استحضار الأمجاد لاستنباط شروط العودة وتحقيق الانتصار الحضاري


إن لكل أمة من الأمم تاريخاً تستمد منه مدنيتها وحضارتها وتبني عليه حاضرها ومستقبلها، وتربي عليه أبناءها وتكون به شبابها، وتصنع به رجالها، وللإسلام ماض مليء بجلائل العبر، وتاريخ حافل بالأحداث العظيمة التي لو درسها المسلمون دراسة حقة ونشأوا عليها أبناءهم  تنشئة عالية، لعرفوا كيف يشقون طريقهم في الحياة، وكيف يتبوأون مكانهم في الوجود، وكيف يسترجعون عزهم ومجدهم.

وإذا كان لرمضان المبارك فضائل روحية واجتماعية، فإنه يبقى محطة أساسية ينبغي أن يقف عندها المسلمون من أجل استحضار مجدهم التليد، واستنباط شروط العودة، وتحقيق الانتصار الحضاري، سيما وأن شهر رمضان، هو شهر لصناعة الرجال الأبطال الشجعان الذين يحققون النصر على النفس والهوى والشيطان، ويعلون كلمة الحق ويشعون نور الهدى والإيمان لإزهاق الباطل وكسر شوكة الضلال والطغيان.

لقد عرف هذا الشهر الكريم أحداثا عظيمة، وانتصارات كبرى، تجعل منه ذاكرة حية لا تموت أبدا، ومنها غزوة بدر الكبرى التي وضعت حدا لاستكبار كفار قريش، وأعطت الضوء الأخضر لعهد الريادة والسيادة الإسلامية. قال تعالى : {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}(آل عمران : 123). وغزوة بدر هي أول غزوة غزاها رسول الله   بعدما تكالب عليه كفار مكة ومشركوها، وأعدوا لقتاله أكبر عدة، فخرجوا لمواجهته بجيش كثير العدد والعتاد، فلم يجد الرسول  بدا من لقائهم، ولا مناص من قتالهم، وخرج إليهم مع أصحابه رضوان الله عليهم، وهم يومئذ قلة ضعفاء، تصحبهم قوة الإيمان وصدق اليقين، قال تعالى : {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون}(الأنفال : 26). وفي هذه المعركة هزم اللهالمشركين وقُتِل منهم عدد كثير، وعلى رأسهم أبو جهل، وأسر منهم عدد كثير، وجُعلت أموالهم غنيمة للمسلمين في هذا اليوم المشهود، وهو اليوم الذي سماه القرآن بيوم الفرقان، قال تعالى : {واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. والله على كل شيء قدير}(الأنفال : 41). ومنذ ذلك الحين أقيم صرح الإسلام شامخا، وارتفع صوته عاليا في كل أنحاء المعمور على يد رجال عظماء أبطال رباهم رسول الله  في حياته فكانوا خير جيل أنجبته الرسالات خُلقا وكمالا وجلالا، وكانوا مصابيح الهدى في كل عصر وملاذ الشعوب في كل جيل، وأئمة الناس في ما يُصلح شؤونهم من أمور الدين والدنيا، ومن العلم والحكمة، ومن الأدب والفضيلة، ومن الكفاح والنضال والجهاد، ومن البذل والعطاء والفداء.

إن انتصار المسلمين في غزوة بدر يعد انجازا عظيما حققه جيل الصحابة رضوان الله عليهم  بقيادة رسول الله  مستمدين العون كل العون والسند كل السند والمدد كل المدد من الله تعالى حيث دعم صفوفهم وقوى جانبهم وآزرهم بألف من الملائكة وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، فمنهم من كان يقاتل بالفعل في صورة رجال ومنهم من كان يثبت قلوب المؤمنين حتى يصبروا على القتال والجهاد، قال تعالى : {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم. إذ يُغشيكم النعاس أمنة منه ويُنزِّل عليكم من السماء ماءً ليطهِّركم به ويُذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبِّت به الأقدام، إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا}(الأنفال :9- 12).

كيف لا يمد المولى سبحانه عباده المؤمنين وجنوده المخلصينبنصر من عنده وقد بات الحبيب المصطفى سيدنا محمد  قائما يناشد ربه ما وعده من النصر، داعيا متضرعا مناديا خاشعا، ويقول فيما يقول : >اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض<. ويهتف بربه عز وجل، ويقول : >اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك<. ويرفع يديه إلى السماء في خشوع حتى يسقط من على منكبيه الرداء؟!. كيف لا ينصرهم من هو نعم المولى ونعم النصير، وقد قضوا حياتهم وأفنوا أعمارهم وجَدّوا واجتهدوا وجاهدوا في سبيل إعلاء كلمة الله، وفي سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل؟!، كيف لا ينصرهم سبحانه وهو حسيبهم ووكيلهم، وقد عرفوه في الرخاء فكيف لا يعرفهم في الشدة؟!. كيف لا يتحقق الوعد الرباني بالنصر المبين لثلة من العباد المؤمنين والجنود الصالحين الذين نصروا ربهم بالإعراض عن الشهوات والإكثار من الصلوات، والإقبال على الطاعات، والتضرع إلى الله بالدعوات، والتقرب إليهسبحانه بكل القربات؟!، لقد نصروا الله فنصرهم مصداقا لقوله تعالى : {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}!!. كيف لا يتحقق هذا النصر وقد وقعت هذه المعركة في هذا الشهر الكريم شهر رمضان الذي ينتصر فيه المسلمون على النفس والهوى والشيطان والذي يشع فيه نور الهدى والإيمان؟!. أفلا يكون هذا الشهر الكريم مناسبة لكسر شوكة الضلال والطغيان؟!.

ليس غريبا أن يحقق المسلمون هذا الانتصار العظيم بعدما باعوا أنفسهم وأموالهم لله عز وجل وأخلصوا كل أعمالهم له وحده دون غيره، واجتمعت قلوبهم على كلمة التقوى، واعتصموا بحبل الله وتمسكوا بدينه، وأقبلوا عليه بصدق تام  ويقين كامل.

ثبت أن الرسول  استقبل رجلا من صحابته اسمه حارثة بن سراقة فقال له : “كيف أصبحت يا حارثة؟” فقال حارثة : ” يارسول الله أصبحت مؤمنا”، فقال رسول الله  : >يا حارثة انظر ما تقول، فإن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟< فقال: >يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وجعلت الصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن يساري، وملك الموت خلفي، فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة وهم يتزاورون فيها، وإلى أهل النار وهم يتعاوون فيها< فقال له الرسول  : >عرفت فالزم< فقال : “يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني الشهادة في سبيله، فقال الرسول  : >اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك<. فلما كان يوم بدر جيء به صريعا، فوضع الرسول  رأسه على ركبته وقال :>أهو، هو؟< فقالوا : >نعم، ومازالت رأسه على ركبة رسول الله  حتى فاضت روحه فقال الرسول  :>لقد صدق اللهَ فصدقه اللهُ<.

وثبت أيضا أن النبي  ظهر للناس يوم الفرقان، فحرضهم على القتال وقال : >والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيًُقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة.” فقال عمير بن الحُمَام أخو بني سَلَمَة، وفي يده ثمرات يأكلهن : “بخ، بخ ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل رضي الله عنه وأرضاه<.

هذان رجلان من رجال أهل بدر الذين فازوا بأكبر فضل وأعظم شرف، رجال عظماء استمدوا عظمتهم من نبي الإنسانية ومثلها الكامل وقدوتها الكريمة سيدنا محمد  الذي توحدت فيه النبوة والعظمة، فكانت عظمته  نورا من الأرض يتصل بنور النبوة من السماء، فاللهم صل على سيدنا محمد في الأولين، وصل على سيدنا محمد في الآخرين ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، الذين سجل التاريخ اسمهم في صفحات الخالدين، اللهم ارزقنا محبتهم، واجعلنا على نهجهم سائرين واحشرنا في زمرتهم، واجمعنا وإياهم بحبيبك ونبيك ورسولك الكريم في جنات النعيم.

ليس الخلود أن يتحدث التاريخ عن الخالدين أمثال هؤلاء، وكفى،أوأن يستمع الإنسان إلى قصصهم وحكاياتهم وبطولاتهم في مثل هذه المناسبات ثم ينتهي الأمر وينسى الحدث، ولكن الخلود أن تسري أرواحهم في الأحياء المتعاقبين، وأن تعمل أخلاقهم عملها في كل عصر على مر التاريخ، ولن تجتمع هذه الصفات في عظيم من عظماء التاريخ كما اجتمعت لرسول الله  الذي صنع للإسلام رجالا شجعان في حياته وربى المؤمنين الأبطال بعد وفاته بروحه وشريعته.

فما أروع سيرتك يا رسول الله وما أعظم بركتها، إنها المدرسة الإلهية لكل قائد وزعيم.. أنت المثل الإنساني الكامل، والقدوة التامة لكل من أراد أن يقترب من الكمال في أروع صوره.

فما أحوجنا -نحن المسلمين- اليوم إلى دراسة ماضينا البعيد المشرق، وما أكثرنا حاجة إلى تفهم ديننا الحنيف، وإلى الاقتداء بسنة سيدنا محمد ، ودراسة سيرته العطرة بأيامها ولياليها، وبكل لحظة فيها، فكم في حياته  من أيام مشهودة وليال معدودة ومواقف محمودة، وحينها سندرك نحن المسلمين أننا نحمل رسالةسامية تتوخى إحياء روح الإسلام في جميع مجالات الحياة التربوية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأن تسير كل الجهود الفردية والجماعية في اتجاه إشاعة نور الإيمان واليقين لإحداث التغيير المحمود وتحقيق الانتصار المنشود حتى يشق المسلمون طريقهم في الحياة، ويتبوؤوا مكانهم في الوجود.

ذ. عبد الله بلحاج

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *