بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول التطعيم ضد شلل الأطفال


القاهرة- موقع الاتحاد

أكد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن التطعيم لمواجهة شلل الأطفال لازم شرعا مع وجود خمسة بلدان إسلامية لم تزل موبوءة بالمرض إضافة إلى بلد سادس به أقلِّية من المسلمين.

وفيما يلي نص البيان الذي أصدره الاتحاد:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد، فقد ترامى إلى علم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن كثيرا من الإخوة في عدد من بلدان العالم الإسلامي، يُحْجِمون عن تحصين أطفالهم بلقاح شلل الأطفال، الذي يُعطى لهم عن طريق الفم، ليقيهم من هذا المرض الخطير الذي يقضي عليهم، أو يخلِّف فيهم عاهة دائمة تلازمهم طوال حياتهم؛ وكان يمكن تَوَقِّيه -حسب سُنَن الله- بتناول هذه الجرعة من اللقاح، مصداقا لقول النبي  في الحديث الذي أخرجه الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة بإسناد حسن: >… ومَنْ يَتَوَقَّ الشرَّ يُوقَه<.

وقد أجمع أهل الذكر من الأطباء في جميع أنحاء العالم منذ عشرات السنين، على أهمية تطعيم البشر، ولا سيَّما الأطفال، لوقايتهم من مختلف الأمراض الـمُعْدِية، وكان لذلك -بفضل الله- أثرٌ كبير في تخليص كثير من الناس من عديد من الأوبئة والأمراض، مما حَمَل منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع دولها الأعضاء، إلى العمل على استئصال شأفة بعض هذه الأمراض استئصالا كاملا من على وجه البسيطة. وقد تمَّ ذلك -بعون الله- قبل قرابة عشرين عاما، فاستؤصل مرض الجدري استئصالا نهائيا إلى غير رجعة إن شاء الله، وشجَّع ذلك بُلدانَ العالم على استئصال شلل الأطفال الذي كان يفتك بكثير من الأطفال فتكا ذريعا. وقد استُعْمِلَ في حملات التطعيم الجماعي هذه لقاحٌ مؤلَّف من فَيْروسات شلل الأطفال، مُوَهَّنَة أو مقتولة، تعطى عن طريق الفم أو عن طريق الحَقْن، وأثبت كلا النوعين فائدته ومأمونيَّته وفعّاليَّته. وقد أفلحت الحملة العالمية لاستئصال هذا المرض -بفضل الله- إلى إنقاص عدد حالات شلل الأطفال في العالم من ألف حالة في اليوم إلى أقلّ من ألف حالة في العام كله، وهكذا أصبحت اثنتان وخمسون دولة من الدول السبع والخمسين الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، خالية من هذا المرض الوبيل.

على أنه في الوقت الذي اختفى فيه هذا المرض من جميع بلدان العالم، فإن خمسة بلدان إسلامية لم تزل -مع الأسف الشديد- موبوءة بشلل الأطفال، بالإضافة إلى بلد سادس فيه أقلِّية من المسلمين، مما يعني أن أطفال المسلمين وحدهم تقريبا، يتعرَّضون إلى مخاطر هذا المرض، مما يوحي بأن المسلمين هم المسؤولون عن تأخر استئصال شأفة هذا الداء من على وجه الكرة الأرضية إلى غير رجعة إن شاء الله.

ومن أجل ذلك اتَّخذت منظمة المؤتمر الإسلامي عام ألفَيْن وثلاثة، قرارا دعت فيه جميع الدول الأعضاء إلى تكثيف جهودها لاستئصال هذا المرض.

والمشكل في الأمر أن بعض مشايخ المسلمين في بعض البلدان الإسلامية قد أخذوا يتحفَّظون على استخدام اللقاح الذي يُعطى عن طريق الفم بحُجَج واهية مغلوطة، كالزعم بأن هذا اللقاح يحتوي على مواد كيماوية وهرمونية ذات آثار جانبية ضارّة، قد تؤدي إلى إحداث العُقْم لدى نساء المسلمين! أو أن اللقاح يحتوي على موادَّ عَفِنة مُنْتِنَة لا يجوز إدخالها إلى البدن، ظنا منهم أن الفَيْروسات التي توجد في هذه اللقاحات تنطبق عليها هذه الصفة! أو أن بعض أشكال اللقاح في مراحل استحضاره قد تتلوَّث مزرعتها بآثار زهيدة لا تُذْكر، من خميرة أصلُها من الخنزير، ولو أنه يُغْسل منها بعد ذلك غسلا جيدا لا يخلِّف لها أثرا، ثم يضاف إليها محلول لا شبهةَ فيه، لتعطى منه قطرتان أو ثلاث فقط لكل طفل بالفم.

والذي يؤكِّده الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو ما يلي:

(1) أن الواجب على كل مسلم أن يدفع الضرر عن نفسه بقدر ما يمكنه، ولا يلقي بيده إلى التهلكة، أو يُقْدِمَ على أمر يقتل به نفسه، لأن نفسه وديعة عنده من الله لا يجوز أن يفرِّط فيها. فقد قال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}(البقرة: 195)، وقال: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}(النساء: 29).

وقد صلى عمرو بن العاص ] بأصحابه في إحدى السرايا، في ليلة باردة من ليالي الشتـاء، وقد أصابتـه الجنابـة ولم يغتسل، واكتفى بالتيمـم، فشكاه أصحابـه إلى النبي  فقال: يا رسول الله، كانت الليلة باردة، وتذكرت قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}(النساء: 29)!! فتبسَّم النبي  إقرارا له على فهمه وعمله. وهذا من السنة التقريرية.

ومن هنا تقرَّرت قاعدة من القواعد الشرعية، أو الفقهية، وهي التي تقول: >الضرر يُدْفَعُ بقدر الإمكان<.

وأصل هذهالقاعدة مستنبط من الحديث النبوي: >لا ضرر ولا ضرار< الذي رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم، وهو من أحاديث الأربعين النووية الشهيرة.

كما تقرَّرَتْ قاعدةٌ أخرى تقول: >دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة<.

(2) أن على الآباء أن يوفروا لأطفالهم وأولادهم الصغار كل أسباب الحماية والوقاية من الأضرار والآفات والأمراض التي تؤذيهم وتكدِّر عليهم حياتهم في حاضرهم أو في مستقبلهم، مثل المرض المزمن، بقدر ما يمكنهم ذلك. وهذا داخل في مسؤوليتهم عن رعايتهم التي كلَّفهم الله بها، ولا يرتاب عاقل أن مرض >شلل الأطفال< ضررٌ كبير، وشرٌّ مستطير، إذا أصيب به الطفل ونجا من الموت، لازَمَهُ طوال حياته، وعاش عمره مَعُوقا يحتاج إلى رعاية خاصة، وعون مستمر، غير ما يسببه له ذلك من أذى نفسي واجتماعي.

فإذا كان في الإمكان تفادي ذلك المرض إلى الأبد، بتناول جرعة من >اللقاح الواقي< فيتَّقي بها شر ذلكالوباء الخطير، فإنه يجب شرعا على الوالد أن يسعى لإعطائها لولده وفلذة كبده، ليجنبه الإصابة بهذا الداء. فإذا تقاعس عن ذلك بغير عذر قاهر: تَحَمَّلَ إثم إضاعة صحة ولده، ومسؤولية عذابه طوال مراحل حياته كلها، لأنه راع وهو مسئول عن رعيته، وقد قال الله عزَّ وجل: {قد خَسِر الذين قتلوا أولادهم سَفَها بغير علم}(الأنعام: 40). وقال سبحانه: {لا تُضَارَّ والدةٌ بولدها ولا مولودٌ له بولده}(البقرة: 233). وقال عليه الصلاة والسلام: >كفى بالمرء إثما أن يضيِّع من يقوت<(رواه أحمد وأبو داوود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، بإسناد حسن). وقال >إن الله سائل كل راع عمَّن استرعاه: حفظ أم ضيع؟<(رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس).

(3) أن على أولي الأمر في كل بلد: أن يَسُنُّوا من القوانين، ويَضَعُوا من الأنظمة: ما يحافظون به على صحة الناس عامة، والأطفال خاصة، لا من ناحية العلاج فقط، بل من ناحية الوقاية وهي أهم بكثير لأن درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج.

وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر: >كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته، ومسئول عن رعيته<.

وقد قال عمر ] : لو هلك جَدْيٌ بشطِّ الفرات لرأيتُني مسئولا عنه أمام الله يوم القيامة! فكيف بهلاك أطفال المسلمين دون غيرهم من أطفال العالم جميعا؟

وطاعةُ أولي الأمر في هذه الحالة واجبة بنصوص القرآن والسنة، لأنها طاعة في المعروف، والنبي  يقول: >على المرء المسلم الطاعةُ في ما أحبَّ وكره، ما لم يُؤمَرْ بمعصية<.

(4) أن الأصل في الأشياء التي خلقها الله للإنسان: الطهارة والحل، لقوله تعالى: {هو الذي خَلَقَ لكم ما في الأرض جميعا}(البقرة: 29)، وقولُه سبحانه: {ألم تروا أن الله سَخَّرَ لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نِعَمَهُ ظاهرة وباطنة}(لقمان: 20).

ولا تخرج الأشياء من أصل الطهارة إلى النجاسة إلا بيقين، كما لا تخرج من الحِلِّ إلى الحرمة إلا بيقين.

ولم يوجد يقين في اعتبار المواد التي يتكون منها >اللقاح الواقي من شلل الأطفال< نجسا أو ضارا، أو سببا للعقم، حتى تـتـرتب عليه الحرمة.

والمرجـع في إثبـات الضرر أو النجاسـة في ذلك هو: أهل الخبرة، الذين يُرْجَعُ إليهم في كل فـن. كمـا قال تعالى: {ولا يُنَبِّئُكَ مثلُ خبير}(فاطـر: 14)، {فاسأل به خبيرا}(الفرقـان: 59)، {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}(النحل: 43).

وأهلُ الخبرة في موضوعنا هم: الثقات في منظمة الصحة العالمية، ومكتبهم الإقليمي في القاهرة الذي يقوم عليه أناس مسلمون موثوقٌ بعلمهم وخبرتهم، وبدينهم وأمانتهم. وقد قالوا: إن هذا اللقاح لا ضرر فيه ولا نجاسة ولا خَبَث، ولا يحمل أي سبب للعقم، بل هو طيِّب نافع مجرَّب، محمود الآثار بكل حال والحمد لله.

(5) أن هذا اللقاح الواقي من شلل الأطفال يتناوله أطفال العالم كله في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، من كل الأجناس والألوان واللغات والأديان، ومنهم: أطفال المسلمين في أكثر من خمسين دولة تشملها منظمة (المؤتمر الإسلامي) وكان له أثره في وقايتهم من المرض المحذور. ولم يَقُلْ أحدٌ في بلدان المسلمين في آسيا أو إفريقيا: إن في هذا اللقاح ما يخالف الإسلام في عقيدته أو شريعته، ولم يعترض عليه عالم في الأزهر، أو في القرويـين، أو في الحرمين الشريفين، أو في ديوبند، أو في أي بلد مسلم.

فكيف خَفِيَ هذا على علماء المسلمين في أقطار الدنيا، وعرفه إخواننا الأعزاء الذين يُفتون بحُرْمة هذا اللقاح وحدهم؟!! أصلحهم الله وغفر لهم.

إن هؤلاء الإخوة الأعزاء علينا، الأحباء إلينا، إذا أصروا على موقفهم يتحمَّلون أمام الله جل جلاله، وأمام الأمة الإسلامية كلها، وأمام ضمير العالم كله: إثم تضيـيع أولاد المسلمين وحدهم، وتعريضهم للإصابة بالمرض بدون ذنب لهم، وتعريض جيرانهم للعدوى، وتعطيل المسيرة الطيبة المباركة التي تعتزم القضاء على هذا المرض واستئصاله نهائيا من العالم، كما قضي على مرض الجدري.

كما يتحمَّلون بوجه خاص: الإساءة إلى سمعة الإسلام، وإظهاره بأنه دين يُجافي العلم، ويقف في وجه التقدُّم الصحي والطبي، والله يعلم أن الإسلام بريء من هذه التهمة، فهو الدين الذي احتـرم الجسد، وقال: >إن لـجَسَدك عليك حقا<(متفق عليه عن عبد الله بن عمرو)، وشَرَعَ التداوي بكل صوره، وكان للطب في حضارته مكانٌ أيُّ مكان؛ والعلمُ فيه دين، كما أن الدين فيه علم.

لهذا نهيب بإخواننا من العلماء والمشايخ هؤلاء ومن يقول برأيهم: أن يراجعوا فتواهم التي أصدروها أو أصدرها بعضهم دون دراسة كافية، ولا مشاوَرَة مع سائر علماء المسلمين. والحقُّ أحق أن يُتـَّبَع، وليس في العلم كبير، {وفوق كل ذي علم عليم}(يوسف: 76)، وقد قال عمر لأبي موسى رضي الله عنهما: >لا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتـَه بالأمس أن تُراجع فيه نفسك اليوم، فإن الحق قديم، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل<.

وندعو إخواننا المسلمين في جميع أرجاء العالم أن يأخذوا بفتوى جمهور علماء المسلمين في العالم الإسلامي، وهي قطعا مرجَّحة على فتوى عدد محدود من علماء بلدتهم، وعليهم أن يبادروا بتطعيم أطفالهم ضد مرض شلل الأطفال، وضد غيره من الأمراض الـمُعْدِيَة التي يمكن تَوَقِّيها بالتطعيم، ومن جملتها عدد من الأمراض الخطيرة على الحياة، وذلك، استجابة لقول الله عزَّ وجل: {فاستبقوا الخيرات}(البقرة: 142)، وقول النبي  في ما رواه مسلم عن أبي هريرة ] : >بادروا بالأعمال الصالحة<.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الدكتور يوسف القرضاوي

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الدكتور محمد سليم العوَّا

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *