من بصائر الذكر في القران


لعل التامل في موارد الذكر في القرآن الكريم، وعلى  الخصوص فيما يضاف فيه منها لفظ الذكر الى الله سبحانه مباشرة يفضي الى ان حقيقته انفعال نفساني بالاساس،يدرأ عن النفس الغفلة عن الله والسهو عنه ونسيانه جل وعلا .

وهو انفعال ينبغي ان يغمر قوى القلب والعقل في الإنسان حتى تثمر لديه ملكة التفكير في الخلق تسبيحا للخالق سبحانه.فيكون من اولي الألباب {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} كما ينبغي أن يكون حركة دائمة دائبة في النفس لما يفيده تعدد هيآت الذكر {قياما وقعودا وعلى جنوبهم }ولما يقتضيه الأمر الجاري على سبيل التوكيد مع طلب التكثير {اذكروا الله كثيرا}.

و{يذكرون الله كثيرا} في غير ماموضع من القرآن.اذ بهذا الذكر الكثير يصح الانتساب الى زمرة{ الذاكرين اللهكثيرا والذاكرات} فيكون العبد في مأمن واستبراء لدينه؛والا متى خفت حدة الذكر في القلب وخارت قوته كان المرء في حكم من يرعى حول حمى النفاق يوشك ان يواقعه؛ فيمخر الكسل عباب عبادته وينخر الرياء صدق اخلاصه فتكون حاله من ماصدق قوله سبحانه {واذاقاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله الا قليلا}.

حتى اذا ماانقطعت سبل علاج المرض وصار العبد حقيقة ممن قال فيهم سبحانه {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} هلكت ملكة الذكر في النفس فلم يعد ينفع معها ذكر ولا ذكرى {واذا ذكروا لايذكرون}.

وربما آل الامر الى ما هو أبشع وأشنع بحيث يعتري القلب اشمئزاز عند سماع ذكر الله {واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لايومنون بالاخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون} وهي حال والعياذ بالله تفضي بصاحبها الى ضنك العيش في الدنيا وعمى البصر  والبصيرة في الآخرة {ومن اعرض عن ذكريفإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى }وذلك كفاء نسيانه لخالقه ورازقه بنسيان آيات إحسانه ورحمته{قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}.

ولما كان أمر الذكر في الدين كذلك ؛نبه القرآن على مايربيه ويزكيه في النفس وذلك من جانبين اثنين؛جانب حفظه من جهةالعدم بتبيان معطلاته و مثبطاته ثم  جانب صيانته من جهة الوجود ببيان مقوياته ومنمياته.

أما المعطلات فرأسها وساوس الشيطان؛وهو لا يفترعنها ما وجد إليها سبيلا من غفلة؛ولذلك فهو {جاثم على قلب ابن آدم إذا ذكر الله خنس وإذا غفل وسوس} وهكذا إلى أن يصير له الغلبةالتامة فيتحقق في المغلوب والعياذ بالله قوله عز وجل {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله}.

ولعل من أدنى ما يترتب فيما يترتب على هذه الوساوس من معيقات الذكرمخالطة اهل الظلم والفجور من غير ما إعراض عليهم ونصح لهم إنساء من الشيطان {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} إذ على قدر تمادي المرء في مجالسة هؤلاءعلى هذه الحال يكون مقدار تشبهه بأخلاقهم الصارفة عن ذكر الله نحو تشبهه بخلق السخرية من الصالحين كما قال سبحانه {فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري}.

ومن كان شغله ازدراء أهل الصلاح و الفلاح كان حريا أن يكون من ذوي القلوب المقفلة بالعبث في الدنيا لهوا ولعبا؛ الذين أجوافهم كالبيوت الخربةالتي لاينفذ إليها نور الهدى ولا يسطع فيها شعاع الحق؛اذ هم يوصدون دون ذلك الآذان والجنان {ماياتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم} وكل ذلك معطل للقبول اذ {إن الله لايقبل من قلب غافل لاه} مبيد للخشوع؛ قائد الى قسوة القلوب وفسوق الجوارح {ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولايكونواكالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقستقلوبهم وكثير منهم فاسقون} ومن كانت تلك حاله أعرض حتما عن ذكر الله بنسيان أخراه؛ وصار ديدنه الوحيد وأكبر مناه تعلقه الشديد بدنياه {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد الا الحياة الدنيا}.

* فهذا وغيره من معيقات الذكر إنما هو غنائم للشيطان يحوزها من حربه الضروس بينه وبين بني آدم بمقتضى عداوته الراسخة إزاءهم من الازل الى الابد لذا كان صرفه لقلب العبد أنكى وأنكد.فلم يكن مجرد صرف عابر وإنما هو صد قاهر {إنما يريد الشيطان أن يو قع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة}.

ولما كان ذلك كذلك كان من رحمته عز وجل أن جعل مقويات الذكر أقوى أثرا ؛ومنمياته أوفر شررا رجما للشيطان ورقيا في مدارج الايمان طلبا للاحسان.ومما ورد منها في القرآن اربعة امور.

1- التسبيح؛ وهو ذكر لساني مع تدبر المعاني؛ فيه تمجيد لله سبحانه بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى ،وفيه حمد له سبحانه على كل حال .لذا نجد لفظه في الآي كثيرا ما يضاف الى اسم الله نحو {سبح اسم ربك الاعلى} أو يقرن بحمده سبحانه {فسبح بحمد ربك }، {يسبحون بحمد ربهم }. ولبالغ أثره في عكس نور الذكر النفساني على القلب غالبا ما يتعاطف مع الذكر بمعناه العقلاني والوجداني نحو قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون عليهما السلام {كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا } وقوله سبحانه من أمره لزكرياء عليه السلام {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} وقوله أيضا من أمره للمومنين {اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا}. فمن لزم الذكر بمعنييه النفساني ثم اللساني المسمى تسبيحا في أوقاته المطلوبة المرغوبة عشيا وابكارا؛ لم يشذ حتما عن الناموس الذي يجري عليه سائر الخلق طوعا لله{ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} {يسبح لله ما في السموات وما في الارض}

2- ذكر نعم الله وآلائه ؛ علىنحو ما وقع التنصيص على الامر به على سبيل التمثيل فالتذييل في قوله عز وجل في شأن ثمود على لسان صالح عليه السلام  {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين} ونحو قوله سبحانه في شأن بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم فيكم  أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يوت أحدا من العالمين} هذا ناهيكم عما خصت به أمة الاسلام من الأمر بتذكر كثير من النعم التي أنعم بها المولى عليها نحو قوله سبحانه {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} وقوله {اذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} فذكر نعمه تعالى وآلائه من أكبر روافد الذكر أيضا لأنها معين لا ينضب {وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها} ولذلك وجه الأمر بتذكرها إلى كل الأقوام لأداء حق العبودية بشكره سبحانه بالعمل الصالح ؛ إذ جماع الشكر صلاح العمل كفاء ما يغدق الله على الناس من نعم لا تنحصر ولذلك ورد في تعريف الشكر ما يفيد انه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم عليه المنعم سبحانه لأجل ما أنعم به ؛ وإنما الفعل فعل الجنان واللسان والأركان ؛وهو ما يراد  بالعمل الصالح كما يستفاد من كثير من آي الشكر والعمل الصالح .

3- ذكر أحوال الصالحين من الأ نبياء والمرسلين: كما في قوله سبحانه {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الآيدي والابصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار}

4-  تدبر الوحي المنزل :كما في قوله سبحانه المكرر في سورة القمر {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }

جعلنا سبحانه ممن قال فيهم {إنما يتذكر أولو الألباب} الذين يذكرهم جل وعلا بذكرهم {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون }، {ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه}.

عبد المجيد بالبصير

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *