قضايا المرأة بين الشرع والعقل


7- التعدد

تعدد الزوجات رخصة واستثناء لا يسمح به إلا لضرورة،  وقيده الشارع بالاستطاعة والعدل والرضى،  ولكن عددا من الأزواج يمارسون التعدد دونما حاجة ولا استطاعة ولا ضرورة تدعو إليه وتبيحه،  مما أحدث أضراراً كثيرة في المجتمعات الإسلامية ومفاسد متنوعة أفسدت العلاقات الأسرية واضرت بالأولاد والأهل،  خاصة والبعض يتعسف في استعمال ما يحسبه حقا وهو في الأصل رخصة واستثناء،  مما دفع عددا من العلماء إلى الدعوة لمنعه تحت عدة اعتبارات.

وفي هذا السياق يندرج ما كتبه فقهاء وعلماء درسوا أخطاره ومساوئه وما ترتب عنه من أضرار ومفاسد في المجتمع الإسلامي الإفريقي والأسيوي فقالوا “يمنع التعدد من أصله حتى لا يبقى هنالك مبرر أو داع لحيلــة من الحيــل الاجتماعية في التمتع بالشهوات دون قيد ولا تحديد”(1) واعتمادا على فهمهم لقوله تعالى : {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} ومثل هذا ما نقله الشيخ رشيد رضا عن الإمام محمد عبده من أن ” التعدد في الإسلام رخصة… وقيد بالشرط الذي نطقت به الآية الكريمة تأكيدا مكررا {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} ليقول بعد ذلك “أما منع تعدد الزوجات إذا فشا ضرره وكثرت مفاسده وثبت عند أولي الأمر أن الجمهور لا يعدلون فيه… فقد يمكن أن يكون لـه وجه في الشريعة الإسلامية السمحة…” وللإمام أن يمنع المباح الذي تترتب عنه مفسدة(2) كما فعل عمر بن الخطاب ] عندما تزوج حذيفة بن اليمان يهودية بالمدائن فكره ذلك وكتب إليه يقول :”اعزم عليك ألا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها،  فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن،  وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين ” مما أخذ منه الفقهاء حق ولي أمر المسلمين التدخل لتقييد المباح.

وجاءت مدونة الأسرة لسنة 2003 في المادة 40 من القسم الثالث لتسير في هذا الاتجاه قائلة :

يمنع التعدد إذاخيف عدم العدل بين الزوجات،  كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها “بحيث” لا تأذن المحكمة بالتعدد :

– إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الاستثنائي.

– إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين،  وضمان جميع الحقوق من نفقه وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة “المادة : 41”.

وهذا الذي ذكرناه لا يعني إلغاء رخصة الإباحة ولا المبدأ من أساسه فقــد تدعـــو الحاجة مطلقا التي أعطت الحق لأولياء أمور المسلمين تقييد المباح لمصلحة راجحة في بعض الظروف والأحوال أن تفرض رفع التقييد وإباحة التعدد عند الاقتضاء،  خاصة وأن هناك عدداً من الفقهاء يرون أن الاستدلال على منع التعدد بقوله تعالى : {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة}(النساء :129) لا يستقيم فالله تعالى أذن بتعدد الزوجات يقينا أن العدل المطلق الكامل بين النساء غير مستطاع بمقتضى طبيعة البشر لأن العدل الكامل يقتضي المساواة بينهن في كل شيء حتى في ميل القلب وشهوة الجنس،  وهذا ليس في يد إنسان،  فهو يحب واحدة أكثر من أخرى ويميل إلى هذه أكثر من تلك،  والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء.

ومن ثم كان النبي  يقول بعد أن يقسم بين نسائه في الأمور الظاهرة في النفقة والكسوة : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك يعني أمر القلب الذي لا يستطاع العدل فيه وهو في موضع العفو من الله تعالى(6).

وما يمكن الوقوف عنده في سياق العلاقة بين الزوج والزوجة ربط حق الزوجة بالنفقة بالتمكين  لـه تمكينا قوليا وفعليا بأن تقول : سلمت نفسي لك حيث شئت ونحو ذلك،  حتى لو استمرت ساكنه أو مكنته بالفعل لم يكف في وجوب النفقة.

هكذا يفهم بعض الفقهاء “الميثاق الغليظ” الذي يربط بين الزوجين في إهمال لعواطف المرأة وحاجاتها الجنسية وعدم اهتمامهمبها وكأن المرأة لا شهوة لها.

كل ذلك نتيجة أن الباحث في هذه الأمور ذكرا،  مما يترد معه كثيرا أن الآراء الفقهية المتعلقة بالأمور ذات توجه ذكوري واضح، من اللازم في البحث الفقهي المتعلق بالمرأة وفهم النصوص المتعلقة،  إشراك المرأة في البحث والفهم.

——————

1- 43 – علال الفاسي – النقد الذاتي ص :222.

2- تفسير المنار.

3- يوسف القرضاوي – الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ص :166 – 167.

ذ.عبد الحي عمور

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *