القرآن أشرف رسالة ربانية لنا، فهل المسلمون واعون بأهميتها؟!


 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة.

من يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله تعالى ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله تعالى شيئاً. إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخيرالهدي هدي سيدنا محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

>عباد الله : عندما تَبلُغنا رسالة من جهة ما سواء كانت مغلقة أو مفتوحة مكتوبة أو شفوية فإننا نسأل عن مرسلها قبل أن نقرأها أو نسمعها. فإذا كان مُرسِلها شخصاً نحبه ونحترمه ونشتاق إليه، أو شخصاًنرهبه ونخشى بطشه وسطوته، فإننا نفتح الرسالة بسرعة، وبعناية، ونقرأُها بتمعن وتثبت، ونعيد قراءتها حتى لانخطئ فهمَها أو تأويلها. ونستعدُّ حالاً لتلبية مطالب مَن نحبه ونُقدّره إكراماً له وإرضاء لخواطره أو نسرع كذلك في تنفيذ أوامر من نخافه، ولا نستطيع مواجهته.

وهذا القرآن الكريم هو الرسالة المفتوحة من الله تعالى في عليائه، إلى أبناء آدم عليه السلام على هذه الأرض والذي تحملها من لدن الله عز وجل هو جبريل عليه السلام والذي تسلمها في الأرض هو سيدنا محمد  المصطفى المختار، الذي قرأها علينا وفسرها وطبقها أمام أعيننا، فهل درسناها بعناية، وفهمناها وتذوقناها وأسرعنا في تنفيذ ماجاء فيها؟ أليس هذا هو المطلوب منا إذا كنا نعرف من أرسلها إلينا، وكنا نحبه ونعظمه ونقدسه؟ أو كنا نرهب جانبه ونخشى بطشه.

إن الذي بعث إلينا بهذه الرسالة الكريمة أخبرنا سبحانه فيها بأنه يحبنا ويكرمنا،ويسددنا ويوجهنا قال تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} وأخبرنا سبحانه بأنه لا يشدد علينا ولايعسِّر فقال لنا : {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العُسر} وأخبرنا بأنه لايريد أن يُحرجنا ويحمِّلنا مالا نطيق. فقال تعالى : {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}. وأعلمنا أنه يحب لنا التوبة ويكره لنا الزيغ والضلال فقال : {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً} فهذا بعض ما يريده لنا الذي أرسَل إلينا تلك الرسالة المقدسة أفلا نحبه ونتقرب إليه ونركع له ونسجد؟.

أما الرسالة التي أكرمنا بها، واختارنا لها من بين مخلوقاته، فقد عرفها لنا هو بنفسه سبحانه، وأثنى عليها، ونبهنا على مكانتها وقيمتها عنده، فقال تعالى : {بسم الله الرحمن الرحيم ألر كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير..}. وقال عز وجل : {بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربيّا لقوم يعقلون بشيراً ونذيراً..} وقال سبحانه : {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يومنون..}.

وأخبرنا تعالى أنه بعث إلينا هذه الرسالة من أجل شِفائنا وهدايتِنا وإحيائنا قال تعالى : {قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمومنين}، وقال سبحانه : {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} وقال عزوجل : {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويُبشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً}.

وقد أنذرنا وحذرنا الله في هذه الرسالة إذا لم نقرأها ولم نفهمها ولم ننفذها فقال : >ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى..}. وقال سبحانه : {ومن يَعْشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين}.

وقال سبحانه : {ومن يُعرض عن ذكر ربّه نسلكه عذاباً صعداً}.

ثم ينبهنا الله إلى أن قراءة هذه الرسالة وتدبّرها وتفهمها هو أمر نستطيعه، لأنه أنزلَها بلساننا ولغتنا، ولو شاء لأرسلها إلينا بغير لغتنا، ولكنه رحمة بنا، وإكراما لنا وتيسيراً علينا، وتقديساً وتعظيماً للغتنا، فضل العربية على غيرها من لغات البشر، قال تعالى : {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون}.

وقال تبارك اسمه : {ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدّكر}.

اللهم عرفنا بك وبرسالتك وبرسولك معرفة ترضاها لنا، وتقرِّبنا بها منك، وتجعلنا بها من أوليائك وأهل طاعتك. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا. وزدنا خيراً وعلماً، آمين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية :

الحمدلله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.

أما بعد : فكما عرّفنا الله بما يريده لنا، وحبب إلينا رسالته وزينها في نفوسنا، فكذلك عرفنا بمن اختاره منا، ليبلغ إلينا الرسالة وهو محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.. فقال تعالى : {لقد مَنَّ الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. وقال تعالى : {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتُّم، حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم}.

وأمر الله تعالى رسوله  أن يبلغ إلينا ما يصله من عند ربه، فقال تعالى  {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعَل فما بلّغت رسالاته} وفي قراءة حفص {رسالتَه}.

ولِيُعرِّفنا الله بمقام هذا الرسول الكريم ومكانتِه بين غيره من الرسل منأجل أن نحبه ونتبعه، ونطيعه ونقتدي، قال تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وقال تبارك اسمُه : >وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} وقال سبحانه : {وإنك لعلى خلقٍ عظيم} فهذا ثناء الله عليه، وهذا حُكمه فيه، وذلك اختياره لهذه الأمة، فلا خوفَ ولا ارتياب أن يكون هذا المبلِّغ يعمل لأهدافٍ وأغراض شخصيةٍ، أو قومية أو حزبية أو يعمل مكرها أو يشتمل تكوينه البدني والعقلي والروحي والنفسي على أمراض وأخطاءٍ وجهالاتٍ، تنتقل إلى الأتباع بحكم الاقتداء.. لا والله، ومعاذ الله.

إنها الأسوة الإنسانية الكاملة، والقدوة الممنوحة من لدن عليم خبير {لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً}.

ولو لم يكن كذلك لما قال الله على لسانه : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فهو لا يدعوهم من أجل نفسه، وإنما يدعوهم ليقربهم من ربهم عز وجل.

ذلكم هو الرسول المختار المصطفى ، أما الذين بلّغهم الرسولُ رسالة ربهم، وتلاها عليهم وأخبرهم بأنها من عند ربهم، فقد تحدثت عنهم الرسالة نفسُها، ووصفتهم لنا، لنحذو حذوهم ونسير على أثرهم. قال تعالى يصف تأثرهم وهم يستمعون إلى كلمات رسالته : {الله أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء}.

ويقول تعالى عنهم {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (المومنين المصدقين) ومالنا لا نومن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين} ويقول تعالى مبيناً انتفاعهم بالرسالة واستفادتَهم من الاستماع إليها وحسن الإنصات إلى كلماته : {وإذا تليت عليهم آياتُه زادتهم إيماناً وعلى ربّهم يتوكلون}.

وكل من أحسن تلاوة هذه الرسالة أو الانصات إليها، فإنها تؤثر فيه ويتأثر بها كان إنساً أو جناً قال تعالى عن عباده من الجن الذين بلغتهم رسالتُه، فأنصتوا إليها وتدبروها وانتفعوا ونفعوا بها : {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولّوا إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا، إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم}.

وقال تعالى يصف إيمانهم برسالته وانتفاعهم بها : {بسم الله الرحمن الرحيم قل أوحي إلي أنه استمَع نفر من الجن فقالوا : إنا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً}.

وسواء كان الذين تليت عليهم رسالة الله من الجن أو الإنس، فإن الذي يتلوها بحق ويتأملها ويتذوقها وينتفع بها وينفع، هو الحي المستعد لحسن الاستماع وحسن الانصات، أما ميت الروح والقلب، والذي تقلقه تلاوة رسالة الله عليه، فإنه ليس أهلا لهذه الكرامة، ولا  لهذه الرسالة، قال تعالى مبيناً أن رسالته لا ينتفع بها إلا أحياء القلوب والأرواح : {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لتنذر من كان حيّا }، وقال سبحانه : {إنما يستجيب الذين يسمعون} وقال سبحانه : {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يومنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}.

أيها المسلمون : ذلكم هو ربكم الذي أرسل إليكم رسالته وعرّفكم بها بما يريده لكم، واختار لكم من أنفسكم رسولا يبلغكم رسالة ربكم، فإذا تعرفتم على ربكم، ورضيتم بما يريده لكم، وشكرتموه على رسالته باتباعكم لرسوله والسير على أثره فإنكم إذاً رجال وأهل رسالة وأهل أمانة.

اللهم ارزقنا آذاناً واعية، وجلوداً لينة، وقلوباً صاغية وأرواحاً نقية، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين، ومن لزم نهجهم ودعا إليه إلى يوم الدين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين اقشعرت جلودهم، ولانت قلوبهم وخروا لربهم ساجدين عند تلاوة كتابه المبين، وعن الصحابة الأحياء المستجيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ووفِّق اللهم عاهلَ المغرب الملك محمد السادس إلى سبيل الهداية والرشاد، وأيده بالتوفيق والسداد، واجعله للحق وضدّاً على الفساد، واشدد اللهم أزره بأصلح العباد وبارك اللهم في أبناء المسلمين أجميعن.

اللهم إنا عبيدك أبناء عبيدك أبناء إمائك نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك،أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعلالقرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا وجلاء همومنا، اللهم اجعله أنيسنا في القبور، ورفيقنا يوم النشور، واجعل حياتنا في نور ومماتنا في نور ومبعثنا في نور، وأكرمنا يوم لقاك بالعفو والرضى والسرور آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

د. محمد أبياط

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *