مـحـمـد   فــــــي نبــوءات التــوراة             


مقدمة:

ما أثاره القرآن الكريم من أخبار عن محمد صلى الله عليه وسلم وأحواله وأحوال أمته، مما تمت الإشارة إليه في أسفار التوراة توضيحا وتلميحا، يستحيل أن يدركه غير المطلع المتخرج من أكبر المؤسسات الدينية اللاهوتية اليهودية والمسيحية على السواء. وحيث إنه عليه السلام لم يكن كذلك، فقد صار لزاما تعلق الأمر بأكبر دليل على صدق نبوته عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، يدرك ذلك اليهود والنصارى قبل غيرهم. فهم المطلعون على حقيقة هذه الأوصاف في التوراة التي تواطؤوا جميعا على الإيمان بها. وهم يعلمون أنها لا تصدق بحق ويقين سوى في محمد عليه السلام وقومه. ولعل تلك الإشارات كانت نبراسا ألجأ اليهود إلى الاستفتاح على الذين كفروا(1) قبل البعثة. بل نملك الجزم بأنه ليس هناك ما يفسر هذا الاستفتاح حقيقة، غير تلك المواصفات. وعليه، لم يكن المؤمل فيهم -اليهود والنصارى- سوى تأييد هذا النبي والوقوف إلى جنبه ومساندته مهما كلف الأمر. لكنهم لم يشذوا عن طبعهم، فقد جاؤوه بما فعلوه مع الأنبياء قبله، فكانوا أوفياء “لخط الشر” الذي رصد النبوات عبر التاريخ(2).

وفيما يلي نعرض بعض قواطع الشواهد على صدق نبوة التوراة في محمد عليه السلام، مما يفرض على اليهود والنصارى الإيمان به، والدفاع عن شخصه الكريم ضد كل من يسيء إليه، انسجاما مع إيمانهم بما يوجد في التوراة الحالية، حال كونها محرفة مزيدا فيها ومنقوصا منها.

من أجل ذلك، لا بد من التسليم بتجريد بني إسرائيل من النبوة، استنادا إلى التوراة. كما أنه من اللازم إيراد الإشارات الدالة على أسباب انتزاعها منهم، وهي تتعلق بحقيقة اليهود التي استعدت البشر كافة عليهم بل أدت إلى استعداء وغضب الذات الربانية عليهم، حتى توعدتهم بالتشريد والدمار.

إن شرط الغيظ الإلهي ضد بني إسرائيل وانتزاع النبوة منهم وتوعدهم بالعقاب، لا بد من أن يفضي إلى ترشيح طرف آخر لتحمل أمانة النبوة. والتوراة هنا، تمنح المتأمل وغيره فرصة معرفة هذا الطرف بوضوح. إنهم إخوة بني إسرائيل وهم بنو إسماعيل، الذي بارك الله في التوراة ذاتها، ووعده بالتكثير وبالأرض وأن يكون أمة عظيمة. وحيث إن أبناء إسماعيل لا يمكن أن يتأتى لهم ذلك الوعد إلا في البلد الذي يقطنون فيه، فقد كان لزاما، أن يتوقع اليهود أن إخوتهم من إسماعيل هم العرب الذين تنبأت التوراة بنبوة فيهم من جهة العرب. تماما كما تنبأت بأنهم سيكونون أمة غبية، ثم ستمثل “الأمة العظيمة” التي وُعِد بهذا إسماعيل. وأن النبي املوعود سيكون منهم، وستكون له خصائص وميزات موسى عليه السلام. وأنه حين يأتي بالنبوة سيستهلها بأمر غير متوقع في بلاد الأمية.

ويمكن بسط الحديث عن هذه البشارات على النحو التالي:

1- انتزاع النبوة من بيت إسرائيل:

طبيعي جدا، إنكار أبناء إسرائيل، ترك النبوة بيتهم وخروجها منهم. فهم لا يتصورونها في غيرهم، ومن يكره تحصيل الخير كله!؟ يعزز هذا، الرغبة الطبيعية في تحصيل الامتياز الإلهي، فهم يعتقدون أنهم الجنس المصطفى والشعب المختار، وهي عقيدة عرقية عنصرية، تعمي البصيرة قبل البصر.

ومن اللازم تسجيل أن هذا الاعتقاد يسود بينهم رغم وجود نصوص كثيرة في التوراة وكتب الأنبياء والعهد القديم عموما، تتنبأ بانتزاع النبوة منهم بصراحة ووضوح. وهنا نقتصر على بعض هذه النصوص.

أ- نص البشارة الأولى: أحجب وجهي عنهم، وبأمةٍ غبيةٍ أغيظهم:

جاء في سفر التثنية(3): (19-فرآى الربُّ وَرَذَّلَ من الغيظ بنيه وبناته. 20-وقال أَحْجُبُ وجهي عنهم، وأنظر ماذا تكون آخرتهم… 21-هم أغاروني بما ليس إلها. أغاظوني بأباطيلهم، فأنا أغيرهم بما ليس شعبا، بأمةٍ غبيةٍ أغيظهم… 26-قلت أبدّدهم إلى الزوايا وأبطل منالناس ذكرهم).

< شرح البشارة:

حديث هذا النص واضح الدلالة على حكمٍ قضى به الرب سبحانه في حق “بنيه وبناته”، الذين يقصد بهم: “بنو إسرائيل”. وليس هناك من اليهود من ينكر كون بني إسرائيل هم الطرف المقصود بالبنين والبنات. ومقتضى الحكم بنص التوراة، أن هؤلاء الأبناء سيحل بهم غضب الرب بأن يحجب عنهم وجهه. ولأنهم أغاروه بما ليس إلها، فقد قضى بأن يغيرهم هو كذلك بما ليس شعبا. وبما أنهم أغاظوه فهو أيضا، سيغيظهم بأمة غبية. بل أكثر من ذلك أنه سيبددهم إلى الزوايا ويبطل من الناس ذكرهم.

إذن، فقد حدد الرب في نص التوراة، مصير أبنائه بني إسرائيل. فالنبوة ستنزع منهم انتزاعا وتُحجب، وستكون في شعب ليس شعبا، وفي أمة غبية، غير بني إسرائيل الذين سيبادون -حسب النص- ويشتتون في أركان الأرض (الزوايا) إلى درجة بطلان ذكرهم في الناس. ولا يمكن أن يفهم من النص سوى انتزاع النبوة منهم، بل ومعرفةحتى مواصفات الجهة البديلة التي ستتحمل مهمة تبليغ النبوة. وهو ما سنفصل الحديث عنه لاحقا. إنما وجب في هذا المقام، التأكيد على وجوب التسليم بخروج النبوة من بني إسرائيل بمقتضى نص التوراة.

ب- نص البشارة الثانية: لا نبي فيهم مثل موسى:

ورد في التوراة في سفر التثنية (4): (10-ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى).

< شرح البشارة:

يأمل اليهود في بقاء النبوة فيهم، وهم يتوقعونها كذلك، وهذا مجرد طمع مشروع، سرعان ما يتبدد حينما تذكر التوراة نفسها وبصراحة غير قابلة للمراجعة، وعلى لسان موسى نفسه، أن النبوة لم تقم في بني إسرائيل بعد موسى أبدا. كما دل عليه النص السابق الذكر.

ويمكن للتدليل على صحة مضمون النص، مساءلة اليهود السؤالين التاليين:

إذا كنتم تتوقعون نبيا منكم، فأين هو بعد هذه الألوف المؤلفة من السنين بعد موسى!؟

ثم، ألا يتناقض الاعتقاد بمجيء نبي فيكم مع تصريح موسى: (لميقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى)؟

وإذا كانت هذه الآية، تحتمل مضمونا آخر ودلالة أخرى، غير البشارة بخروج النبوة من بني إسرائيل، فإن التوراة أوردت بشارة ثالثة على لسان موسى أيضا تؤكد بوضوح انتزاع النبوة من بني إسرائيل.

ج- نص البشارة الثالثة: النبي من إخوتهم مثل موسى:

جاء في التوراة في سفر التثنية(5):

(15-يقيم لك الرب إلهك من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون… 17-قال لي الرب… 18-أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك).

< شرح البشارة:

من اللازم هنا، التأكيد على أن الرب وعد بني إسرائيل، بأن يقيم لهم نبيا مثل موسى من إخوة بني إسرائيل، وليس من بني إسرائيل. ما يفهم منه أن الوعد يتعلق بأبناء إسماعيل الموعودين بالبركة والتكثير والأرض والعظمة والتسلط. هذا، وسنخص هذه البشارة، بوقفة خاصة وبشيء من التفصيل لاحقا.

< خلاصة:

من الأهمية بمكان أن نسأل بني إسرائيل: إذا كان التوعد الرباني بحجب الوجه عنهم، وبأن الرب سيغيظهم بأمة غبية، وبأن الله سيبعث لهم نبيا من وسطهم مثل موسى وأن موسى قال إنه لم يقم نبي مثله، فأين هو النبي الذي سيكون من إخوة بني إسرائيل، ومثل موسى!؟ إنه إذا لم يكن محمدوأمته هم من أخوتهم ومن وسط اليهود، فممن تتمثل هذه النبوءة؟

——–

1- إشارة إلى قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. فلعنة الله على الكافرين}(البقرة:89).

2- وهو ما سنوضحه في الأسباب التي أدت إلى تدمير اليهود من خلال الكتاب المقدس.

3- التثنية32/19-26.   //  4- التثنية34/10.

5- التثنية18/15-18.

ذ.لخضر بن يحيى زحوط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *