البيان التأسيسي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


>لندن – قدس برس – إسلام أون لاين.نت

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وأتباعهم الصالحين أجمعين، وبعد:

فإن العلماء المؤسسين للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين المجتمعين في لندن يوم الأحد الموافق 23 من جمادى الأولى 1425هـ – 11/7/2004م، قد تنادوا لتأسيسه انطلاقًا من القيم الربانية الداعية إلى توحيد الله، وإفراده بالألوهية والربوبية، والتزامًا بالمبادئ الإسلامية الداعية إلى تزكية النفس، وإصلاح الروح، وعدم الإغراق في المادة على حسابهما، وتعبيرًا عن المذاهب والمدارس الإسلامية كافة، ابتغاء مرضاة الله تعالى، ومصلحة الأمة الإسلامية، وخير الإنسانية جمعاء، وذلك بإنشاء كيان جامع للعلماء العاملين الذين يؤلفون المرجعية الشرعية للمسلمين في بلدان العالم الإسلامي وخارجه الذين يحتاجون في كل مناسبة إلى الاستماع لكلمة الإسلام الصادقة، وبيانه الناصع، وحجته الصحيحة التي لا يخاف الناطقون بها في الله لومة لائم، ولا يحملهم على الانحراف في القول بغض ولا حب، بل يلتزمون العدل مع القريب والبعيد على السواء « ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى »، و »وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ».

وإذ يدرك العلماء المؤسسون للاتحاد أنه مع اتساع أهدافه وشمول عضويته ليس بديلاً عن المؤسسات القائمة في البلدان الإسلامية أو خارجها، فإنهم يرجون أن يكون إضافة مهمة إلى عمل هذه المؤسسات جميعًا، ومعبرًا صادقًا عن توجه الأمة الإسلامية، يتميز باستقلالية عن الدول والحكومات والأحزاب والجماعات، ولكنه يتعاون مع الجميع لتحقيق مصلحة الإسلام والمسلمين، وللنهوض بتبعة المرجعية الإسلامية التي يشعر المسلم الفرد، والمسلم في جماعة أو هيئةأو مؤسسة، أنها تتحدث باسمه، وتنطق بمكون نفسه، وتدافع عن حقه في البيان، فيبلغه للعالم كله من هم محل ثقته وتقديره واعتباره.

والهدف الرئيس للاتحاد هو الحفاظ على الهوية الإسلامية للأمة بحيث تبقى دائمًا كما جعلها ربها أمة وسطًا، قائمة بواجب الشهادة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق بالحق. وهو في محاولته الدائمة لبلوغ هذا الهدف يحرص على مواجهة الغلو أو الجفاء عنه بالاعتدال والوسطية، ومواجهة التسيب والتحلل من الالتزام بتعاليم الدين، ومواجهة الانحراف بنصوصه بالاستقامة على الفهم الصحيح لها، ومواجهة الابتداع المذموم بالاستمساك بالسنة والدعوة إليها.

ويؤكد العلماء المؤسسون من خلال إقرارهم للنظام الأساسي للاتحاد، على العمل جماعات وأفرادًا وفق أهدافه ووسائله لتحقيق غاياته. وينطلقون في عملهم من مجموعة مرتكزات، أهمها:

1-  التأكيد المستمر على الالتزام بمبادئ الإسلام وقيمه وقواعده التي تحفظ كرامة الإنسان، وتصون حقوقه، وتضمن حرياته، وتمكّنه من الإبداع في عمارة الأرض، وإصلاح الكون.

والعلماء المؤسسون يرون أن من أكبر العوائق في سبيل سيادة هذه المبادئ والقيم والقواعد هو محاولات الهيمنة المتكررة من قبل بعض الدول والقوى على الشعوب الإسلامية والشعوب المستضعفة على أوطانها وثرواتها. وهم ينظرون إلى هذه المحاولات على أنها عدوان لا تجيزه الشرائع السماوية، ولا تقره النظم الدولية، ولا تقبله القوانين الوضعية، ولا تسمح به الأخوة الإنسانية.

وفي ضوء ذلك يرون أن احتلال فلسطين والعراق وأفغانستان كلها أعمال عدوان يجب على كل قادر مقاومته بما استطاع. والجهاد في سبيل الله والمستضعفين، وتحرير الأراضي الإسلامية المحتلة، واجب لا يؤدَّى حتى يتم تحريرها. لكن هذا الواجب لا يعني العدوان على الأبرياء، ولا يجيز مقاتلة النظم الحاكمة التي قد يظنأنها موالية للأعداء، فإن الأول عدوان لا يجوز شرعًا، والثاني فتنة تقصم ظهر الأمة، وتجعل بأسها بينها شديدًا، ولا يفيد منها إلا العدو الذي لا يفرق في عداوته الحقيقية بين حاكم ومحكوم. وأن السبيل الأقوم لمنع وقوع هذه الفتنة هو إقرار العدل، والالتزام به.

2- العمل بجدية لتقريب الفجوة القائمة في دول العالم الإسلامي بين الحكام والمحكومين، تلك الفجوة التي تؤدي إلى صراعات وفتن تهدد ثرواتها وطاقاتها، ويقتضي هذا -في نظر العلماء المؤسسين- أن ترد إلى الشعوب حقوقها في حكم نفسها بنفسها، وأن تتم الاستجابة إلى الأمر الإسلامي بالشورى الذي يلزم الأمة برفض الاستبداد بجميع صوره وأشكاله، وفي طليعتها: الأنظمة الشمولية، وبأن يكون تداول السلطة متاحًا بالوسائل الديمقراطية، وبأن توظف الثروات لمصلحة الكافة، ولا سيما الطبقات الفقيرة والمهمَّشة، وبأن يُعمل على إزالة المظالم أيًّا كان نوعها، وإيصال الحقوق إلى أصحابها حيثما كانوا ومهما كان انتماؤهم. وأن تواجه بحسم محاولات طمس هوية الأمة وإفساد تعليمها وإضعاف لغاتها في أوطانهم كافة.

3- وضع حقوق المرأة التي كفلها الإسلام وأهدرتها التقاليد الموروثة والأهواء المنحرفة موضع التطبيق، فـ « المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله » فكلُّ فهم، أو فقه، أو رأي، أو قانون يأتي بخلاف هذا النص القرآني المحكم فهو رد على صاحبه، ومن حق المرأة المسلمة وواجبها أن تحافظ على هويتها الإسلامية وتدافع عنها، والمسلمون لا يحتاجون إلى من يعلمهم كيف تُصان حقوق النساء، ففي دينهم الكفاية، ولكنهم مع ذلك يرحبون بكل إنجاز إنساني في هذا الباب، ويرونه تحقيقًا لمبادئ الإسلام القرآنية والنبوية، ومن التزامهم بتلك المبادئ يأتي إباؤهم الاستجابة للدعوات المخالفةللفطرة الهادمة للأسرة، الخارجة عن حدود الإسلام، بل عن حدود الإسلام كافة، وهم في مواجهتهم لهذه الانحرافات يقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورضي بذلك من رضي، وكره ذلك من كره.

4- الإقرار بواقع اختلاف الآراء وتنوعها داخل المدارس الفقهية والفكرية والإسلامية. وهو اختلاف يمكن أن يكون مصدر ثراء للفقه والثقافة والمجتمع، ويحقق اليسر المأمول به شرعًا، ومن خلال قبول هذا التنوع واحترامه تأتي إمكانية الإصلاح الفكري والفقهي من داخل المنظومة الإسلامية نفسها، أو بأدواتها الذاتية، لا إملاء من الغير، ولا خضوعًا لسلطة أو رهبة من قوة.

5- تقديم الإسلام للعالم بصورته السمحة، ووسطيته العاقلة، ورحابته التي وسعت خلق الله جميعًا بالحكمة والموعظة الحسنة، والحوار بالتي هي أحسن داخل الصف الإسلامي وخارجه، وبالاتفاق على ما يقبله الجميع، والاحتفاظ بخصوصية كل ذي رأي أو دين أو مذهب أو فكرة « ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ».

وتأسيسًا على هذا فإن العلماء المؤسسين يؤكدون  رفض الإسلام للعنف وسيلة لحل الخلافات الفكرية والسياسية أو لفرض الرأي على المخالفين سواء قام به أفراد أم جماعات أم حكومات.

ويلاحظ الاتحاد في هذا الشأن بقلق تنامي ظاهرة (الخوف من الإسلام) في الولايات المتحدة وأوربا، والهجوم المتواصل الذي تتعرض له مؤسسات وأفراد وعلماء أجلاء لمجرد الانتماء إلى الإسلام.

والحق: أن الإسلام لا يبدأ أحدًا بالخصومة، ولا يوجه نحو أحد سلاحًا، إنما يرد العدوان بالقدر اللازم لرده، وردع المعتدين « وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين »، والعلماء المسلمون وهم يعلنون موقفهم ضد محاولات الهيمنة والاستتباع التي تمارسها قوى غربية أوربية وأمريكية، يعلنون أن المسؤولين عن هذه المحاولات وحدهم هم المعنيون بالموقف الرافض لها، ويؤكدون على توحد جهودهم مع جهود القوى الشريفة في كل بقعة من بقاع الأرض التي تقف في مواجهة تلك المحاولات وتناهض السيطرة الاقتصادية والسياسية، وتقاوم العولمة المستعلية الطامعة الباغية الرامية إلى استئثار قوة وحيدة بالنفوذ والثروات في كل أنحاء الأرض، وفرض ثقافتها الخاصة على العالم كله. ويدعون الدول والحكومات الإسلامية إلى التعاون مع شعوبها في مواجهة الهجمة الضارية على الإسلام والمسلمين.

ولا يفوت العلماء المؤسسين أن يذكروا التجمعات الإسلامية في ديار الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة وأوربا، بضرورة مواصلة الاستفادة من المناخ الحضاري السائد في هذه البلاد والمساهمة الفعالة في إغناء هذا المناخ، والعمل على الإبقاء على المنجزات التي حققها وجودهم في صور مؤسسات قامت، أو حقوق أصبحت مسلمًا لها، أو حريات لم يَعُد ممكنًا الانتقاص منها. ذلك أن الاندماج الإيجابي في هذه المجتمعات والإفادة الكاملة من حقوق المواطنة فيها، اندماجًا بلا ذوبان، ومحافظة على الهوية الإسلامية دون انغلاق، يمثل أولويات البقاء الإسلامي الضروري لتبليغ كلمة الله إلى الناس كافة، إن لم يكن بالدعوة المباشرة فبالقدوة الصالحة، وهي متاحة لكل مسلم. والسلوك الإسلامي الواعي صورة حسنة يقدمها كل مسلم وكل مسلمة فيدحض بها الصورة المشوهة التي يقدمها إعلام مغرض أو جاهل بحقيقة المسلمين وبمعنى التزامهم بدينهم.

وعلى الدول الغربية بالمقابل واجب كفالة الحقوق والحريات للمسلمين المقيمين بها، وتمكينهم من أداء واجباتهم الدينية بحرية، شأنهم شأن أهل سائر الأديان، ومنع التمييز بينهم وبين غيرهم من المواطنين بسبب الدين، واستيعاب الخصوصية الثقافية الإسلامية في إطار التعددية التي كان الإسلام أول من نادى بها والتي تعدها المجتمعات الغربية من مفاخرها الحديثة.

6- وتأسيسًا على ما سلف يرى المؤسسون للاتحاد أن دورهم في تكوين المرجعية الإسلامية العالمية مقترنٌ بدورهم في بناء جسور الحوار والتواصل مع الناس كافة، والحكومات والمؤسسات الرسمية والشعبية جميعًا، ما كان منها إسلاميًّا وما لم يكن، وقد كان هذا من دوافعهم إلى إعلان تأسيس اتحادهم هذا من العاصمة البريطانية تأكيدًا على الانفتاح على الآخرين المأمور به في قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

ولمثل ذلك فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

والله من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.

صدر في لندن في 23 من جمادى الأولى 1425هـ – 11/7/2004م.

الاتحاد العالمي للعلماء  المسلمين

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *