تفسير سورة الطلاق


7- آداب الإمساك والتسريح في الاسلام

الطلاق مرحلة حساسة في حياة الإنسان، إنها مرحلة الفراق ووضع حد للعلاقة الزوجية وفق قواعد الشرع الحنيف حتى تسير الأمور منضبطة كما كانت في مبتدئها أي حين التقى الرجل مع المرأة، وهي مرحلة تحمي الزوجين من التوغل في الخصام والشدة والعنف والشر لأن فراقهما هو أيضاً من قدر الله وقضائه، وربما كانت الحياة غير ممكنة في هذه المرحلة، فالانسان كما قبل اللقاء الجميل عليه كذلك أن يقبل الفراق الجميل، فراقاً لا يخلف نتائج ضارة قد تنعكس على الأولاد أو الأسر المتصاهرة.

في هذا السياق تواصل السورة الحديث عن حيثيات هذا الطلاق حيث يقول عز وجل : {فإذا بلغن أجلهن..} أي إذا طلقت هذه المرأة وبقيت في بيتها واستمرت المودة والعلاقة بينهما وبين زوجها، فالآن بلغت المرأة الأجل أي صرحت بأنها أحصت عدتها وتوشك أن تخرج من تلك العدة، فلابد من موقف جديد، إما أن نتدارك هذه الأسرة ونَلْحَقها فنعيد الأمور إلى ما كانت عليه بتدخل أهل الفضل والخير ويصلحون ما بين الزوج والزوجة، وإما أن يتم الفراق بالحسنى.

ويقول كذلك {أمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} يضع القرآن هذا الخيار أمام الزوج لكن في جميع الحالات كتاب الله تعالى يقدم الإمساك على الفراق {فأمسكوهن} كأنه هو الأوفق والأقرب إلى رضا الله تعالى، فعلى الإنسان ألا يكون نزاعاً إلى الفراق إلا حين يكون ضرورياً لا محيد عنه.

وكلمة (الإمساك) لا تعني فقط مجرد الاستبقاء وإنما تفيد نوعاً من الحرص {أمسك عليك زوجك} أمسكت بالشيء وتمسكت به أي بخلت به على الغير أو آثرته وأحببت أن يكون بيدي، فالامساك ليس مجرد القبض على الشيء وإنما الاستئثار به وعدم التفريط فيه، فالإمساك هنا إذن فيه معنى العطف على الزوجة والأسرة، والإمساك بالمعروف معناه على أساس أن يجدد معها حياة جديدة ويطوي الصفحة القديمة وألا يجعل ما مضى سبباً للمن عليها، وألا يكشف عورتها ويفضحها، أي يرجعها على نية حسنة هي نية التجديد وإلا فالعرب كانوا يفعلون هذا الأمر، كان الرجل يطلق زوجته ويبينها منه، وهي تحصي عدتها حتى إذا قاربت عدتها على النهاية أعادها إلى عصمته من جديد وراجعها لا بقصد الاستبقاء وإنما بقصد العقوبة والنكاية بها. فيرجعها ولا يصلها ولا يرتبط بها، ثم يطلقها مجدداً حتى إذا أوشكت عدتها أن تنتهي أعادها ومازال الرجل يطلق ويراجع إغاظة للمرأة وتعذيباً لها، ولم تكن المرأة تستطيع أن تتخلص منه لأن العدة لا تصل ولأن العدد غير محدد، لذلك ضبط الشرع هذا الأمر فحدد العدد، وأصبحت المرأة حرة بعد الثالثة.

لا يمكن أن يحصل هذا إلا في ظل التوجيه الاسلامي، في ظل غير التوجيه الاسلامي كثير من النساء متزوجات زواجاً صورياً أي أن للزوج حياة خاصة، عواطفه واهتماماته خارج بيته، في هذه الحالة المرأة لا تستطيع أن تطلب طلاقاً لأنه من الناحية الظاهرية لا ينقصها شيء، ولا تشكو من أي شيء، لكنها من الناحية الواقعية هي تشكو من كل شيء، ولا مخرج من هذا إلا بالرجوع إلى كتاب الله الذي يحرم جميع العلاقات الآثمة غير المشروعة ويضع الانسان في موضعه الذي يجب أن يكون فيه.

والمعروف هو ما تعارفت عليه الشريعة الاسلامية والطباع السليمة التي لا تتنافى مع الشريعة والعادات الطيبة التي تقرها الشريعة، وكل ذلك سَارٍ عند المعاشرة أو عند المفارقة.

كل مجتمع لابد أن تكون له بعض العادات في الفراق إما أن تكون بعيدة عن روح الاسلام فلا نقبلها وإما أن تصب في روح الاسلام فنقبلها. فمن العادات اقتسام أثاث البيت بين الزوجين عند الفراق، وهذه عادة (بالمعروف) نقبل بها. ومن العادات الحسنة في الجنوب المغربي هو إنفاق الرجل على المرأة حتى وهي بائن منه إذا لم يكن لها أهل وهو عرف حسن. والغريب أن الرجل الذي يريد أن يتزوج المرأة المطلقة يطلبها من زوجها الأول.

والمعروف في مثل هذه المواقف لا يكفي بل يجب أن ينتقل الانسان من المعروف إلى درجة الإحسان أي التعفف والارتفاع والاستعلاء عن شائن الأفعال.

فالمساواة مثلا التي يتكلم عنها البعض خطيرة جداً إذا صارت خلقاً، المساواة لا تعبر عن مستوى العلاقات الحميمية التي يجب أن تكون بين الرجل والمرأة، المسألة أكبر من المساواة، إنها التضحية والتواضع.. الأسرة يجب أن تقوم على أساس اللطف والتواضع والتضحية من أجل استبقاء هذه الأسرة.

عندما تعيش المرأة هذه الحقائق القرآنية التوجيهية يستبعد أن تفرط في بيتها باعتباره شيئاً ثميناً بل تضحي من أجل ذلك تضحيات جساماً.

ثم يدعو الله عز وجل إلى أمر عظيم جداً وهو الإشهاد {وأشهدوا ذوي عدل منكم} وهذه الآية عظيمة جداً تؤصل سبباً من أسباب الحياة الكريمة المطمئنة في المجتمع الاسلامي وهو : القيام بالشهادة، والإدلاء بالشهادة أمر تتوقف عليه حياة جميع المجتمعات.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *