مجلس النواب الأميركي : الفلسطينيون كلهم إرهابيون فَلْنحْرِمْهم من كل شيء!!


(تستدعي الشرطة الفدرالية الأميركية رئيس مجلس النواب الأميركي للتحقيق معه بتهمة الفساد).

مع إعلان هذا الخبر، كان مجلس النواب نفسه يُجيزُ قانونا بـ (مَنْع كل مساعدة من أيِّ نوع عن الفلسطينيين جميعا (بحسْبَان: أن كلَّ فلسطيني: من سُلطة الرئاسة إلى سلطة الحكومة إلى المجلس التشريعي الى سائر الفصائل وجماهير الشعب الفلسطيني.. حسْبَانِ هؤلاء جميعا (إرهابيين) وان أيَّ مساعدة تقدَّم لأي فلسطيني إنما هي (دعمٌ للإرهاب والإرهابيين).

فهل بين الأمرين علاقة؟! :

تحقيق الشرطة الفدرالية مع رئيس مجلس النواب بتُهْمة الفساد؟َ وقانون حرمان الشعب الفلسطيني من كل شيء؟!.

هل بين الأمرين علاقة؟.. بالقرائن يتضح الجواب المبدوء بأسئلة أيضا: هل من المصلحة الأميركية الوطنية؟.

وهل من متطلبات الأمن القومي الأميركي؟.

وهل من (قيَم) الشعب الأميركي في مساعدة (الآخر)؟.

وهل مما (يُجَمِّل صورة الولايات المتحدة) المشوهة في كل مكان؟!.

هل من ذلك كله في شيء: حِرْمان شعبٍ كامل من كل شيء ضروري للوجود والحياة عن طريق قانون يؤسِّسُ لابادة جماعية بالتجويع الشامل الكامل؟..

لا.. ليس لأميركا الشعب والمصالحِ والمبادئِ والصُّورة: مصلحةٌ قَطُّ في هذا القانون الظلوم المظلم.

ولكن -بلا شك- لكل نائب (مصلحة شخصية) في هذا القانون.. كيف؟..

يفصل بين هذا القانون وبين الانتخابات التشريعية النِّصْفية -في أميركا- خمسةُ أشهر فحسب.. وكل نائب يريد دعاية، ويريد تمويلاً، ويريد شعبيةً انتخابية، ويريد العودة الى (المقعد النيابي)..

ومن المعروف ان لـ (اللوبي الصهيوني) دورا مؤثرا وفاعلا في ذلك كله، سواء تمثل هذا اللوبي في (الإيباك)، أو تمثل في مؤسسات وآليات أخرى. بمعنى أن عودة النائب الى مقعده من جديد مرتبطة -إلى حد كبير- بـ (رضى) اللوبي الصهيوني عنه (ولقد كان القانون في استقبال أولمرت وهو يخاطب الكونجرس.. ومن أجل كسبه هذا المرض صوَّتَتْ الأغلبية الساحقة في المجلس لصالح إجازة هذا القانون (المارق) من القانون الدولي الذي يُحَرِّمُ اتخاذ أي تشريعات أو اجراءات أو سياسات تُبيد -بالتجويع والحرمان- جماعةًً ما من الجماعات البشرية.. وان يُضحى بالمبادئ والمصالح القومية العليا وبسمعة أميركا وصورتها في سبيل (مكاسب شخصية صغيرة)، فذلك هو الفساد عينه..

ولئن قيل: إن اللعبة السياسية تُتيح ذلك، فإن الردَّ هو: إن هذه اللعبة ذاتها تصبح فاسدة عندئذ، وإلا كيف يمكن (التفريق الموضوعي) بين المصلحة الوطنية وبين الفساد الذي يُهْدرها من أجل حَفْنة من الدولارات والأصوات والبرامج الدعائية؟!.. ثم أين؟.. أين؟.. أين: (الحرية) المدَّعاة عند رجال استعبدهم الهوى السياسي؟، واستعبدتهم الانتخابات؟ واستعبدهم التهافت على العودة الى الكراسي؟

ومما لا ريب فيه: إن هذا القانون -ونظائره من سياسات ومواقف- يُنزل أشد الأضرار بالشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه ويضر -من ثَمَّ- بالعرب والمسلمين أجمعين..

هذا أمر مفروغ منه من حيث ان القانون يستهدف بالضرر (الآدميين) الفلسطينيين، ولا يستهدف بالأذى دبَبَةَ القطب الجنوبي!!

ولكنا ندير الحديث على نحو يستبين منه (التناقض) بين هذا القانون وبين مصالح أميركا: المبادئِ والشعب والصورة وسُنَن البقاء والاستمرار:

1- لم يحصل للولايات المتحدة في تاريخها كله: أن تعرضت صورتها وسمعتها لهذا التشوُّه والتقبيح في كل مكان في عالمنا هذا.

لم يحدث هذا إبَّانَ حرب فيتنام نفسها، ومع وجود الاتحاد السوفياتي الذي جعل على رأس أجندته الفكرية والسياسية والاعلامية: تشْويهَ صورة الولايات المتحدة الأميركية في أعْيُن امم الارض كافة..

ومن المفارقات: ان الأميركيين أنفسهم يعترفون الآن بوجود (صورة الأميركي القبيح) على نطاقٍ عالمي. وبناء على الاعتراف بهذه الحقيقة : طفقوا (يكافحون) من اجل تجميل صورتهم

فقد استحدثوا وظيفة رفيعة المستوى في وزارة الخارجية : يتحرَّى موظفوها الوسائل والاساليب التي تزيل التشوهات والقبح عن الوجْه الأميركي ـ وتعزز ذلك بمبادرات اهلية طوعيَّة توصي رجالَ الاعمال وسائر السائحين الأميركيين في دول العالم بالتزام (مدونة سلوك) في التعامل مع الأُمم بقصد تجميل صورة (الانسان الأميركي).

ومن حق كل أحد: ان يسعى الى تجْميل صورته، فليس على الارض انسانٌ سوي عاقلٌ يطْرَب لصورته القبيحة لدى الآخرين، وينظِمُ قصيدة شعرية في مدْح الذين يروْنه في أقْبح صورة!!.

بيد انه من العقل والواقعية: ان يعلم الأميركيون انه يوشك ان يكون من المستحيل: ان يبلغوا اهدافهم الوطنية في تحسين صورتهم القومية، ولا سيما في العالم العربي والاسلامي.

ومنطق الاستحالة -النظري والعملي- هو: ان بضعة كِيلُوَاتٍ من أصْباغ التجميل لن تزيل ملايين الاطنان التي تسوِّدُ الوجهَ وتشوِّهُه وتقبِّحُه تقبيحا فريدا: يوما بعد يوم..

وقانون مجلس النواب الأميركي الرَّامي الى (تعميم وتأصيل تجويع الشعب الفلسطيني): رُكَامٌ ضخم جديد من اطنان التقبيح للصورة الأميركية.. نعم.. نعم.. نعم.. ليعْلم مجلس النواب الأميركي انه قد شوه بيديه صورة بلاده بهذا القانون الجائر وغير الانساني وغير الاخلاقي وغير المتحضر.

2- لسنا نتمنى الشر لأحد، بيد ان هناك (سننا) لا تحابي احدا اذا هو باشر اسباب انطباقِها عَلَيْه.. ومن هذه السنن: أَنَّ هناك علاقة -لا تنفكُّ- بين (الظلم) وبَيْن (هلاك) الامم وزوالها.

لقد تحدث المؤرخون وفلاسفة التاريخ عن (اسباب سقوط الدول والامبراطوريات).. وعلى كثرة ـ الاسباب التي ذكروها، فإن تركيزَهُمْ على (سبب الظلم) كان باهتًا او معْدُوما. وهذا قصورٌ فادِحٌ في التعليل والتحليل والاستنباط. في حين أَنَّ في القرآن (مَنْهَجًا سَبَبِيًّا كاملا) يرُدّ تدهْوُرَ الدول والامم وسقوطها: الى (سبب الظلم):

أ- {ولَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُون مِنْ قَبْلِكُمْ لَـمَّا ظَلَمُوا}(يونس : 13).

ب- {وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُم لَـمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِـمُهْلَكِهِمْ مَوْعِدَا}(الكهف : 58).

جـ – {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً  بِمَا ظَلَمُوا}(النمل : 54).

د- {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وهِيَ ظَالِـمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}(هود : 102).

هـ – {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَة إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِـمِين}(العنكبوث : 31).

قد يفسر الناس هلاك الاتحاد السوفياتي وسقوط نظام صدام حسين -مثلا- بهذا السبب أو ذاك، ولكن (الظلم) في الحالتين هو: أقْوى الأسباب بلاريْب.

ليس لأميركا (استثْنَاءٌ كونيٌّ) من هذه السنة أو القانون الذي يَنْطَبِقُ على كل ظالم، إذْ هو قانون دائمٍ وساري المفعول وعام: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}(طه : 108).. والظلم لخدمة الذات جريمةٌ.. وتزداد هذه الجريمةُ بلادةً وفداحة وسوء عقبى اذا كان الظلمُ (خدمة مَجَّانِية) لآخرين، أي لاسرائيل والايباك..

والوقت لم يفت. ففي مقدور الولايات المتحدة أن تكفَّ عن الظلم، خاصة في مجالسها التشريعية التي من المفترض فيها ان تكون (عادلة): تكفُّ عن ذلك، ليس بفكِّ العلاقة مع اسرائيل. فمن الجنون المطالبةُ بذلك. ولكن بالامتناع عن تأييد ظُلْمِ الصهاينةِ والاسرائيليين..

والقول بأن أميركا لا تستطيعُ إلا أن تَهْزِمَ العَدْلَ، وتنصُرَ الظلم يُوقِعُ هذا البلد الكبير في معضلة أخرى: عقلية ومعرفيَّةٍ وسياسيَّةٍ وحضارية وهو ان الولايات المتحدة (بلدٌ مُسَيَّرٌ لا مخيَّر)، أي فاقد الحرية والارادة والاختيار!.

3- في اخر تقرير لها، أعلنت منظمةُ العفو الدولية ـ في الأسبوع الماضي: (إن الحربَ على الارهاب انتهتْ بالفشل).. وهذا تقرير حق مؤيَّد بحقيقتين موضوعيتين مُوَثَّقتين مرئيتين ملموستَيْن:

حقيقة ان معدلات الارهاب في العالم زادت كما واتساعا وحدة..

وحقيقة أنه تَحْتَ شعار مكافحة الارهاب : مُورِس ارهابُ القمع والتعذيب وإِهْدار حقوق الانسان في سجون العراق وجوانتنامو وسجون أخرى حول العالم.

ومن عوامل الفشل الكبير في الحرب على الارهاب  : الانحراف الكبير بهذه الحرب: في البواعث والوسائل والمجالات والأهداف.

أيا كانت روايات (سبتمبر 2001)، فإن الأمر المؤكد: أَنَّ هناك (عزما) في الولايات المتحدة على مكافحة الارهاب. وليس يُلاَم الأميركيون على مكافحة شرٍّ نال من أمْنِهم واستقرارهم وروَّعهم أيما ترْويع. ولكن هذه القضية الوجيهة اكتنفها الخسرانُ سِراعا. فقد سارعت الصهيونية العالمية إلى دَسِّ اجندتها الخاصة في الاجندة الأميركية المناهضة للارهاب:

بل تداخلت الاجندتان بطريقة غُلِّبَتْ فيها المفاهيم والتدابير الصهيونية على المفاهيم والمواقف الأميركية الوطنية الخالصة. فأصبح الإرهاب هو: كُلَّ من يَرْفُض (التصور الصهيوني) للأمْن والسلام في المنطقة والعالم. وصور هذا المزعج والخلط بين الأجندة الصهيونية والاجندة الأميركية كثيرةٌ جدا، فنأخذ منها أقربها الى الوعي وهي قانون مجلس النواب الأميركي القاضي بحسبان الفلسطينيين جميعا (إرهابيين)!!.

إن هذا القانون (صهيوني):الخميرة والعَجْن والإِخْرَاج والهَدَف. فهو قد لخص مقولات قادة اسرائيل في هذا المجال، وأراد اسناد الاجراءات الاسرائيلية في حصار الشعب الفلسطيني وتجويعه، أو في الضغط العمودي الثقيل على الفلسطينيين حتى يزعنوا ـ بإذْلال ـ بمفهوم اسرائيل للأمن والسلام أو التسوية.

وهذا انحراف كبير جدا بالحرب على الارهاب، فهي حربٌ يفهمها عقلاء العالم ـ بالاضطرار ـ أنها حرب وُظِّفت فيها الولايات المتحدة لخدمة الاجندة الصهيونية.

وهذا الانحراف بالحرب: ليس في مصلحة الأميركيين لو كانوا يعقلون:

أولاً: ان هذا المفهوم المنحرف للارهاب سيحمل كثيرا من الناس في هذا العالم على الابتعاد عن الولايات المتحدة في هذه القضية، وبذا يتصَدَّعُ ما بقي من التحالف ضِدَّ الارهاب.

ثانياً: ان هذا المفهوم المنحرف يفتح مزيدا من أبواب جهنم عليهم وعلى حلفائهم. بمعنى ان الارهابيين ـ بالمفهوم الصهيوني الأميركي ـ سيجدون متسعا لادخال كُلِّ مَن يكرهُونَ في دائرة الأعداء: تقليدًا للمفهوم الصهيوني الأميركي بالضبط، كما أدخل مَجْلِسُ النواب الأميركي كُلَّ من يكرههم في دائرة الارهاب.

ولعل مما يبعث على الأمل في مواجهة هذه التحديات والمظالم: ان يَتَواصَى الفلسطينيون بالتماسك الوطني لدفع الموت الجماعيِّ بطريقَةٍ جماعيَّة حريصة على الحياة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *