قضايا المرأة بين الشرع والعقل


6- الإجبار في الزواج

أجاز الأئمة : المالكية والشافعية والحنابلة للأولياء والأوصياء حق إجبار البنت الرشيدة على الزواج بمن يختارونه لها، مع استحباب تخييرها، عكس ما ذهب إليه الحنفية.وقد درج الناس على هذا لعصور مديدة، ظلت البنت فيها لا رأي لها ولا اختيار، بله الرفض والامتناع، إلا أن التطور الذي عرفته الفتاة في العصور الأخيرة، وما أصابته من ثقافة وعلم، وحققته من نضج عقلي واستقلال ذاتي وانفتاح على العالم المعاصر، جعلها تستشعر وجودها وذاتيتها وترفض التحكم في مصيرها ورهن مستقبلها دون أن يكون لها في ذلك رأي أو رغبة.

وقد كان حق الإجبار موضع مراجعة ونقد من لدن الفقهاء والعلماء المجتهدين، ونحن هنا نكتفي بما كتبه الأستاذ المرحوم علال الفاسي في الموضوع قائلا :

“الوقت قد حان للعمل، بمذهب جمهور الأئمة المسلمين من تخيير البكر والثيب على السواءفيمن تختاره ليكون قرين حياتها، على أننا حينما نرجع لمستند التشريع الإسلامي نجد مذهب المالكية في هذه القضية محجوجا، فإن الحديث الشريف الذي يقول : البكر تستأمر وإذنها صماتها والثيب تعرب عن نفسها “. صريح في غير ما ذهب إليه إمام دار الهجرة، وحمل الأمر فيه على الاستحباب ليس فيه دليل، لأن الأمر متى أطلق انصرف للوجوب، ولقد روى السبعة عن أبي هريرة، أن رسول الله  قال :>لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن<(1) وروى السبعة إلا مسلما :” إن خنساء بنت خدام الأنصاري، زوجها أبوها وهي ثيب وكرهت ذلك، فأتت رسول الله  فرد نكاحها، أي أبطله”. وتروي لنا كتـــب السيرة : أن فتاة دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع خسيسته، وأنا له كارهة ! قالت عائشة : اجلسي حتى يأتي رسول الله، فجاء رسول الله  فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه وجعل الأمر إليها. فقالت الفتاة : يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي،ولكني أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء(2).

“فهل بعد هذه الأحاديث دليل أصرح على أن المرأة، بكرا كانت أو ثيبا، هي أحق باختيار من تريده من الزواج، وليس للولي منعها منه؟”. وقد أخذت المدونة بهذا الاختيار حيث حذفت من الفصل 12 كل ماله صلة بالإجبار.

أما عن الولي فيرى جمهور من الأئمة أنه شرط صحة في الزواج، بناء على ما ورد بخصوصه من نصوص حديثية من مثل قوله  فيما روى ابن عباس : لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل “وباعتباره ضمانة للمرأة وحماية لها وحفظا لحقوقها، لكن أبا حنيفة وزفر والشعبي والزهري على العكس من ذلك، يرونه شرط كمال فقط -وفي رواية عن ابن القاسم عن مالك أن الولاية سنة لا فرض- وجعلوا للمرأة أن تعقد زواجها بنفسها على من كان كفؤاً لها اعتمادا على الحديث المتفق عليه ” لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتىتستأذن”، وعلى فهمهم لقوله تعالى : {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف}(البقرة:234 ) وغيرها من الآيات التي نسبت النكاح مباشرة إلى المرأة، ولم يعملوا بحديث عائشة رضي الله عنها >أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل< -ولا بغيره من الأحاديث الواردة في الموضوع- لأنه حديث مختلف في صحته، وألا ظهر أن ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به(3)، ولأنه يخالف ظاهر القرآن، ومذهب الأحناف عدم تقييد ظاهر القرآن بخبر الآحاد والنص الظني، وهـــــذا فضلا عن اعتبارهم حرية المرأة في تصريف أمور أمــوالها، وأنها إنسانيــــــة كاملـــة الإنسانية كالرجل، مؤشــرين على استقــلالها بعقــد نكاحها. وقــد رتب المالكيـــة على المذهب الحنفي، أن المرأة إذا زوجت نفسها ثم مات زوجها فإنها ترثه بالرغم من اختلافهم مع الأحناف في صحة نكاحها لنفسها.

وقد أخذت مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1993 بمذهب الأحناف بخصوص الرشيدة التي لا أب لها أن تعقد على نفسها أو توكل من تشاء من الأولياء.

ثم جاء قانون الأسرة المغربية لسنة 2003 وجعل الولاية حقاً للمرأة تمارسها الرشيدة حسب اختيارها ومصلحتها ” كما أباح للرشيدة، أن تعقد زواجها بنفسها أو تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها ” المادتان :24 – 25.

تبقى الإشارة إلى أن الأحناف تراجعوا عن اختيارهم حق إعطاء المرأة زواجها بنفسها، عند فساد الزمان لما تبين في ذلك من أضرار يصعب دفعها وتلافي أخطارها بعد، واختاروا مذهب الجمهور وفقهه الذي يرى عدم صحة زواج المرأة إلا بولي.

مفهوم الرشد في الإسلام

يبقى أن نتعرف على حقيقة الرشد الإسلامي الذي أبيح بسببه للفتاة الرشيدة أن تعقد نكاحها بنفسها دون شرط ولي.

إن حقيقة الرشد في الإسلام تقوم على عناصر متكاملة تتمثل في القانون العمري والنضج العقلي والمعرفي والنفسي، ومن ثم فالفتاة الرشيدة التي أصبحت تتمتع بحق الولاية على نفسها، تعنى من المنظور الاسلامي أنها بلغت سنا معينا، ولها مستوى ثقافي معرفي، زيادة على النضج العقلي والإدراك والتمييز، بل والإحساس بالمسؤولية، والتصور الواضح الجلي، لما هي مقبلة عليه، في تحمل مسؤولية الاختيار والقرار في بناء الأسرة والقيام بأعبائها والتزاماتها باعتبار “المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها” كما جاء في الحديث المتفق عليه.

إن الرشد الإسلامي شعور بالذات وبداية استكمال الشخصية، ومستوى ثقافي واجتماعي يحول دون الوقوع في المزالق والمطبات، وليس استجابة لشهوات ونزوات، وما قد تثيره النفس الأمارة بالسوء من أحاسيس كاذبة واستجابة خادعة، ما أن يتجلى الصبح وتظهر الحقائق، حتى تنجلي العواطف الهوجاء التي لا تصدق صاحبها، ولا تدله على الخير بله أن تعينه عليه، حتى يتبين أن ما حسبته الفتاة عملا صادرا عن رشد ووعي،لم يكن إلا غيا وضلالة وتخبطا وسفها، وهنا تصطدم الفتاة التي ظنت نفسها رشيدة، أنها لم تكن في مستوى اتخاذ القرار الصائب الذي غاب عنه الولي والمرشد الناصح، والمسؤولية التي تحمست لها واعتقدت أنها في تلك المرحلة من السن أهل لها ومن حقها أن تمارسها كاملة غير منقوصة.

هذا البيان ليس دعوة إلى النكوص وعدم ممارسة الحقوق، ولكنه إيضاح وبيان لحقيقة الرشد الحق أو مقاربة لـه ” وقد تبين الرشد من الغي ” والهداية من الضلال، فاللائي يأنسن من أنفسهن الرشد الحق، هن الراشدات حقا، واللائي يرتبن في ذلك، ولا يجدن في أنفسهن ما تطمئن إليه عقولهن وترتاح إليه خواطرهن، فليتذكرن قول الرسول  ” دع ما يريبك إلى ما يريبك، فإن الصدق طمأنينة (سكن القلب) وإن الكذب ريبة “(قلق ووسوسة) “وما خاب من استشار وما ندم من استخار”.

——–

1- متفق عليه.         //      2- رواه أحمد والنسائي.

3- بداية المجتهد ج 2 ص 98.

ذ.عبد الحي عمور

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *