون.

أيها المؤمنون : سئل الإمام الزهري رحمه الله عن العمل في رمضان فقال : “إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، ونقل عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله أنه كان إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات غير الواجبة وأقبل على تلاوة القرآن، وحكى ابن عبد الحكم عن الإمام مالك رحمه الله أنه كان إذا دخل رمضان فر من مجالس العلم وأقبل على تلاوةالقرآن من المصحف، هؤلاء هم الذين فهموا رسالة الصيام ورسالة القرآن.

والمعنى الذي ينبغي أن يفهمه الناس ونحن نتحدث عن تلاوة القرآن الكريم في رمضان وفي غير رمضان هو أن نوقن بأن التدبر وتفهم معاني كلام الله هو مقصود تلك التلاوة، ولذلك جعل ابن القيم رحمه الله أول سبب من الأسباب العشرة الموجبة لمحبة الله قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أُريد به كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه”.

قال الحسن ابن علي ] : “إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار، ولهذا ذُم الغافل عند تلاوته للقرآن، قال أنس ] رب تال للقرآن والقرآن يلعنه، وقال بعض الصالحين : إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم، يقول : ألا لعنة الله على الظالمين” وهو ظالم، ويقول : لعنة الله على الكاذبين” وهو منهم.

قال عبد الله بن مسعود ] : أنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا، إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يُسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به.

أيها المؤمنون : إن من نعم الله علينا أن أذن لمخلوقات ضعيفة مثلنا أن تناجيه وتبحث في كتابه وتتدبر معانيه.

قال الإمام المحدث ابن الصلاح رحمه الله : “قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك، وأنها حريصة على استماعه من الإنس ذكره جلال الدين السيوطي.

ومع امتنان الكريم المنان سبحانه على عباده بالإذن في مناجاته والنظر في كلماته، فقد امتن عليهم بأن أعطاهم أعظم المنازل على ذلك قال تعالى : {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور”.

وقد اصطفى الله تعالى لنفسه أهل كتابه التالين له والعاملين به فجعلهم أهله وخاصته، أخرج النسائي وابن ماجة بإسناد صحيح عن أنس ] قال : قال رسول الله  : إن لله أهلين من الناس ” قال : ومن هم يا رسول الله؟ قال : “أهل القرآن هم أهل الله وخاصتُه”.

والقرآن العظيم فضلا عن كونه ينفع صاحبه إذا عمل به فإن خيره يتجاوز إلى غيره من أهله وعشيرته، أخرج الترمذي وابن ماجة بإسنادهما عن علي بن ابي طالب ] قال : قال رسول الله  من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله به الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار.

إن اهتمامك أخي الصائم بالقرآن في رمضان تلاوة ومدارسة ينبغي أن يكون بداية لتصحيح المسار مع القرآن في السنة كلها حتى تكون مع أهله الذين هم أهل الله وخاصته، وحتى لا تكون من المهاجرين له المستجلبين غضب ربهم وشكوى رسولهم وخراب أجسامهم، فقد ثبت في الحديث أن الجسم الذي ليس فيه شيء من القرآن فهو كالبيت الخرب، والبيت الخرب لا تسكن فيهإلا العناكب و البوم، والجسم الذي ليس فيه شيء من القرآن هو مأوى  الشياطين والأهواء والشهوات.

نسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بنور القرآن، ويطهر أجسامنا من الذنوب والآثام.

آمين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية :

إخوة الإيمان : إذا كان الله عز وجل قد أعطى الثواب الجزيل لقارئ القرآن ولسامعه، فينبغي لهذا القارئ أن يتخلق بالآداب الشرعية عند  تلا وته لكتاب الله حتى  ينال الفضل من الله.

وسأقتصر على  البعض منها نظرا لكثرتها. فمن حرمة القرآن ألا يمسه إلا طاهرا، ومن حرمته أن يقرأه وهو على طهارة، ومن تعظيمه إذا تثاءب أن يمسك عن القراءة لأنه إذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج والتثاؤب من الشيطان، ومن حرمته  إذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام لآدميين من غير ضرورة، ومن الأفضل أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه، لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ منه في البدء، ومن حرمته أن يقرأه على تؤدة وترتيل ليحصل له النفع. قال ابن عباس ] لأن اقرأ البقرة وآل عمران وأرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة، (والهذرمة هي السرعة في الكلام).

ومن حرمته أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به، ومن حرمته إذا قرأ في المصحف أن يكون على شيء مرتفع إما في حجره وإما على خشبة أو غيرها وألا يدعه منشورا وألا يضع فوقه شيئا من الكتب أوغيرها حتى يكون أبدا عاليا على سائر الأشياء، ومن حرمته أن لايترك يوما من أيامه من النظر ولو مرة في المصحف، كان أبو موسى الأشعري يقول : إني لأستحيي ألا أنظر كل يوم إلى عهد ربي مرة، هذه فقط بعض الآداب يجب أن نتحلى  بها عند قراءتنا لكتاب الله  وسنكمل الباقي في فرصة أخرى  إن شاء الله.

نسأله تعالى  أن يجعلنا جميعا ممن يقرأ القرآن فيرقى وأن لا يجعلنا ممن يقرؤه فيشقى. اللهم اجعلنا ممن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، واجعلنا يا رب ممن يحل حلاله ويحرم حرامه ويلتزم بآدابه وأحكامه.

اللهم إننا عبيدك وأبناء عبيدك وأبناء إمائك نواصينا بيدك ماض فينا حكمك عدل فينا قضاؤك نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وضياء أفئدتنا وجلاء همومنا وأحزاننا.

اللهم ذكرنا منه ما نُسّينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما.

اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا واحشرنا في زمرة خير الأنام.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين آمين.

ذ. محمد الريحاني

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *