13-داعية أبيها


لمستها اليوم لكأنها لمست الجمر، احترقت حتى النخاع.. لمستها، فكيف سأرفع سبابتي لأردد الشهادتين؟! وكيف سأرفع يدي لتكبيرة الاحرام؟! وكيف سألمس المصحف؟! أي عذاب يجتاحني..؟! منذ صغري، وأنا آخذها ملفوفة لأسلمها للطارق.. هذا أمر أبي.. اليوم، رأيتها بأم عيني.. إنها هي… كما ظننتها دائما… أم الخبائث.. تبا للفقر! أريد أدوات مدرسية ولباساً وأكلا ودواء.. ماذا أقول لأبي؟! إنني بين أمرين : أمر ربي وأمر أبي… فيكف سأرضي ربي؟! وكيف سأنتشل أبي من براثن هذه المصيبة؟!.

أبي الذي يعمل حارساً لحانة بثمن بخس، بعد أن أفنى شبابه وصحته أمام نار فرن… كل يوم يتبرع صاحب الحانة على عماله بقنينتي خمر.. وبما أن أبي لا يسكر، فإنه يأتي بهما إلى البيت لبيعهما.. غالباً ما كنت أسلم “الأمانة” للطارق المشتري.. تعمدت مرة كسرهما، فاحت رائحة مقززة.. غضب أبي وصرخ: لقد ضيعت مصروف الغد… كيف سأنفق عليكم؟!.

غمغمت : انها حرام يا أبي! فقاطعني غاضبا : إذن، هات الحلال!

أعترف أن أبي حاول مراراً البحث عن عمل شريف يلائم حالته الصحية، لكنه يعود خاوي الوفاض.. فمن يشغّل كهلا نحيلا وقد نضب سوق العمل؟!

دعوت الله وألححت في الدعاء.. قلت لأبي باسمة : إنك من أهل الجنة إن شا ءالله يا أبي! نظر إلي شزراً ظنا منه أني أهزأ منه.. فاستطردت : نحن ثلاث بنات أحسنت تربيتنا وتعليمنا.. والرسول  يقول : >من سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة وكان له أجر كأجر مجاهد في سبيل الله صائما قائما<(رواه أبو هريرة).

ربت علي وقد ترقرقت عيناه الغائرتان بالدمع.. قبلت رأسه وكفيه وقلت له : أبي أبي أحبك، أنت أغلى ما في حياتي، لي أمنية واحدة : أن نكون معاً في الجنة..؟ صرت قرة عينه.. هداه الله بفضله تعالى.. تاب وعوضه الله خيراً.. أقلع عن التدخين أصبح قلبه معلقاً بالمسجد.. صرت أشاركه بعض اهتماماتي كأن أقرأ عليه كتاباً أو مقالا، أو نشاهد برنامجا تلفزيا، أو نخرج معاً إلى الطبيعة..

عجبا بنيتي، الفتيات في سنك يطلبن من آبائهن نقوداً ولباساً.. وأنت كنت تطلبين مني العمل للآخرة.. كان كل همي لا يتجاوز اللحظة واليوم، فجعلت حياتي رحبة ممتدة إلى السماء، يشع إيمانا وطمأنينة! باح أخيراً أبي.. وقد أسعدني بوحه!

لقد كسبت أبي بالحب والتقدير الكبيرين، ولم أخجل من التعبير له عن ذلك، لأن مشكلتنا -نحن الأبناء خاصة مع الآباء- أننا لانعبر لهم عن مشاعرنا تجاههم. كما كنت رفيقة معه في حواري، أحترمه وأقدر وجوده ودوره في حياتنا، أستمع إليه باهتمام؛ أشاركه همه لأنفِّس عنه، أبرّ به لأنال رضا الله عز وجل.

ذة. نبيلة عزوزي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *