من بصائر الصبر في القرآن


يطلق لفظ الصبر في عام الاستعمال على قوة التحمل بمنع النفس من تحصيل ما تشتهيه ؛وهو معنى قد يتعدى الصالح إلى الفاسد ؛والمؤمن إلى الكافر ؛بحيث قد يتحمل المشاق والصعاب ويمنع نفسه من تحصيل أسباب النعمة والدعة ذوذا عما يعتقده وهي حال سجلها القرآن على الكفار بلسانهم {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}. ولاريب في أن هذا الضرب من الصبر مرفوض مدحوض ما دامت قوته تكن العداوة لله؛واهله يقطعون رجاءه سبحانه {إنهم يالمون كما تالمون وترجون من الله مالا يرجون}.

إن الصبر المطلوب المرغوب فيه في القرآن هو الصبر الرباني ؛الذي يضبطه فيما يضبطه  تمييزا له عن الصبر الأول الذي هو صبر شيطاني أمران اثنان :

الأول : الاخلاص في الاستعانة بالله :إذ حقيقة الصبر القرآني أنه استعانة به عز وجل عند البلاء والابتلاء؛فقوة الصبر إنما هي مدد من الله سبحانه {واصبر وما صبرك إلا بالله}؛ ولذلك قد يتعاطفان تعاطف المتداخلين المتكاملين كما في قوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام لمن اتبعه {استعينوا بالله واصبروا} وأحيانا يكون  الصبر للاستعانة كالأداة كما في قوله سبحانه {واستعينوا بالصبر والصلاة} فالصبر والصلاة وقود الاستعانة به سبحانه كما جسد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة من بعده طيلة فترات الدعوة ؛وعلى الخصوص في أحلك ظروفها وهي في مراحلها الاولى ؛ فقد تعرض عليه السلام لشتى صنوف الأذى من قبل أشقياء الكفار وهو يصلي بالبيت ؛ وكان يمر صلى الله عليه وسلم بآل ياسر وهم يعذبون فلا يملك لهم غير المواساة بالصبروالبشرى بالجنة >صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة< وما لاقاه عليه السلام مع أهله  وصحابته في شعب أبي طالب خلال سنوات الحصار الثلاث لم يكن ليبدده إلا الاستعانة به سبحانه بالاستجابة لنداء الصبر الرباني الأول{ولربك فاصبر}.

فالصبر متى كان ربانيا تحولت مرارة مواقفه إلى حلاوة إيمانية لا يدركها إلا من ذاقها ؛إذ من ذاق عرف ومن عرف اغترف .وليس هذا من قبيل التلذذ بآلام النفس ؛إذليس هذا المرض النفسي من الربانية في شيء ؛ وإنما هو يأس وبؤس وانتحا ر واندحار ؛فلا يجد فيه صاحبه حلاوة إيمان البتة ؛وإنما مرارة شقاء وعصيان . ناهيك عن أنه لايكون إلا قابعا خانعا تابعا بعكس الصابر بإخلاص واحتساب فغالبا ما يكون راشدا قائدا رائدا عند المحنة وبعدها.

ذلك أن الصبر حقيقة مدرسة لصنع القيادات الراشدة؛ ولذلك صنع في مراحل الدعوة العصيبة من القواد ما قام به ركن الدين واشتد عوده ؛فصدق فيهم من صدق في الفئة الصابرة من أتباع موسى عليه السلام {وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا لما صبروا}.

الثاني : أن يكون في موقف من مواقف البر : فما أمر به سبحانه من الاصطبار لا يجوز أن يكون في مهاوي الاثام والارجاس إذ ذلك هدم لحقيقته ؛ فالمطلوب اذن إلجام النفس وصونها عن الوقوع في شبهات ذلك ؛بله السقوط فيه . ولعل هذا الجزء الخاص بالصبر على اجتناب المنهيات هو الأهم من حقيقة الصبر ؛ومثله الجزء الخاص بالصبر على حفظ الفرائض ؛وهما يعرجان بصاحبيهما بقوة دفع كبرى إلى مقام التقوى .وهذا الشرط مستفاد من مجالات الصبر في القرآن التي ذكر منها فيما ذكر خمسة أمور :

1- الصبر على تبليغ الرسالات : وهو موجه أصالة إلى من أوحى الله إليهم سبحانه بشرائعه من الأنبياء والمرسلين خاصة كما في قوله سبحانه {ولقد كذب رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا حتى أتاهم نصرنا }

2- الصبر الجهادي : سواء كان في ساحْ الوغى كما قال أنصار طالوت {ربنا أفرغ علينا صبرا} أو في ساحة الدعوة إلى الله جل وعلا بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن كما يستفاد بالتبع على سبيل الاتساء بخير الداعين إليه سبحانه {فاصبر على ما يقولون}.

3- الصبر العبادي : سواء بمعنى العبادة العام الذي يفيده قوله عز وجل {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون }وهو شامل لكل حركة وسكنة في الجنان واللسان والأركان فردية وجماعية لا يتعدى فيها حدود الله ويبتغى بها وجه الله ؛وهو مقتضى قوله سبحانه {فاعبده واصطبر لعبادته} أو كان بمعنى العبادة المحضة التي تشمل الشعائر المخصوصة على هيآتها المخصوصة كما في قوله سبحانه {وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}.

4- الصبر على طلب العلم : أي العلم الموصول بالله الباعث على التقرب إليه سبحانه بالعمل الصالح كما يستفاد من قوله جل وعلا {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} فهذا الضرب من العلم النافع الرافع وما يتوسل به إليه لابد من استفراغ الوسع في الصبر على طلبه كما يشير إليه قول الخضر المتكرر لموسى عليهما السلام {إنك لن تستطيع معي صبرا؛ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا}.

5- الصبر على البلايا والرزايا : كما في قوله سبحانه الجامع المانع في البقرة {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الا موال والانفس والثمرات وبشر الصابرين}.

اللهم اجعلنا من الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار آمين..

ذ.عبد المجيد بالبصير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *