الرسل عليهم الصلاة والسلام، والمدافعة بين ثقافة الرحمة وثقافة الاستكبار


3- من ملامح الرحمة في الاسلام

كلية أصول الدين (سابقا) تطوان

منهج الاسلام كله رحمة في العقيدة، وفي العبادة، وفي الشريعة، وفي كل المجالات : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 106).

وسأقتصر من ذلك على ستة ملامح، أراها كافية لتقديم صورة واضحة عن خصيصة الرحمة في الاسلام، وبعدها أعرض ملامح الرحمة في أوصاف الرسول ، وفي خصائصه :

>>أولا : ملاممح الرحمة في منهج الاسلام

1- قام الاسلام على  الرحمة المتمثلة في شهادة الحق (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، التي تَنْفي الألوهية عن كل ما سوى الله تعالى ، وتثبتها لله تعالى وحده، بمعنى أنها تثبت التوحيد لله عز وجل.

– قال تعالى هو الخالق وحده : {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}(النحل :27)

– والله تعالى هو المالك للأحياء والأشياء وحده : {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير}(المائدة : 222)

– وهو المدبر وحده لأمور الناس والكون : {قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل افلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق}(يونس :31- 32).

– وهو العليم بما خلق وما دبر: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}(الملك : 23-24)

{هو الله في السماوات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون}(الأنعام : 4).

– وهو المعبود بحق : القادر على الاستجابة، تتوجه إليه المخلوقات كلها بالرجاء، وبالسجود.

{ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم}(الحجر : 18)

وهو بالتالي الحاكم على المستوى الطبيعي، وعلى المستوى  الاجتماعي :

{والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}(يسن : 36-39)

{وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}(المائدة : 51-52).

إن هذا المضمون للألوهية والربوبية يحسه الانسان في دخيلة نفسه، فهو الشعور المغروز الذي وضعه الله تعالى في الانسان يوم خلقه، فهو فطرة الله التي فطر الناس عليها :

{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى  شهدنا}(الأعراف : 272).

{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}(الروم : 29)

حقيقة أن للانسان استعدادا مزدوجا للخير والشر :{ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}(الشمس :8)

وأن الشياطين اللعينة تسوس للإنسان بالشر من خلال النفس الأمارة بالسوء.

خلقت عبادي حنفاء(1) كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم(2).

ولكن هذا الازدواج غير ذي شأن بجانب الفطرة العميقة في الانسان : والدليل على هشاشة هذا الازدواج : أن أي ابتلاء بالشدة يذهب به، فينساه الانسان بالمرة، ولا يبقى له تأثير، وتعود للفطرة وظيفتها الرشيدة، فعندما تحيط بالانسان شدة غير منتظرة لا يجد ملجأ يحتمي به إلا الله عز وجل، يدعوه بإخلاص، فينقذه : {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أُحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الارض بغير الحق}(يونس : 22-23).

إن فرعون  موسى عليه السلام، لما أحس أنه يغرق في البحر الأحمر، خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، التجأ إلى الله تعالى ضارعا، يرجو الإنقاذ من الغرق، وذهل عما كان يدعيه طوال حياته من التأله في الارض، ولكن أوان التوبة  كان قد فات، فلا توبة عند اليأس من الحياة.

{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. آلان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين}(يونس : 90- 91).

وإذن فالإحساس بالربوبية والألوهية هو الرحمة الأولى في الإسلام التي وضعها الرحمن الرحيم منطلقا لكل أنواع الرحمات في المنهج الذي بعث به جميع الأنبياء، وبعث به خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام.

2- أما الرحمة الثانية التي تسري في جميع أجزاء الشريعة فهي ربط التكاليف باستطاعة الانسان المكلف، ورفع الحرج فيها عند احتمال الإرهاق، فالقيام في الصلاة شرط للعبادة، ولكن المريض الذي يرهقه القيام يصلي جالسا، والمسافر الذي يرهقه الصيام يفطر، ويقضي عند الرجوع من السفر، والقرض الربوي حرام، ولكن المريض  الذي تصبح حياته مهددة، ولا يجد مالا حلالا للعلاج، يباح له أن يقترض بالربا، للخروج من حالة الضرورة. {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}(المائدة : 7).

{وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}(الأنعام : 120)

والجهاد لنصرة الاسلام ونبي الاسلام واجب، لكن الضعفاء من النساء والعجزة معفون شرط  أن ينصحوا للاسلام بما يستطيعون : {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم إبراهيم}(الحج : 76)

{ليس على الضعفاء ولا على  المرضى  ولا على  الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله}(التوبة : 92)

3- أما الرحمة الثالثة فهي رعاية الشريعة للمصلحة في كل التشريعات، وبالمعنى الحقيقي للمصلحة التي تشمل الدنيا والآخرة، فالشعائر تساعد الفطرة، وتقوي اتجاه الا ستقامة والانضباط :

{إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}(العنكبوت : 45)

{كتب عليكم الصيام كما كتب على  الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة : 182)

وإعدام القاتل، والمرتد، والزاني المحصن، ومُمارس الشذوذ الجنسي، إعدام هؤلاء مصلحة للمجتمع لأنه تطهير للمجتمع من التلاعب بالعقيدة، حيث يسلم الشخص في أول النهار، ويرتد في آخره، لتشكيك المسلمين في دينهم.

{وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون}(آل عمران : 72).

ولهذا كان العقاب مشددا بردع المتلاعبين بالنظام العام للمجتمع : من بدَّل دينه فاقتلوه(2)

ولأن ذلك الإعدام حماية للحياة من الأعداء، فمن علم أن ما فعله بحياة الغير سينعكس على حياته بنفس الفعل، سيرتدع عن الاعتداء، ولهذا قال الله عز وجل : {ولكم في القصاص(3)  حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}(البقرة : 278)

{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى}(البقرة : 277)

وأيضا في ذلك ردع لجرائم الأعراض والأنساب، وردع لجرائم الاعتداء على كرامة الأسرة وتماسكها، وعلى كرامة الانسان بعامة : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلواالفاعل والمفعول به(4).

4- أما الرحمة الرابعة فهي حفظ السلام الفردي والأسري، والمجتمعي، والدولي. {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}(البقرة : 206)

لقد جعل الاسلام من نعم الله تعالى على الخلق : أن جعلهم متعددي الأعراق والألوان واللغات والثقافات، لتكون لهم قدرات متعددة، تجمع لتتعارف وتتجاور، فينتج عن ذلك تطور الثقافات وتطور الحضارات وتفاعلها لخير البشرية كلها : {ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم}(الروم: 21).

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}(الحجرات : 13).

وفي هذا الاطار أوجب الاسلام تبليغ منهجه إلى العالمين، لتعم ثقافة الرحمة وثقافة السلام.

{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}(المائدة : 68}

بلغوا عني ولو آية(5).

………………………

1- الحنيف : الميال إلى الحق بطبعه واتجاهه العام

2- صحيح الامام مسلمن قسم : 2865

3- صحيح الجامع الصغير وزياته، رقم : 6001. وهو للامامين البخاري وأحمد

4- القصاص : معاقبة الجاني كمثل ما اعتدى به على الغير بمقداره.

5- صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم : 6.465

6- صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم 2.834 وهو للبخاري وأحمد والترمذي.

د. محمد الحبيب التجكاني

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *