كيف نتأهل لدخول مدرسة رمضان


مما لاشك فيه أن الانسان إذا عَمِل أعمالا أو اجتمع إلى أشخاص، أو زار أمكنة، واستشعر أثناء ذلك أنه لن يعود إليه مرة أخرى، فإن هذا الشعور يضاعف في نفسه شعوراً آخر بضرورة اغتنام تلك الفرصة التي قد لا تتكرر، ولهذا فإن الصحابة رضوان الله عليهم لما استمعوا من النبي  إلى موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، واستشعروا عمقها وشمولها، قالوا : >كأنها موعظة مودِّع فأوصنا< فاغتنموا فرصة الوداع للانتصاح بوصية قد لا تتكرر مناسبتها ولما حج النبي  حجة الوداع، وأحس أنه لن يلقى أُمَّتَهُ في مثل ذلك الجمع في الدنيا مرة أخرى، جمع لهم من النصح في كلمات، ما تفرق خلال دعوته في عقود وسنوات، قائلا : (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) إن هذا يدل على أن استشعار لحظة الوداع يعطي دافعاً قد لا يتوفر في عدمه، ومن هنا ندرك السر في نصيحته  لأحد الصحابة عندما قال له : >إذا أقمت في صلاتك، فصل صلاة مودع<.

إن الرسول   يعلمنا بهذا الهدي والله أعلم كيف نتخلص من آفة تَحَوُّل العبادة إلى عادة، فلماذا لا نستحضر روح الوداع في عباداتنا كلها، خاصة وأننا إلى وداع في كل حين؟

سيحل بنا شهر رمضان ضيفا مضيافا يكرمنا إذا أكرمناه فتحل بحلوله البركات والخيرات. يُقْدِمُ علينا، فيقدم إلينا أصنافا من النفحات.

ضَيْفٌ لكنَّهُ مُضيف. وربما يكون الواحد منا في ضيافة رمضان للمرة الأخيرة.أايها المشتاقون إلى الجنان الخالدة أيها المتطلعون إلى النعيم المقيم.

أيها النادمون على ما فات من مواسم الخير والطاعة ها هي أَنْسام الخير قد أقبلت، فهل من مشمر يرجو الجنة؟

ها نحن نعيش أيام شهر شعبان وهو قنطرة إلى رمضان. فهل نستفيد من هذا الشهر العظيم الذي ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين.

وهل نتأهل في هذا الشهر لدخول مدرسة رمضان؟

عن أسامة بن زيد ] قال : قلت : يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال : ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان. وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.

هذا شهر شعبان وهذا قول رسول الله  فيه فكيف يمكن أن نستفيد منه حتى يكون دافعا لمزيد من الطاعات والخير في رمضان إنشاء الله.

– أولا يجب أن نوقظ قلوبنا وذلك بالمحافظة على الفرائض والتقرب إلى الله عز وجل بالنوافل وبالخشوع في الصلاة والتفكرفي خلق الله.

– قراءة الكتب والاستماع إلى أقوال العلماء حول عظمة الله تعالى، والجنة ونعيمها، والإكثار من الذكر، والتوبة.

– قراءة القرآن وأن نحاول ختمه مرة على الأقل قبل رمضان.

– علينا أن نحاسب أنفسنا على العام الماضي.

– علينا أن نتوجه إلى المولى عز وجل بالدعاء حتى يعيننا على فعل كل ذلك ويثبتنا عليه.

– هذا وقت مناسب جدا للإقلاع عن التدخين والنميمة، والكلام الساقط والألفاظ النابية ولنحرص على الصيام والقرآن.

– ليحرص كل من عليه دين من رمضان الماضي وخصوصا النساء والرجال الذين أفطروا أياما من رمضان بسبب عذر شرعي أو النساء اللواتي أفطرن بسبب الحيض أو النفاس (لم يبق لرمضان إلا أيام قلائل فلنحرص جميعا على قضاء الدين).

– ليكن حرصنا كبيرا على صلاة الفجر في وقتها.

– ولنتدرب على قيام الليل ولو(ركعتين قبل النوم) في البداية ولنجاهد بعد ذلك أنفسنا على القيام قبل الفجر بنصف ساعة والذي لا يحفظ القرآن يمكنه أن يصلي وهو يقرأ من المصحف.

– وليكن حرصنا على السنن الراتبة قبل الصلوات وبعدها. وصلاة الضحى والوتر.

– وليكن حرصنا شديدا على تنظيم برنامجنا الغذائي ليكون صحيا وذلك حتى يكون رمضان كما أراده الله تعالى شهرًا له، لا للطعام واللعب.

– لنحرص على صلة الأرحام ولنعطها حقها الكامل فالوسائل ولله الحمد متوفرة في هذا الزمان ولا حجة لنا أمام الله تعالى. فوسائل النقل متوفرة. والهاتف متوفر والانترنيت ميسر.

– لتكن هدايانا في رمضان مفيدة ولا نقتصر فيها على الطعام.

– لنبحث على أصدقائنا ولنتصل بهم وليكن حديثنا مع الجميع حول رمضان والاستعداد له.

– لتكن أيامنا هذه أيام توبة واستغفار.

– لِنَتُبْ عن جميع ما فات ولنبدأ صفحة جديدة مع الله.

– لنكثر من الاستغفار والدعاء أن يبلغنا الله تعالى رمضان ويعيننا على الطاعة فيه وأن يتقبله منا.

– لندخل السرور على أطفالنا وذلك بتزيين البيت ابتهاجا برمضان. فإذا كان الكفار يحتفلون برأس السنة الميلادية فإنه أولى بنا أن نحتفل نحن بشهر رمضان شهر القرآن ولنجتهد جميعا أن نستفيد من رمضان اقصى استفادة ممكنة لزيادة الأجر، وحصول المغفرة.

لقد كان سلفنا الكريم يترقبون الشهر متمنين تمامه لإتمام صيامه وقيامه متقلِّبين في أيامه بين الطاعات والعبادات فكان من دعائهم، كما قال يحيى بن أبي كثير : (اللهم سلمنا إلى رمضان وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلا).

وكانوا ـ كما قال معلى بن الفضل ـ يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.

إن هذا الاستعداد الصادق لاستقبال الشهر وحسن ضيافته، يدل على قلوب حية، تفهم عن الله كلماته في تعظيم الشهر وتأخذ عن الرسول  هديه فيه، يقول بن رجب رحمه الله تعالى : (بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه)، ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما.

فقد رُئِي في النوم سابقا لهما، فقال النبي  : >أليس صلى  بعدهما كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه، والذي نفسي بيده، إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض<(أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة وصححه الالباني في صحيح ابن ماجة).

اللهم بلغنا رمضان وأعنا على الصيام والقيام وتقبل مناصالح الأعمال يا ذا الجلال والإكرام.

عبد الحميد الرازي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *