6- حقوق الإنسان أفراداً وجماعات مصونة ومضمونة بأداء حقوق الله


حقوق الإنسان معترف بها ضِمن حقوق الله

توقفنا في العدد الماضي عند قوله تعالى : {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} وتبين هذه الآية أن هناك حقلا خاصاً هو حقل حقوق الله عز وجل. فكما أن هناك حقوقاً للإنسان أفراداً وجماعات فإن هذا لا يكفي لتستقيم الحياة، فلابد أن نجمع بين هذا كله وحقوق الله. أي إن حقوق الأفراد والجماعات يجب أن تقف عند حد محدود، هذا الحد هو اختراق حدود الله. إذا تدافعت هذه الحقوق  وهجمت على حقوق الله، فيجب أن توقف هذه الحقوق. أي أن الإنسان ليس حراً مطلقاً وليست حقوقه مطلقة يطالب بما يشاء فيُعْطَى ما يشاء، بل هناك أشياء ليس من حق الانسان أن يطالب بها أو يسألها، لأنه إن أُعْطِيها اختل كل شيء في الحياة، فالانسان له حق التعبير ولكن ليس له حق التعبير بالكفر وبالإساءة إلى المقدسات..

فالحقوق إذن مصونة ومحفوظة ومحصورة داخل نطاق ومجال أو حدود ألاتعتدي على حقوق الله، ألا ترون أن الغرب -مثلا- اتخذ حرية الانسان شعاراً فأعطى الإنسان ما سأل بدعوى أنه يريد أن يمارس وجوده.. فطالب الإنسان بأشياء كثيرة حتى صارت الحرية والحقوق كارثة ووبالاً عليه وصار مُدَمَّراً بسبب اختياراته، فوجب إذن إيقاف هذا الأمر وإعلان أن الإنسان حر في نطاق الحرية الإيجابية البناءة، الحرية التي تجعل الإنسان يسعى نحو الخير. فليس من الحرية أن يتعرى الرجل والمرأة أو أن يختلطا اختلاطاً غير مشروع، حتى أصبحت الحرية قرينة بأشياء الابتذال والتفسخ والرذيلة و…

الحريّة المتحررة من حدود الله وبال على أصحابها

ولذلك فمن يتجاوز حدود الله ومن لا يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية فإنه قد يؤذي الغير وقد يتسبب في مصائب للغير لكنه يؤذي نفسه أولاً وقبل كل شيء عاجلا أو آجلاً، لأنالذي يرسخ الفساد والمعصية لابد له أن يكون يوماً ضحية المعصية لأنه ليس هناك إنسان منعزل، مؤثر غير متأثر، المؤثر اليوم قد يكون متأثراً غداً، فهو الآن مُعْتَدٍ وغداً قد يكون ضحية، فمن زنا في بيتٍ بدرهم زُنِيَ في بيته بلا درهم.

فالله عز وجل يجعل الانسان أمام نفسه، إذن فمن اعتدى فإنما يعتدي على نفسه، والحقيقة أن شر العدوان وأقبح وجوهه أن يصير الانسان معتدياً على نفسه لأنه جزء من هذا المجتمع.

{فقد ظلم نفسه} : هذا الظلم له ساحتان ومجالان :

– الساحة القريبة هي هذه الحياة الدنيا.

– والساحة البعيدة هي يوم القيامة.

فالذي يعتدي وينصرف عن مشرع الله يضر بنفسه فيلوث البيئة والمناخ والأخلاق والمجتمع فيتنفس بذلك الذي لوثه، فهذه الحياة إذن تتعطل قيمتها وتذهب بهجتها حينما تعم فيها المعاصي؛ فلا حياة سعيدة مع وجود المعاصي أبداً. الانسان في الغرب مدجج بالسلاح، يستعمل أدق التكنولوجيات في مكافحة الجريمة ومع ذلك لا أحد يأمن على نفسه في المجتمع الأمريكي مثلا.

فالفساد الذي ظهر على مستوى العقيدة في المجتمع الياباني لم تمنعه القفزات المتقدمة في مجالات التقنية، فترون التقدم المادي المذهل مقابل الانحطاط الروحي المذهل، إنهم متقدمون لكن آلاتهم أفضل منهم : إنها حضارة الأشياء Civilisation des choses الأشياء تتقدم والانسان يندحر ويتراجع.

{وتلك حدود الله فلا تعتدوها}(البقرة).

إذن، فبعد الحديث عن المرأة يأتي الحديث عن حدود الله، كما تلاحظون، وحدود الله واسعة ولكن هذا المقام -مقام الطلاق- يحتاج فيه الإنسان إلى أن يذكر بالله لماذا؟

لأن المرأة تعيش مع زوجها في بيت ربما يظلمها وربما يتعسف في استعمالها وربما يسيء معاشرتها ومعاملتها، وربما يؤذيها.. هذه المرأة لا يمكن أن تكون دائماً موجودة في المحكمة دائماً تدعوه، ولا أن يكون معها دائما شرطي يحرسها..

الأسر والمجتمعات تصان بالتزام حدود الله

إذن فهذه العلاقة بين الزوج والزوجة لا ينفع فيها إلا التذكير بحدود الله، إذا لم يكن معنى حدود الله حاضراً داخل الأسرة فلا علاج أبداً.

الأسرة لا تبنى ولا تصان بالمحكمة أو الشرطة أو السجن فقط، الأسرة يجب أن تحمى بدين متين، فالذي يعرف ربه، له مع زوجته أحد موقفين :

إما معاشرة بمعروف وإما تسريح بإحسان فقط. والذي يجعله عند هذا الحد أنه يخاف الله ولا يخاف من هذه المرأة أنها ستنتقم منه أو… فضمانة المرأة إذن هي تدين زوجها، وحقوق المرأة كامنة في دين الزوج، لذلك إذا أرادت المرأة أن تسلم وتسعد فعليها أن تختار الزوج المؤمن المتدين. إذن فالدين هو الضمان الحقيقي لحقوق المرأة، لا نكاد نجد رجلا -فيمانعلم الآن- من المتدينين الذين قد تسوء علاقته مع زوجته، يجور ويقصد الظلم، أما الإنسان الذي لا دين له فإنه يمكن أن يذهب إلى نهاية الشوط إذا أراد أن يتعسف على الزوجة.

الناس يقعون ضحية المفاضلة بين صاحب الدين المعسر وصاحب المال غير المتدين، ومع الأسف الشديد ولأن الناس امتلكهم بريق المال وانبهروا به إذا بهم غالباً ما يختارون صاحب المال الذي لا دين له. وبعد مدة يتأففون ويتضجرون، فإذا بالمرأة التي تزوجت بزوج لسبب ماله لا هي سعدت بدينها ولا بزواجها.

إذن إن من شروط السعادة الزوجية واستمرارها مراعاة حدود الله من قبل الزوجين معاً لأن الحكم موجود ولأن الميزان موجود وهو كتاب الله الذي يرد الأشياء إلى نصابها.

{لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}

وهذا الكلام مرتبط بما سبق {لا تخرجوهن….} فرغم حدوث الطلاق لا يجب إخراج النساء من بيوتهن لضمان استمرار نوع من العلاقة حتى يمكن مراجعة المواقف، والعدة مناسبة كافية لزوال الأحقاد والضغائن وهدوء الأنفس.

{أمراً} بالتنكير وفي ذلك معنى التنويع والتعديد أي أمراً من الأمور،قد يكون مراجعة الإنسان نفسه أو عبارة عن تقلب القلوب، أو إحساس بمرارة حياة العزوبة بعد الزواج، أو… هناك أمور لا يمكن أن نضبطها. لذلك فالعدة مرحلة للتريث والتأمل رفقاً بالأسرة لأن الاسلام ليس نَزّاعاً إلى تفريق الأسر.

لذلك فالذين يطلقون ثلاث تطليقات دفعة واحدة فهم يقطعون هذا الخير.

{فإذا بلغن أجلهن} أي مضت العدة وانصرمت يبقى الرجل حينئذ بين اختيارين :

– إرجاع المرأة بقصد جميل أي أمسكوهن بمعروف.

– إنهاء القضية بقصد جميل أي فارقوهن بمعروف، مصداقا لقوله تعالى : {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.

{بلغن أجلهن} أي قبل أن تنتهي ثلاثة قروء أو ثلاث حيضات يمكن الإرجاع، أما إذا انتهت صارت الطلقة بائنة بينونة صغرى وهذا يقتضي الخطبة من جديد وصداقاً جديداً.. لذلك معنى {إذا بلغن أجلهن} أي إذا اقتربن (بلغن أي أوشَكْن) إذن فالفعل هنا يعني المقاربة وقد يعني الإرادة وقد يعني القدرة.

ونسبة البلوغ هنا إلى النساء {بلغن} على أساس أن المعتمد في العدة هي المرأة، فالعدة بالنساء والطلاق بالرجال.

د. مصطفى بنحمزة

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *