تفسير سورة الطلاق


6- مفهوم الفاحشة وأثرها في تدمير المجتمعات

مازلنا مع قول الله تعالى : {ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.

وقد أشرنا في الحلقة السابقة إلى أن الله نسب البيوت إلى النساء في هذا المقام، مقام الفراق أي للمرأة أن تبقى في البيت حتى تنقضي عدتها، وفي ذلك مقاصد شرعية من جملتها الحرص على المرأة من التشرد {ولا يخرجن إلا أن ياتين بفاحشة مبينة} في هذه الحالة فقط يمكن إخراجهن من البيت فور الطلاق.

والفاحشة كلمة قرآنية تتردد كثيراً في القرآن الكريم مثلها مثل الفحشاء، وهي عبارة عن الفعل أو القول الذي يعظم قبحه. وهناك أعمال وأقوال أقل درجة من القبح يسميها الشرع معاصي، والمعاصي إذا بلغت درجة خطيرة ترتفع من درجة المعصية إلى أن تصير فاحشة أو فحشاء. وقال بعض المفسرين إن كلمة الفاحشة إذا وردت بالتعريف فإنها تطلق غالباً على الزنا أي صارتعلماً. وإذا أتت مُنَكَّرة فإنها تطلق على المعصية العظيمة، وقد أشار إلى ذلك ابن عطية.

إذن، إذا استعملت كلمة الفاحشة مُعَرَّفة فإنها تنصرف مطلقاً إلى الزنا، لماذا؟ لأن الآثام كثيرة والجرائم كثيرة، وكلها فواحش وعظائم، لكن أعظم الفواحش وأخطرها وأكثرها تدميراً للإنسان هي فاحشة الزنا، والله سبحانه وتعالى سمى الزنا فاحشة، لأن نظام الزنا إذا فشا يكون تدميراً للمجتمع ككل أي تنشأ فيه الطواعين أي الأمراض التي ذكرها الرسول  أي أنه ما ظهر الزنا في قوم إلا فشت فيهم الطواعين وطاعون السيدا نوع من الطواعين. ولكن قبل هذا، هناك تخلخل في البناء في المجتمع وتزول منه الروابط أي لا أحد يعرف من هو؟ ولا أحد ينتسب إلى أحد، لا أحد يرتبط بأحد، ويقع التفكك المطلق  وهو الذي تريده المدنية الغربية وتريد أن تصدره لنا.

إن المجتمع بهذه الروابط والعصبيات الأسرية (الزوجية، والبنوة، والأبوة…) ولذلك تسود التضحية والتعاطف.. فإذا تفككت هذه العلاقات انتهى المجتمع وضربه الله تعالى بالذل والصَّغَار. وأنتم تلاحظون المجتمعات التي يبشر بها كثير من الكتاب الآن ويريدون أن ينقلوا مجتمعنا إلى تلك القيم المنحطة ويتهمون المسلمين بأن لهم أخلاقاً رجعية قديمة ظلامية، فغيرة الرجل على أهله -في عرف هؤلاء- نوع من التخلف والتزمت يجب أن يتجاوز.

ألا يكون عندك عطف أو غيرة أو انتماء أو ولاء.. هذه هي المدنية الحقة التي فيها كل شيء مباح. والشباب الذي لا خبرة له ولا تجربة له ربما ينساق إلى هذا النموذج مما يفسر فُشُوَّهُ في مجتمعاتنا.

الله سمى الزنا فاحشة وكأنه رأس الفواحش، ولا يقبل الاسلام أبداً أن يعيش المسلمون مسلمين وهم في نفس الوقت زناة.. أبداً. إن مجتمع المسلمين يرفض الزنا أبدا لأنه عدوان وفوضى وتدمير لكيان المجتمع. ما معنى أن يزني رجل بزوجة رجل آخر؟ معناه تدمير لإنسانآخر وتدمير لأسرته التي يعمل ويكد ويجد من أجل المحافظة عليها.

هل للزاني دور إيجابي في هذا المجتمع؟ هل من أجل أن يستمتع بهذه الملذات نعطيه فرصة تدمير أسر كاملة؟

لذلك جعل الله تعالى حد الزاني حداً مضبوطاً وخصوصاً المحصن فإن جزاءه أن يقتل رجماً حتى يقف الناس عن إتيان هذا الجرم الفظيع.

{إلا أن ياتين بفاحشة مبيّنة} هذا يدعو إلى نوع الفاحشة التي من أجلها يمكن للمرأة أن تُخْرَج من البيت بعد الطلاق، فلا يكون لها حق المكث في البيت، وقد اختلفوا في هذا على أقوال :

>- فقال بعضهم : إن المراد بالفاحشة هو الزنا. قال ابن عباس : يُخرجن لإقامة الحد عليهن. وليس كما يحدث الآن : إذا زنا رجل بامرأة فإن البعض يسعى بينهما ليتزوجا وكفى، إذن بعدما اقترفا إثماً عظيماً كافأناهما بالزواج. فهل هذا الزوج سيكون مطمئناً إذا سافر مثلا وترك هذه المرأة التي سبق أن زنت معه. فما يضمن عدم تكرارهاللفعل مع غيره؟ إذن يبقى البيت دائما مهزوزاً. فهذه الزانية لا تنكح، وربما إذا ظهرت توبتها وصلاحها يمكن ولكنها في غير ذلك لا يمكن.

إن كثيراً من الأسر التي تتأسس الآن هي أُسَر الحدائق والمنتزهات والخلوات ومخالفات الشرع.

– وقال آخرون : إن المراد بالفاحشة هنا هو البذاءة أي سلاطة اللسان وسوء المنطق. وامرأة بذيئة وسليطة اللسان مع الزوج وأقاربه يجب أن تخرج من البيت لأن بقاءها لا يحقق الاتفاق والالتئام والرجوع إلى الصواب. فإذا كانت بهذه الأخلاق وطلقت وبقيت في البيت ربما سيزيد قبحها وشراستها وهي على هذه الحالة، فتخلق مشاكل إضافية كثيرة، وربما يضربها حموها أو يؤذيها فلذلك خروجها من البيت هو ارتكاب لأخف الضررين. فخروجها أولى من بقائها.

– وقال البعض : المراد بالفاحشة هو المعاصي التي تأتيها المرأة كالسرقة، فإذا تركها الزوج في البيت سرقت متاعه وسربته إلى جهة أخرى. فإذا كانت غير مأمونة في دينها فربما بقاؤها في البيت وهي مطلقة فيه خطر على زوجها، لذلك فخروجها أحسن من بقائها في بيت الزوجية.

إن الرجل والمرأة مجتمعان بحكم المودة والمحبة، في إطار تنظيم محكم ينضبط بضوابط الشريعة الاسلامية التي لا تحابي أحدهما على حساب الآخر، والعلمانيون الذين ينظرون بإعجاب إلى المجتمع الغربي يريدون تحريف مفهوم الأسرة هذا ويريدون أسرة على أسس علمانية تنتج جيلا علمانياً منحلاً مفككاً، في المقابل يريدون غياب الأسرة المسلمة من الوجود لأن الزوج فيها ما زالت له القيادة. فهذه امرأة ناشز -مثلا- خرجت من بيتها وطلقت، فإنها ما دامت على هذه الحال، قال بعض الفقهاء : إنه ليس لها حينذاك أن تطالب بالسكنى بعد الطلاق لأنها ناشز ولأنها عندما كان لها بيت كانت لا تريد المكوث فيه.

{بفاحشة مبيّنة} وسمى الله الفاحشة {مبيّنة} (بكسر الياء وفتحها) :

> فأما أنها مُبَيّنة فكأنها هي اسم فاعل تبين أنها فاحشة لبشاعتها وسوئها ولذمامتها، هي في نفسها تعلن عن نفسها أنها فاحشة، لا تحتاج لأحد ليُعَبِّر عنها بأنها فاحشة، ولا تُنْكَرُ بأنها فاحشة إلا إذا سقمت العقول وساءت الأذواق.

> وأما أنها مُبَيَّنة (اسم مفعول) أي أنها قامت عليها الحجة وشهد عليها الشهود بأنها قد وقعت. أي لا تُدعي على المرأة الفاحشة إلا إذا ثبتت. فإذا ثبتت فحينئذ تُخرج المرأة أو تطلق ولا يكون لها حق السكن.

{وتلك حدود الله} فهذه التعقيبات تربية قرآنية، والحد هو الشيء الذي يوضع مبيناً المكان الذي لا يجوز للإنسان أن يتجاوزه، فالله تعالى جعل الأشياء مصنفة وموزعة إلى حقوق وإلى حدود. فهناك مجال هو من حق الله عز وجل وهناك مجال هو من حق المجتمع، وهناك مجال من حق الفرد.

فإذا سكر الإنسان لا يقول : إنني أستمتع بشيء هو من حقي، نقول له : إنك إن أكلت أو شربت أو لبست.. فأنت في حدود حقك. لكنك إن سكرت قد خرجت ووطئت حينئذ بقدمك حداً آخر وحمى آخر ومجالاً آخر، هو منسوب لله عز وجل. وإذا اعتدت لله على حده فبأي شيء سيعاملك؟ سيدافع الله  عن حده. سيقصم الظالمين والفاسقين الذين يتعدون حدوده لأن الله يريد أن يبقى حده محترماً.

وقد تعودنا حتى في دراستنا وتعليمنا أن نتحدث عن حقوق الفرد والمجتمع فقط. ولا حديث عن حقوق الله التي عليها تتأسس سائر الحقوق الأخرى. هذا هو سبب الكارثة، وهذه المفاهيم مُرِّرت في صمت وبمكر وخبث، إنه فخ سقط فيه حتى المتدينون والمثقفون.

ما الفرق بين الاسلام والديمقراطية؟ الديمقراطية لا تؤمن إلا بحقين : حق الفرد وحق المجتمع ولا وجود لحق الله. فإذا اجتمع أناس في مؤسسة تشريعية مثلا وقرروا النظر في ميزانية معينة وقرروا أن من جملة موارد الدولة موارد الخمر وما شابه من قمار وميْسر ودعارة. فهذا حق من حقوق المجتمع. هذا التقدير خطأ وغير مقبول لأن هذا يتطاول على حق الله تعالى وهو اعتداء على حدود الله.

إذن متى تكون الديمقراطية صحيحة؟ هو أن توجد هذه المعاني : حق الفرد وحق المجتمع وحق الله الذي يؤطرهما. عندئذ يمكن أن نتحدث عن ديمقراطية إسلامية لا تناقش الكتاب  والسنة في أحكامهما القطعية. عند ذاك إذا احترمت حقوق الله في البلاد الاسلامية زالت كثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *