مـحـمـد  فــــــي نبــوءات التــوراة             


أ-  البشارة بنبي من وسط إخوتهم:

جاء في وصية الرب لبني إسرائيل في سفر التثنية(10):

(15-يقيم لك الرب إلهك من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون… 17-قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا. 18-أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. 19-ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه).

< شرح البشارة:

< نفس المعنى تكرر في عبارتين متقاربتين، في قوله: (يقيم لك الرب إلهك من وسطك من إخوتك مثلي)، والكلام هنا لموسى، وفي قوله: (أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك)، والكلام هنا موجه إلى موسى عليه السلام. وإذا كان بعث النبوة من جديد واضحا من خلال التعبير بقوله: (يقيم لك الرب إلهك) و(أقيم لهم نبيا)، فإن الاختلاف بيِّن في معنى لفظة: “الوسط”، ثم: “الإخوة”، ثم: “مثلك”.

وهنا نقصر الحديث عن بيان معنى لفظة: “الوسط”، ثم: “الإخوة”، ونرجئ الحديث لاحقا عن لفظة: “مثلك”.

– فأما اليهود، فما زالوا ينتظرون من وسطهم -وتحديدا من “أبناء إسحاق”- نبيا مثل موسى، الذي لم يأت نظيره بعد.

– وأما النصارى، فيتصورون أنه المسيح عليه السلام، لأنه من اليهود وهو مثل موسى في اعتقاد المسيحيين.

– وأما المسلمون فيعتقدون أن محمدا صلى الله عليه وسلم، هو المقصود بالوعد إذ إنه من وسط إبراهيم ومن إخوتهم، وإنه مثل موسى.

لحل هذا الإشكال، من اللازم التذكير ببشارات أخرى فريدة وخطيرة في حق بني إسرائيل والنصارى، والتي أجمعوا على غض الطرف عنها، والتي نصت عليها التوراة نفسها. وصدق التوراة لا يتحقق إلا بتحققها! وهي تؤكد تخصيص بيت إسماعيل بالبركة والتكثير، ووعد الله بالأرض وبأن يصير “أمة عظيمة”، كما سنفصله لاحقا!

وهنا، من اللازم الإشارة إلى أن إسماعيل هو الأجدر بأن يكون من وسط إخوة بني إسرائيل ويكون النبي من بنيه مثل موسى عليه السلام. فإن الوسط يَجْمع كل أبناء إبراهيم، الذين منهم إسماعيل وإسحاق. والنبوة إذ تغادر بني إسحاق، كما سلف بيانه، فإنها تعاهدم بأن تكون من وسطهم أي من نفس نسل إبراهيم الموعود، ولكن في إخوتهم، أي: أبناء إسماعيل الموعودين بالعظمة والملك والتكثير. وأنهم هم إخوتهم الحقيقيون. إذ ورد في النص: (من وسط إخوتهم)، ولم يقل النص “من أنفسهم”، أي: من بني إسحاق. وبما أن الموعود بالعظمة والتكثير هم أبناء إسماعيل، فإن المنطق ينصرف إليهم وحدهم، دون أبناء إسحاق العنصريين المُدانين بنص التوراة لأخلاقهم المنحطة الرذيلة. وإلا فلا معنى لتلك الوعود الربانية الكبيرة جدا لإسماعيل بكل تلك الامتيازات على الأمم، والسيطرة على الشعوب بأخلاق بديلة غير التي تعارفها اليهود أبناء إسحاق.

فالوسط” إذن، نسل إبراهيم، لأنالوعد الرباني عمهم جميعا، إسحاق وإسماعيل، ولا بد أن يتحقق.

و”الإخوة”، هم غير أبناء إسحاق، وجوبا. وإلا كيف تُفَسِّرُ تلك الإنذارات بخروج وترك النبوة بيت إسحاق، أيا كانت الجهة التي ستتحمل أمانة النبوة بعدهم؟ صحيح أن الله وعد بيت إسحاق بالنبوة، ولكن توعده أيضا بحجب الوجه أي خروج النبوة من جديد من ذرية إسحاق، بل توعدهم بالإدانة والمعاقبة بالتبديد لصنائعهم.

وعليه، فالمقصود ب”الإخوة”، هم أبناء إسماعيل، تحديدا. وإلا كيف تُفَسِّرُ تلك الوعود بالتكثير وغيره؟ هذا، ويؤكد هذا الاختيار أن التنصيص في التوراة كان واضحا على أن إسماعيل من إخوة إسحاق، أي: بني إسرائيل هم إخوة بني إسماعيل. ومن تلك النصوص في حق إسماعيل، تقول التوراة في سفر التكوين(11): (11-وقال لها ملاك الرب: ها أنت حُبْلَى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك… 12-وأمام جميع إخوته يسكن).

وبهذا النص يتبين بوضوح أن “الوسط” يقصد به: أبناء إبراهيم، وأن “الإخوة”، يقصد بهم: أبناء إسماعيل العرب.

ب- البشارة بمباركة الرب إسماعيل وتسميته:

– جاء في خطاب الرب لهاجر في سفر التكوين(12): (10-وقال لها ملاك الرب: تكثيرا أكثر نسلك فلا يُعَدُّ من الكثرة. 11-وقال لها ملاك الرب: ها أنت حُبْلَى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك… 12-وأمام جميع إخوته يسكن).

< شرح البشارة :

من اللازم التأكيد على أن التوراة تشوه صورة سارة، كما تصور صورة الله تعالى، حينما تذكر أن سارة لما رأت هاجر قد حبلت صغرت في وجهها وأنها ذلتها حتى فرت هاجر المسكينة من البيت بسبب تلك المعاناة. والأدهى والأمر أن الله ما حاسب سارة على ذلك الظلم، بل لم يعقب حتى على فعلتها، وإنما أرسل الملاك لهاجر كي يثنيها على الابتعاد ويعدها ويأمرها بالبقاء خاضعة تحت يدي سارة الظالمة. وليس هذا، موضع الحديث عن مقام الألوهية المشوه في الكتاب المقدس، إنما الغرض إبراز اعتراف التوراة بأن هاجر مباركة ومبارك نسلها من بعدها بموجب النص محل الدراسة. الذي أكد أن لقاء ملاك الرب والتحدث معه، ليس خصيصة بني إسرائيل. فنص التوراة دل على هذا الأمر. ويكفي هاجر شرفا، أن يخصها رب العزة بملاقاة الملاك وبشرف التحدث معه غير مرة. وعلى بني إسرائيل، حفظ هذا الخبر التوراتي واستيعاب الدرس اللازم منه. فهل يقدر بنو إسرائيل والمسيحيون مَنْ كَلَّمه الله تعالى وأرسل الملاك لملاقاته!؟

وهل يُرَدُّ كلام الملاك الذي نص عليه الكتاب المقدس!؟ إذا كان إيمان اليهودي والمسيحي منسجما مع التوراة، فمن اللازم تدبر مضمون مقالة الملاك لهاجر وانتظار تحققه عمليا! فهل فعل اليهود والمسيحيون شيئا مما يصدق قولة التوراة هذه لهاجر؟ بل هل تعامل اليهود والمسيحيون مع أبناء هاجر بنفس التقدير الذي تعاملت به التوراة معها ومع وعودها ومع نسلها، أي نسل إبراهيم إخوة بني إسرائيل!؟ هل كان بنو إسرائيل توراتيين مع هاجر ونسلها في يوم من الأيام؟

لقد وعد ملاك الرب هاجر بتكثير نسلها حتى لا يعد من الكثرة. ووعدها بأنها ستحبل وتلد ابنا والله هو الذي اختار لإسماعيل هذا الاسم. وإبراهيم هو الذي أطلقه عليه ، وأنه سيسكن أمام جميع إخوته.

10- التثنية18/18-22.

11- التكوين16/11-12.

12- التكوين16/10-12.

ذ. لخضـر بن يحـي زحـوط

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *